- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةأبحاث ودراساتالصحراء المغربية: من البيعة والروابط التاريخية إلى الوثيقة والمعاهدة والقانون الدولي.

الصحراء المغربية: من البيعة والروابط التاريخية إلى الوثيقة والمعاهدة والقانون الدولي.

دراسة تاريخية وقانونية في الصحراء الغربية والصحراء الشرقية

مقدمة

تحتل قضية الصحراء موقعاً مركزياً في تاريخ الدولة المغربية وفي تطور علاقاتها مع محيطها المغاربي والإفريقي والأوروبي. غير أن تناول هذه القضية يحتاج إلى تجاوز الاختزال السياسي الذي يحصرها في النزاع الذي نشأ خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لأن جذورها تمتد إلى قرون سابقة، وإلى بنية سياسية مختلفة عن مفهوم الدولة الحديثة وحدودها المرسومة بالخرائط والخطوط الهندسية.

فالمغرب، كما تطورت دولته عبر التاريخ، لم يكن مجرد مجال ترابي تحدده حدود ثابتة بالمعنى المعاصر، وإنما كان نظاماً سياسياً يقوم على مؤسسة السلطان، والبيعة، والعلاقات بين المركز والقبائل، والظهائر، وتعيين القضاة والقياد، وتنظيم طرق التجارة، وحماية المجال، والروابط الدينية والقضائية والإدارية.

ومن هذه الزاوية، فإن البحث في علاقة الصحراء بالمغرب يستوجب دراسة مجموعة متكاملة من الأدلة، لا الاقتصار على وثيقة واحدة أو مرحلة تاريخية محددة. وتتمثل هذه الأدلة في البيعات، والظهائر السلطانية، والمراسلات، والتعيينات الإدارية والقضائية، والممارسة العسكرية، والطرق التجارية، والعلاقات القبلية، والمعاهدات الدولية، والمراسلات الدبلوماسية، ثم مواقف القوى الاستعمارية خلال مرحلة تقسيم المجال المغاربي.

وتزداد أهمية هذا المنهج عندما يتعلق الأمر بالصحراء الغربية، التي أصبحت منذ الاستعمار الإسباني ثم إنهاء الإدارة الإسبانية موضوعاً لمسار أممي طويل، وعندما يتعلق الأمر كذلك بالصحراء الشرقية، التي شهدت خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تحولات عميقة نتيجة التوسع الاستعماري الفرنسي في الجزائر، وما رافقه من إعادة رسم للحدود والمجالات السياسية والاقتصادية والقبلية.

وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل الجذور التاريخية والقانونية للعلاقة بين المغرب ومجالاته الصحراوية، مع التركيز على الصحراء (الغربية) المغربية  والصحراء الشرقية، وطرح سؤال مركزي: إلى أي مدى تسمح البيعة والممارسة السلطانية والوثائق التاريخية والمعاهدات الدولية بإعادة بناء صورة العلاقة التاريخية بين المغرب وهذه المجالات، وكيف انتقلت هذه العلاقة من نظام المخزن والروابط القبلية إلى نظام الحدود الدولية الحديثة؟

وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن فهم قضية الصحراء لا يمكن أن يتم من خلال مفهوم واحد للسيادة، بل يستوجب الجمع بين التاريخ السياسي والاجتماعي، وتطور الدولة المغربية، والقانون الدولي، والتحولات التي أحدثها الاستعمار الأوروبي في شمال إفريقيا.

1. الدولة المغربية قبل الحدود الحديثة

1.1  المخزن باعتباره نظاماً سياسياً

ارتبط مفهوم الدولة المغربية تاريخياً بمؤسسة السلطان والمخزن، حيث كانت السلطة المركزية تمارس نفوذها على مناطق مختلفة بدرجات متفاوتة.

ولم تكن طبيعة هذا النفوذ واحدة في جميع المجالات.

ففي المناطق القريبة من المركز كانت الإدارة أكثر انتظاماً، بينما كانت العلاقة في المجالات الصحراوية والقبلية تقوم بدرجة أكبر على البيعة، والوساطة القبلية، وتعيين القياد، والسلطة القضائية، وحماية الطرق، وجمع بعض الموارد، وإقرار الأمن.

وهذا يفسر لماذا لا يمكن البحث عن الحدود المغربية القديمة باستخدام الخريطة الحديثة وحدها.

فالحدود الحديثة تفترض خطاً جغرافياً واضحاً يفصل بين سيادتين، بينما كانت العلاقات السياسية في أجزاء واسعة من الصحراء تقوم على شبكة من الولاءات والسلطات المتداخلة.

وقد لاحظت محكمة العدل الدولية نفسها، عند بحثها قضية الصحراء الغربية سنة 1975، خصوصية الدولة الشريفة المغربية، مشيرة إلى أنها كانت تقوم على رابطة دينية مشتركة وولاء قبائل للسلطان عبر القياد والشيوخ أكثر مما تقوم على مفهوم الإقليم بالمعنى الأوروبي الحديث.

ومن هنا تأتي أهمية البيعة في فهم التاريخ السياسي المغربي.

2. البيعة: مؤسسة سياسية ودينية ذات وظيفة تاريخية

2.1   معنى البيعة في النظام المغربي

لم تكن البيعة في المغرب مجرد إعلان ديني للولاء، بل كانت مؤسسة سياسية لها مضمون عملي.

فالقبيلة أو الجماعة التي تدخل في البيعة تعترف بسلطة السلطان، بينما يتحمل السلطان مسؤوليات الحماية وإقامة العدل وصيانة الأمن والدفاع عن المجال الإسلامي.

ولهذا يمكن دراسة البيعة باعتبارها إحدى أدوات بناء الدولة المغربية التاريخية.

وتكتسب البيعة أهمية خاصة في المناطق الصحراوية بسبب طبيعة التنظيم الاجتماعي القبلي.

فالسلطة المركزية لم تكن بحاجة دائماً إلى إقامة جهاز إداري مركزي كثيف في الصحراء كي يكون لها حضور سياسي. كان يكفي في كثير من الحالات أن تكون لها علاقة بالزعامات المحلية والشيوخ، وأن تعترف بها القبائل، وأن يمارس السلطان اختصاصات دينية وقضائية وسياسية معينة.

ومن هنا جاءت أهمية الوثائق المكتوبة التي تتضمن صيغ البيعة.

3. البيعة الصحراوية كمصدر تاريخي

تقدم البيعات التي نسبت إلى شيوخ وأعيان قبائل الصحراء مادة مهمة لدراسة طبيعة العلاقة مع السلطان المغربي.

وتتطلب هذه الوثائق قراءة علمية دقيقة من حيث:

  1. تاريخ الوثيقة.
  2. أسماء الموقعين عليها.
  3. الجهة التي وجهت إليها.
  4. طبيعة الالتزامات المتبادلة.
  5. الظروف السياسية التي أحاطت بها.
  6. مدى استمرار العلاقة بعد البيعة.
  7. الأدلة الأخرى التي تؤكد ممارسة السلطة.

وهنا يجب الحذر من تحويل البيعة منفردة إلى دليل آلي على السيادة الإقليمية وفق مفهوم القانون الدولي الحديث.

فالقيمة التاريخية للبيعة كبيرة، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تتقاطع مع أدلة أخرى، مثل تعيين القياد والقضاة، والمراسلات السلطانية، والحماية العسكرية، وتنظيم التجارة، والضرائب أو الزكاة، وممارسة القضاء.

وهذه القراءة المركبة هي التي تسمح بإظهار الاستمرارية السياسية بدل الاكتفاء بالرمزية.

4. الظهائر السلطانية: من البيعة إلى ممارسة السلطة

من أهم الوثائق التي ينبغي اعتمادها في دراسة الصحراء المغربية الظهائر السلطانية.

فالظهير ليس مجرد رسالة سياسية، وإنما وثيقة صادرة عن السلطة المركزية وتكشف عن ممارسة اختصاص معين.

ومن بين أنواع الظهائر ذات الأهمية:

  • تعيين القياد.
  • تعيين القضاة.
  • تعيين المسؤولين المحليين.
  • تنظيم الشؤون الدينية.
  • حماية القوافل.
  • منح الامتيازات.
  • تنظيم الأسواق.
  • معالجة النزاعات القبلية.
  • توجيه المراسلات إلى شيوخ القبائل.

وتتضاعف قيمة هذه الوثائق عندما تكون مرتبطة بأسماء مناطق وقبائل محددة.

فوثيقة تعيين مسؤول أو قاضٍ في منطقة صحراوية لا تساوي في قيمتها وثيقة عامة تتحدث عن المجال المغربي، لأنها تكشف عن فعل إداري محدد.

وهذا النوع من الأدلة هو الذي ينبغي أن يكون في صلب أي دراسة علمية عن علاقة الصحراء بالمغرب.

5. الصحراء (الغربية) المغربية  في التاريخ السياسي للمغرب

5.1  المجال الصحراوي ليس فراغاً سياسياً

من الأخطاء المنهجية النظر إلى الصحراء الغربية (المغربية) قبل الاستعمار الإسباني باعتبارها مجالاً فارغاً من التنظيم السياسي.

فقد كانت المنطقة مأهولة بقبائل ومجموعات بشرية ترتبط بالتجارة والرعي والزوايا والطرق الصحراوية.

وكانت علاقات هذه القبائل بالقوى السياسية المحيطة متعددة الأشكال.

أما بالنسبة إلى المغرب، فقد اتخذت العلاقة في بعض الحالات شكل البيعة والولاء للسلطان، وفي حالات أخرى شكل الارتباط بشيوخ وقواد وممثلي السلطة.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية قانونية، إذ خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر سنة 1975 إلى أن الصحراء الغربية لم تكن أرضاً بلا صاحب (terra nullius) عند بدء الاستعمار الإسباني، كما أقرت بوجود روابط قانونية من التبعية بين بعض قبائل الإقليم وسلطان المغرب،  وهذا ما يعتبر على ان تلك الروابط في حد ذاتها دليلاً على قيام السيادة الإقليمية المغربية على الإقليم.

 6. الدول المغربية المتعاقبة والامتداد الصحراوي

6.1 .  المرابطون

تكتسب الدولة المرابطية، التي تأسست في القرن 11م واتخذتمراكش عاصمة لها سنة 1070م تقريباً، أهمية خاصة في فهم العلاقة التاريخية بين المغرب والمجال الصحراوي؛ فقد نشأت الحركة المرابطية في بيئة الصحراء الغربية، ثم تحولت تدريجياً إلى قوة سياسية كبرى امتد نفوذها إلى المغرب الأقصى وشمال إفريقيا والأندلس. وبحلول أواخر القرن 11م، أصبحت مراكش مركزاً لدولة واسعة ربطت بين المجال الصحراوي والمغربي وشمال إفريقيا والأندلس، كما عززت طرق التجارة العابرة للصحراء اتصال المغرب ببلاد السودان الغربي. ويكشف هذا المسار التاريخي أن الصحراء لم تكن مجالاً هامشياً منفصلاً عن نشأة الدولة المغربية، بل كانت جزءاً من البيئة الجغرافية والبشرية والتجارية التي أسهمت في تكوينها وتوسيع شبكاتها السياسية والاقتصادية.

 6.2 . الموحدون

مع قيام الدولة الموحدية في 1121م تقريباً على يد ابن تومرت، ثم دخول مراكش سنة 1147م في عهد عبد المؤمن بن علي، تطورت شبكة السلطة المغربية نحو مجالات واسعة في شمال إفريقيا والأندلس، وأصبحت مراكش مركزاً لإمبراطورية امتدت من المغرب إلى مناطق واسعة من المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس. وفي الوقت نفسه، ظلت الصحراء جزءاً من المجال الحيوي للدولة، من خلال شبكات التجارة والقوافل والحركة العسكرية والدعوية التي ربطت المغرب بالمجالات الجنوبية وبلاد السودان الغربي. ويبرز هذا الامتداد استمرار الترابط بين المجال المغربي والصحراء في تطور الدولة المغربية خلال العصر الوسيط

.6.3  السعديون

تكتسب الدولة السعدية، التي ظهرت في المغرب خلال النصف الأول من القرن 16م وتولى السعديون الحكم رسمياً منذ 1554م، أهمية خاصة في تاريخ العلاقة بين المغرب والمجال الصحراوي، بحكم ارتباط قوتها السياسية والاقتصادية بشبكات التجارة العابرة للصحراء وبالمجالات الجنوبية. وبلغ هذا الامتداد ذروته في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي (1578–1603م)، الذي عزز حضور الدولة المغربية في اتجاه السودان الغربي، ولا سيما بعد حملة 1591م التي وصلت إلى مناطق نهر النيجر. وقد ارتبطت هذه المرحلة بمراكز وقوافل تجارية صحراوية مهمة، إذ شكل التحكم في طرق التجارة العابرة للصحراء ومراكزها أحد عناصر القوة الاقتصادية والسياسية للدولة السعدية، ورسخ موقع المغرب بوصفه حلقة وصل بين شمال إفريقيا والمجالات الصحراوية وبلاد السودان  الغربي؟

.6.4   الدولة العلوية

استمرت الدولة العلوية منذ قيامها في منتصف القرن السابع عشر في إعادة بناء علاقاتها السياسية والإدارية مع القبائل والمجالات الصحراوية، ضمن مسار تاريخي اتسم بتأكيد الروابط التي تجمع هذه المناطق بالمركز السلطاني. وتبرز في هذا السياق أهمية البيعات والظهائر السلطانية باعتبارها من أبرز الوثائق التي عكست طبيعة العلاقة بين السلاطين العلويين ومختلف القبائل والمجالات الواقعة ضمن نفوذ الدولة. وقد اكتسبت هذه الروابط أهمية خاصة خلال القرن التاسع عشر، حين ازدادت الضغوط الأوروبية على المغرب، وأصبحت المحافظة على وحدة المجال وتعزيز الروابط السياسية مع المناطق الصحراوية جزءاً من تحديات الدولة في مواجهة الأطماع والتدخلات الأجنبية.

7. مولاي الحسن الأول والدبلوماسية الصحراوية

يحتل السلطان مولاي الحسن الأول موقعاً مهماً في تاريخ العلاقة بين الدولة المغربية والمجالات الصحراوية.

فقد قام بحملات وحركات سلطانية نحو الجنوب والجنوب الشرقي، وكانت لها أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية.

وكان الهدف من هذه التحركات تثبيت الولاء، وتأمين طرق التجارة، وتأكيد حضور السلطة المركزية.

وهنا تتقاطع ثلاثة عناصر:

البيعة + الحركة السلطانية + تعيين ممثلي السلطة.

وعندما تجتمع هذه العناصر تصبح لدينا صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة العلاقة بين المركز والمجال الصحراوي.

8. الشيخ ماء العينين والعلاقة بالسلطة المغربية

تمثل شخصية الشيخ ماء العينين نموذجاً مهماً في دراسة العلاقة بين الزعامات الصحراوية والسلطة المغربية.

فقد كان شخصية دينية وقبلية مؤثرة، وأقام علاقات قوية مع السلطان المغربي.

والأهمية التاريخية لهذا النموذج لا تكمن فقط في شخص الشيخ، وإنما في طبيعة العلاقة بين الزعامات المحلية والمؤسسة السلطانية.

فحين تمنح السلطة المركزية دعماً مالياً وعسكرياً لزعيم محلي، وتوجه إليه الرسائل، وتعترف بمكانته، ويعلن الزعيم ولاءه للسلطان، فإن ذلك يعكس نمطاً من أنماط ممارسة السلطة في الدولة المغربية التقليدية.

وهذا النمط لا ينبغي إسقاط مفهوم الدولة الحديثة عليه بصورة آلية، لكنه يمثل دليلاً مهماً على البنية السياسية التي سبقت الاستعمار.

9. المعاهدات الدولية والاعتراف الخارجي

لا تقتصر الأدلة المتعلقة بالصحراء الغربية على الوثائق المغربية.

فجزء مهم من الملف يتمثل في المعاهدات والمراسلات الدولية التي كانت فيها القوى الأوروبية تتعامل مع السلطان المغربي.

ومن بين الوثائق التي قدمها المغرب أمام محكمة العدل الدولية معاهدات مع إسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، إضافة إلى معاهدة 1895 مع بريطانيا.

وتكشف هذه الوثائق عن أن قضية المجال المغربي الجنوبي كانت حاضرة في العلاقات الدولية خلال القرن التاسع عشر.

لكن الدراسة العلمية يجب أن تتعامل معها بدقة.

فمحكمة العدل الدولية لم تقبل كل التفسيرات المغربية لهذه المعاهدات.

وفي قضية اتفاق 1895 مثلاً، رأت المحكمة أن النص لا يثبت بالضرورة اعتراف بريطانيا بسيادة مغربية قائمة على المنطقة بالطريقة التي فسرها المغرب، وإنما كان له أثر في عدم معارضة المطالب السلطانية في تلك المنطقة.

وهذا مثال مهم على ضرورة التمييز بين الوثيقة التاريخية والتفسير القانوني الذي تعطيه المحكمة لها.

10. رأي محكمة العدل الدولية لعام 1975

يشكل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 16 أكتوبر 1975 محطة أساسية في المسار القانوني لقضية الصحراء، إذ رفضت المحكمة بالإجماع اعتبار الإقليم عند بداية الاستعمار الإسباني Terra Nullius، أي «أرضاً بلا مالك»، وهو مفهوم قانوني يشير إلى إقليم لم يكن خاضعاً لسيادة دولة أو لسلطة سياسية منظمة يمكن الاعتراف بها قانوناً. ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية خاصة لأنه ينفي تصور الصحراء باعتبارها مجالاً خالياً من الروابط السياسية والقانونية السابقة للاستعمار.

وفي الجانب المتصل بالعلاقات المغربية، أقرت المحكمة بأغلبية 14 صوتاً مقابل صوتين بوجود روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض القبائل التي كانت تقيم في إقليم الصحراء، بما يؤكد وجود صلات سياسية وقانونية سابقة للاستعمار بين السلطان المغربي وجزء من سكان الإقليم. ، وهنا لا  يصح تجاهل ما أثبته من روابط قانونية للبيعة؛ فالرأي جمع بين الأمرين، مع تأكيده في سياق تصفية الاستعمار على مبدأ تقرير المصير. وتظل أهمية هذا الرأي بالنسبة للمقاربة التاريخية والقانونية المغربية كامنة في اعتراف المحكمة بوجود روابط قانونية فعلية بين سلطان المغرب وبعض قبائل الصحراء، ورفضها في الوقت ذاته وصف الإقليم بأنه Terra Nullius.

11.  المسيرة الخضراء واستكمال استرجاع الأقاليم الجنوبية

دخلت قضية الصحراء مرحلة جديدة سنة 1975، حين شارك في 6 نوفمبر نحو 350 ألف مغربي في المسيرة الخضراء باتجاه الصحراء، تعبيراً جماهيرياً عن المطالبة بإنهاء الوجود الاستعماري الإسباني. ثم جاءت اتفاقات مدريد في نوفمبر 1975 التي أنهت الإدارة الإسبانية للإقليم، وإن ظلت طبيعتها وآثارها القانونية والسياسية موضع خلاف داخل منظومة الأمم المتحدة. ولم يتوقف مسار استرجاع الأقاليم الجنوبية عند ذلك، فقد كان المغرب قد استعاد طرفاية سنة 1958 وسيدي إفني سنة 1969، ثم استعاد العيون والسمارة عقب إنهاء الإدارة الإسبانية، وتواصل المسار وصولاً إلى وادي الذهب سنة 1979. واكتسبت بيعة وادي الذهب أهمية خاصة في السردية السياسية المغربية، باعتبارها تجديداً للولاء للعرش المغربي من جانب شيوخ المنطقة. وهكذا ارتبط استرجاع الأقاليم الجنوبية بمسارين متكاملين: المسار الجماهيري والسياسي الذي جسدته المسيرة الخضراء، والمسار المحلي الذي تمثل في تجديد البيعة والاندماج في مؤسسات الدولة.

وهكذا أصبح الاسترجاع المغربي للأقاليم الجنوبية مرتبطاً بمسارين:

المسار الجماهيري والسياسي – المسيرة الخضراء.

والمسار المحلي – تجديد البيعة والاندماج في مؤسسات الدولة.

12. الصحراء الشرقية وتطور الحدود المغربية الجزائريةلصحراء_المغربية

إذا كانت الصحراء الغربية ترتبط تاريخياً بالاستعمار الإسباني وبمسار تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة، فإن ملف الصحراء الشرقية يختلف في طبيعته القانونية والتاريخية، إذ يرتبط أساساً بتاريخ الحدود المغربية الجزائرية وبالتوسع الاستعماري الفرنسي في الجزائر. ومن المنظور المغربي، فإن مناطق واسعة من هذا المجال، ولا سيما توات وقورارة وتيديكلت وبشار وتندوف ومجالات الساورة، ارتبطت تاريخياً بالمغرب من خلال علاقات سياسية وقبلية وتجارية، وبروابط البيعة والولاء للسلطان، قبل أن يؤدي التوسع الاستعماري الفرنسي إلى إعادة تنظيم المجال وإلحاق أجزاء منه بالجزائر الفرنسية. ولذلك يستند الطرح المغربي إلى أن الحدود الحالية لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاستعماري الذي تشكلت خلاله.

وتبرز معاهدة لالا مغنية الموقعة في 18 مارس 1845 بين المغرب وفرنسا، عقب حرب إسلي، باعتبارها وثيقة أساسية في فهم تطور الحدود. فقد حددت المعاهدة جزءاً من الحدود بين المغرب والجزائر الفرنسية، لكنها لم ترسم حدوداً شاملة في المناطق الصحراوية الجنوبية، وهو ما يكتسب أهمية في القراءة المغربية للتاريخ الحدودي للمنطقة. كما ميزت بين قبائل تابعة للمغرب وأخرى تابعة للجزائر، وحددت بعض القصور الصحراوية التابعة لكل طرف، بما يعكس طبيعة مجال كانت فيه الروابط القبلية والحركة والرعي والمياه والتجارة تتجاوز مفهوم الحدود الخطية الحديثة. ومن ثم، لا ينظر المغرب إلى معاهدة لالا مغنية باعتبارها وثيقة تحسم بمفردها مسألة الحدود الصحراوية، وإنما باعتبارها دليلاً على أن الترسيم الحدودي في الجنوب لم يكن مكتملاً ونهائياً سنة 1845.

وتكشف هذه المعطيات أن قضية الصحراء الشرقية لا تنفصل عن التحولات التي أحدثها الاستعمار الفرنسي، ولا سيما إعادة تنظيم المجالات الصحراوية وفق اعتبارات إدارية وحدودية جديدة. ومن هنا يقوم الموقف المغربي على قراءة تاريخية تستند إلى الوثائق والخرائط والمعاهدات والظهائر والبيعات والروابط السياسية والقبلية، لفهم طبيعة المجال قبل الترسيم الاستعماري وكيفية تشكل الحدود الحديثة. وبذلك، فإن دراسة الصحراء الشرقية من المنظور المغربي لا تعني إسقاط الحدود المعاصرة على الماضي، وإنما بحث الكيفية التي أعاد بها الاستعمار تشكيل مجال تاريخي كانت تتداخل فيه دوائر النفوذ والولاء والحركة، وما ترتب عن ذلك من إشكالات حدودية ظلت حاضرة في الذاكرة التاريخية والقانونية المغربية.

13. الاستعمار الفرنسي وإعادة تشكيل المجال الصحراوي

13.1. التوسع الفرنسي وإعادة رسم المجال

يستند الموقف المغربي في تناول قضية الصحراء الشرقية إلى أن الحدود الحالية للمنطقة لا يمكن فصلها عن التحولات التي أحدثها التوسع الاستعماري الفرنسي في المجال المغاربي. ولذلك ينبغي تجنب القول إن فرنسا «نقلت الصحراء الشرقية المغربية إلى الجزائر» بقرار واحد، فالتشكل الحدودي كان نتيجة توسع تدريجي من الجزائر الفرنسية نحو المجالات الصحراوية، وإدخال مناطق مختلفة في نظم إدارية متغيرة، في وقت لم تكن فيه الحدود الجنوبية المغربية الجزائرية مرسومة بصورة نهائية. ومن وجهة النظر المغربية، أدى هذا المسار إلى إعادة تشكيل مجال تاريخي كانت تربطه بالمغرب علاقات سياسية وقبلية ودينية وتجارية، قبل أن تتحول التقسيمات الإدارية الاستعمارية تدريجياً إلى واقع حدودي جديد.

13.2  . توات وتندوف والروابط التاريخية بالمغرب

وتبرز توات وقورارة وتيديكلت في هذا السياق باعتبارها مجالات ذات أهمية خاصة في الذاكرة التاريخية المغربية، فقد ارتبطت بالمغرب عبر شبكات القوافل والزوايا والعلماء والروابط الدينية والتجارية، وبالطرق التي كانت تصل المجال المغربي ببلاد السودان. ويؤكد الطرح المغربي أن هذه الروابط تُبحث من خلال البيعات والمراسلات السلطانية ووثائق القضاة والزوايا وطرق التجارة وعلاقات القبائل والضرائب والزكاة، فضلاً عن المراسلات الفرنسية والخرائط الاستعمارية، مع التمييز بين إثبات الروابط التاريخية وإثبات السيادة الإقليمية وفق مفهومها القانوني الحديث.

وتحتل تندوف مكانة خاصة في الموقف المغربي، إذ يرى المغرب أن المنطقة كانت مرتبطة تاريخياً بالمجال المغربي، وأن هذا الارتباط تعرض لإعادة تشكيل خلال المرحلة الاستعمارية. وبعد استقلال الجزائر، أصبح النقاش محكوماً أيضاً بمبدأ احترام الحدود القائمة عند الاستقلال الذي ترسخ في النظام الإفريقي بعد إنهاء الاستعمار. ومن هنا نشأ التوتر بين الرؤية المغربية القائمة على استحضار الروابط التاريخية للمجال وما تعرض له من إعادة تشكيل استعماري، وبين واقع الحدود الدولية الذي تكرس بعد استقلال الجزائر. ولذلك يظل الموقف المغربي في هذا الملف قائماً على قراءة تاريخ الحدود من خلال الوثائق والمعاهدات والخرائط والروابط السياسية والإدارية، وعدم التعامل مع الحدود الحالية باعتبارها معطى منفصلاً عن الظروف التاريخية التي ساهمت في تشكيلها.

14.  المغرب واستقلال الجزائر وتطور قضية الحدود

كانت علاقة المغرب بالثورة الجزائرية معقدة، لكنها لم تقم في بدايتها على العداء؛ فقد دعم المغرب الثورة الجزائرية، انطلاقاً من موقف مناهض للاستعمار، ومن تصور يرى أن تصفية الاستعمار ينبغي أن تشمل أيضاً معالجة الآثار التي خلفتها الحدود التي فرضتها القوى الاستعمارية. وبعد استقلال الجزائر سنة 1962، برز الخلاف حول الحدود، واندلعت حرب الرمال سنة 1963، بما أظهر أن الإرث الحدودي للاستعمار لم يكن قد حُسم بالكامل. غير أن الخلاف دخل لاحقاً مساراً تفاوضياً أفضى إلى اتفاقية تحديد خط الحدود الموقعة في الرباط في 15 يونيو 1972، والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 1989 وسُجلت لدى الأمم المتحدة.

وتكتسب اتفاقية 1972 أهمية خاصة في النقاش المتعلق بالصحراء الشرقية، لأنها جاءت بعد مرحلة طويلة أعاد خلالها التوسع الاستعماري الفرنسي تشكيل المجال الصحراوي وحدوده. ومن المنظور المغربي، فإن أجزاء واسعة من هذا المجال، ولا سيما توات وقورارة وتيديكلت وبشار وتندوف ومجالات الساورة، ارتبطت تاريخياً بالمغرب من خلال البيعة والروابط المخزنية والقبلية والدينية والتجارية، وأن إدماج هذه المناطق في المجال الإداري للجزائر الفرنسية جرى في سياق التوسع الاستعماري وإعادة تنظيم المجال. ومن ثم، يتمسك المغرب بقراءة هذا التاريخ بالاستناد إلى الوثائق والظهائر والبيعات والمراسلات والخرائط والمعاهدات، لإبراز طبيعة الروابط التي كانت قائمة قبل تشكل الحدود الحديثة.

ولا يرى المغرب أن الحدود التي تكرست بعد الاستقلال ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن تاريخ تشكلها؛ فـالحدود الحالية تمثل واقعاً قانونياً لاحقاً، لكنها لا تمحو التاريخ السابق للمجال ولا تلغي حق البحث في الروابط التاريخية التي كانت تجمعه بالمغرب. ولذلك يجمع الموقف المغربي بين التأكيد على عمق الروابط التاريخية للمجالات الشرقية وبين دراسة الإطار القانوني الذي نشأ بعد الاستقلال، بما في ذلك اتفاقية 1972. فالبحث في التاريخ السابق للحدود لا يعني، من الناحية الأكاديمية، تجاهل الاتفاقيات اللاحقة، كما أن دراسة الوضع القانوني الراهن لا تعني محو الوقائع والروابط التي سبقت الترسيم الحديث.

ومن هنا، فإن المقاربة المغربية للصحراء الشرقية تقوم على قراءة متكاملة تبدأ بالمجال المغربي قبل الاستعمار، ثم بإعادة تشكيله خلال التوسع الفرنسي، وصولاً إلى المفاوضات والاتفاقيات المغربية الجزائرية بعد الاستقلال. كما تقتضي هذه المقاربة التمييز بوضوح بين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية؛ فالأولى ترتبط أساساً بتاريخ الحدود المغربية الجزائرية وبإعادة تشكيل المجال خلال الاستعمار الفرنسي، بينما ارتبطت الثانية بالاستعمار الإسباني وبمسار تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة. وبذلك يظل جوهر الموقف المغربي في الصحراء الشرقية قائماً على إبراز الروابط التاريخية للمجال بالمغرب، وتوثيق أثر التوسع الاستعماري في إعادة رسم حدوده، مع وضع اتفاقية 1972 ضمن سياقها القانوني والتاريخي، دون أن يتحول الاعتراف بالإطار الحدودي اللاحق إلى إنكار للتاريخ الذي سبقه.

15.  لماذا تبقى البيعة مهمة؟

تكتسب البيعة أهمية خاصة في فهم طبيعة الروابط السياسية التي جمعت المجالات الصحراوية بالسلطة المغربية قبل الاستعمار، إذ لم تكن مجرد تعبير رمزي عن الولاء، بل كانت إطاراً للعلاقة بين السلطان والقبائل. وتجسدت هذه العلاقة في الاعتراف بالسلطة، وتعيين القواد والقضاة، وإصدار الظهائر والمراسلات، وجباية الزكاة، وتوفير الحماية، وتنظيم الحركة والتجارة، إلى جانب الخطبة والدعاء للسلطان والمشاركة في الحملات العسكرية عند الحاجة. ومن ثم، تمثل البيعات والوثائق المرتبطة بها مصدراً أساسياً لإعادة بناء طبيعة الارتباط السياسي والإداري بين السلطان والمجالات الصحراوية. وفي هذا السياق، يرى الطرح المغربي أن تراكم هذه الروابط السياسية والإدارية والدينية والعسكرية يشكل مؤشراً مهماً على ممارسة السلطة المغربية واختصاصاتها في هذه المجالات، وبالتالي على فهم مفهوم السيادة في سياقه التاريخي السابق للاستعمار. غير أن البيعة، من الناحية القانونية، تظل عنصراً من عناصر إثبات الروابط السياسية، ولا تُختزل فيها مسألة السيادة الإقليمية بمفاهيمها القانونية الحديثة.

16. التوثيق الأرشيفي لتاريخ الصحراء

تكشف دراسة تاريخ الصحراء عن أهمية المادة الأرشيفية في إعادة بناء العلاقات السياسية والإدارية والاجتماعية التي تشكلت عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ومن هذا المنظور، تبدو فكرة إنشاء أرشيف رقمي متخصص في تاريخ الصحراء ذات قيمة علمية، ولا سيما عندما تكون الوثائق مؤرخة وموصوفة بصورة دقيقة، بما يسمح بربطها بسياقها التاريخي والتحقق من مصدرها.

ويمكن أن يتضمن هذا الرصيد وثائق البيعة بمختلف بياناتها، مثل تاريخ الوثيقة، والقبيلة، وأسماء الموقعين، والسلطان الموجهة إليه، ومكان حفظ الأصل، ورقم الوثيقة، إلى جانب صورة الأصل والنسخة المحققة، وما يتوافر لها من ترجمات ودراسات تاريخية وقانونية. كما يمكن أن يمتد التوثيق إلى الظهائر السلطانية والخرائط والمراسلات الأجنبية والوثائق الإسبانية والفرنسية وغيرها من المواد التي تساعد على قراءة تاريخ المجال الصحراوي في سياقه الأوسع.

وتزداد القيمة العلمية لهذا العمل كلما أمكن الانتقال من مجرد عرض الوثائق إلى توثيقها وتأريخها وربطها بسلسلة المصادر ذات الصلة، بما يجعل الوثيقة جزءاً من قاعدة معرفية قابلة للمقارنة والتحليل.

17.المقارنة بين الوثائق المغربية والأجنبية

تكتسب دراسة تاريخ الصحراء مزيداً من القوة المنهجية عندما تقوم على مقارنة المصادر الداخلية بالمصادر الأجنبية، لأن الوثائق الصادرة عن أطراف مختلفة قد تضيء الحدث الواحد من زوايا متعددة.

فإذا أشارت وثيقة مغربية إلى تعيين قائد في منطقة صحراوية، ثم وجدت وثيقة فرنسية أو إسبانية تشير إلى الشخص نفسه بوصفه مرتبطاً بالسلطة المغربية، فإن المقارنة بين المصدرين تقدم طبقة إضافية من التوثيق. وكذلك يمكن للوثائق البريطانية أو غيرها من الأرشيفات الأجنبية أن تضيء طبيعة العلاقات السياسية أو التجارية أو القبلية التي كانت قائمة في فترات معينة.

ومن هنا تبدو المقارنة الأرشيفية أوسع من الاقتصار على مصدر واحد، لأنها تسمح بقراءة الوقائع في ضوء شهادات متقاطعة، وتحول دراسة تاريخ الصحراء إلى مجال للبحث التاريخي المقارن القائم على تعدد المصادر.

18. الصحراء في النقاش الأممي المعاصر

استمرت قضية الصحراء الغربية في إطار الأمم المتحدة بعد انتهاء الوجود الاستعماري الإسباني، وأصبح مجلس الأمن الإطار الرئيسي للمسار السياسي، مع استمرار تناول القضية ضمن أعمال الجمعية العامة واللجنة الرابعة.

وفي القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، مدد مجلس الأمن ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) إلى 31 أكتوبر 2026، ودعا إلى مواصلة المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين ومتسق مع ميثاق الأمم المتحدة. كما أشار القرار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل مآلاً قابلاً للتنفيذ ضمن هذا المسار، مع إبقاء النتيجة النهائية مرتبطة بالتوافق السياسي بين الأطراف.

وتكتسب هذه الصياغة أهميتها من ضرورة التمييز بين اتخاذ مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات وبين اعتباره حكماً نهائياً صادراً عن الأمم المتحدة بشأن مآل القضية؛ فالقرار نفسه أبقى الإطار العام للحل في نطاق التسوية السياسية المتوافق عليها.

19. الحكم الذاتي: من المبادرة إلى المسار التفاوضي

قدمت المملكة المغربية سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي للصحراء الغربية، وتقوم على منح الإقليم مؤسسات للحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

وأصبحت المبادرة منذ ذلك الحين عنصراً مركزياً في الموقف الدبلوماسي المغربي، كما حضرت بصورة متزايدة في النقاش الدولي حول سبل التوصل إلى تسوية سياسية. وفي هذا السياق، يظل من المهم منهجياً الفصل بين ثلاثة مستويات مختلفة: المواقف السياسية المؤيدة للمبادرة، والموقف القانوني من مسألة السيادة، والنتيجة التي يمكن أن تنتهي إليها المفاوضات الأممية.

ويتيح هذا التمييز قراءة التطورات الدبلوماسية والقانونية من دون دمجها في مستوى واحد، خصوصاً أن القرار 2797 ربط اعتماد مقترح الحكم الذاتي كأساس للمفاوضات بهدف الوصول إلى حل نهائي ومقبول من الأطراف.

20.  الدبلوماسية المغربية وتطور الحضور الدولي

شهدت الدبلوماسية المغربية خلال العقود الأخيرة توسعاً في علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية مع دول أوروبية وإفريقية وعربية وأمريكية لاتينية، وأصبحت قضية الصحراء جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات الدولية للمملكة.

وفي السياق الإفريقي، استعاد المغرب عضويته في الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعد قرار الجمعية العامة للاتحاد بقبوله عضواً في يناير من العام نفسه.

وقد أتاح هذا الحضور للمغرب مساحة أوسع للمشاركة في المؤسسات والآليات الإفريقية، وجعل قضية الصحراء مرتبطة بصورة أوثق بالدبلوماسية المغربية داخل القارة، إلى جانب امتداداتها الأوروبية والعربية والأمريكية اللاتينية.

21.  الصحراء المغربية في بعدها الإفريقي

لم يعد التعامل مع الأقاليم الجنوبية مرتبطاً بالبعد الحدودي أو السياسي وحده، بل أصبح يتقاطع أيضاً مع مشاريع اقتصادية وبنية تحتية وموانئ واستثمارات وممرات تجارية ذات امتداد إفريقي وأطلسي.

ويبرز ميناء الداخلة الأطلسي والمشاريع المرتبطة بالمجالات اللوجستية والطاقة والربط الإفريقي ضمن هذا التحول، بما يجعل الأقاليم الجنوبية جزءاً من رؤية أوسع للمغرب تجاه واجهته الأطلسية وامتداده الإفريقي.

ولا يحسم هذا البعد الاقتصادي بمفرده المسائل القانونية المرتبطة بالنزاع، لكنه يضيف إلى القضية بعداً جيوسياسياً وتنموياً متزايد الحضور، ويجعل دراسة الصحراء مرتبطة كذلك بتحولات الاقتصاد الإقليمي وشبكات التجارة والربط القاري.

الخلاصة العامة

تكشف دراسة جذور الصحراء المغربية أن ارتباط هذه المجالات بالمغرب يستند إلى تراكم تاريخي طويل من العلاقات السياسية والدينية والقبلية والإدارية والاقتصادية، لا إلى وثيقة منفردة أو مرحلة واحدة.

وفي الصحراء الغربية، تُبرز البيعات والظهائر والمراسلات وغيرها من الوثائق وجود روابط تاريخية بين السلطان المغربي وقبائل من المنطقة قبل الاستعمار الإسباني. وقد أقرت محكمة العدل الدولية سنة 1975 بوجود روابط قانونية للولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل..

أما الصحراء الشرقية، فتكشف الوثائق والتطورات التاريخية عن امتداد روابط مغربية بالمجال الشرقي، وعن أثر التوسع الاستعماري الفرنسي في إعادة تنظيمه وترسيم حدوده. ثم دخلت العلاقات المغربية الجزائرية مرحلة قانونية جديدة مع اتفاقية تحديد الحدود الموقعة في 15 يونيو 1972، والنافذة منذ 14 مايو 1989 والمسجلة لدى الأمم المتحدة.

ومن ثم، فإن المنظور المغربي إلى الصحراء يقوم على أساس تاريخي متصل يعتبر الصحراء الغربية والصحراء الشرقية جزءاً من المجال المغربي التاريخي، مع اختلاف المسار الذي عرفه كل منهما. فالغربية ارتبطت بالوجود الإسباني ومسار تصفية الاستعمار الأممي، في حين ارتبطت الشرقية أساساً بتاريخ الحدود المغربية الجزائرية وإعادة تشكيل المجال خلال الاستعمار الفرنسي.

وتؤكد الدراسة في نهايتها أن قراءة تاريخ الصحراء المغربية تظل أكثر اكتمالاً عندما تجمع بين البيعات والظهائر والخرائط والمعاهدات والمراسلات الأجنبية والوثائق الاستعمارية، وتضع كل مرحلة في سياقها التاريخي والقانوني. وبذلك تبرز وحدة الذاكرة التاريخية المغربية للمجال الصحراوي، مع مراعاة التحولات القانونية والسياسية التي طرأت على كل جزء منه عبر الزمن.


أهم المراجع والوثائق الأساسية

  1. محكمة العدل الدولية، 1975، الصحراء الغربية، الرأي الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975، لاهاي.
  2. International Court of Justice, 1975, Western Sahara, Advisory Opinion, I.C.J. Reports 1975, The Hague.
  3. United Nations, 1972/1989, Convention concerning the State Frontier Line established between the Kingdom of Morocco and the People’s Democratic Republic of Algeria, United Nations Treaty Series, Vol. 2189.
  4. معاهدة لالا مغنية، 18 مارس 1845، بشأن تحديد جزء من الحدود المغربية الجزائرية.
  5. بلغازي، سعاد؛ برشان، محمد، 2023، «الحدود الجزائرية المغربية من معاهدة لالا مغنية 1845 إلى بروتوكول 1901»، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، المجلد 16، العدد 1.
  6. الأمم المتحدة، 2025، قرار مجلس الأمن 2797 بشأن الصحراء الغربية.
  7. الأمم المتحدة، 2025، تقرير الأمين العام بشأن الحالة المتعلقة بالصحراء الغربية.
  8. الأمم المتحدة، اللجنة الرابعة، وثائق الدورات المتعلقة بالصحراء الغربية.
  9. International Court of Justice, Western Sahara – Advisory Opinion, الوثائق والمذكرات المقدمة في القضية رقم 61.
  10. United Nations Treaty Series, وثائق الحدود المغربية الجزائرية والاتفاقيات اللاحقة.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا