د. عياد جلول
لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية، مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة، ولا مجرد انتقال لامرأة مغربية إلى موقع تنفيذي رفيع، وإنما هو حدثًا سياسيًا ومؤسساتيًا يحمل دلالات تتجاوز حدود الحكومة إلى صورة المغرب عن نفسه، وصورته في محيطه العربي والإفريقي والدولي.
فالمغرب الذي اختار، عبر مساره الدستوري والمؤسساتي، تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، سيجد نفسه أمام لحظة غير مسبوقة: امرأة مغربية تتولى للمرة الأولى رئاسة الحكومة، في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية مع الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، ومع الطموح المغربي إلى تثبيت موقع المملكة كقوة إقليمية وشريك دولي فاعل.
ويكتسب الحدث بعدًا إضافيًا بالنظر إلى السياق السياسي الذي جاء فيه. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات مجلس النواب التي جرت في 23 شتنبر 2026، وفق النتائج المعلنة، وهو ما يجعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر منسجمًا مع الفصل 47 من الدستور المغربي. كما أن المنصوري كانت قد أكدت قبل التعيين أن اختيار رئيس الحكومة اختصاص دستوري للملك، وأن تكليفها بهذه المسؤولية سيكون شرفًا كبيرًا لها.

امرأة مغربية في رئاسة الحكومة… أكثر من حدث سياسي
قد يبدو في الظاهر أن المغرب اختار امرأة لرئاسة الحكومة، لكن الدلالة الأعمق تتجاوز جنس رئيس الحكومة.
إنها رسالة مفادها أن المرأة المغربية أصبحت حاضرة في بنية القرار الوطني، ليس بوصفها عنصرًا تكميليًا في المشهد السياسي، وإنما باعتبارها قادرة على تحمل المسؤولية التنفيذية الأولى في البلاد.
وهنا تكمن خصوصية الحدث.
فالمغرب لا يبدأ اليوم الحديث عن مكانة المرأة. لقد عرف خلال العقود الماضية تحولات قانونية ومؤسساتية واجتماعية متراكمة، جعلت حضور المرأة في البرلمان والحكومة والقضاء والدبلوماسية والإدارة والاقتصاد والمجالس المنتخبة أمرًا متزايدًا.
لكن الانتقال من المشاركة إلى قيادة الحكومة يظل لحظة مختلفة.
فحين تصبح امرأة على رأس الحكومة، فإن الرسالة لا تتوجه إلى النساء وحدهن، وإنما إلى المجتمع المغربي بأسره: المسؤولية السياسية العليا لا تُقاس بنوع الجنس، وإنما بالكفاءة والقدرة على تحمل الأمانة وخدمة الدولة والمجتمع.
وهذه في حد ذاتها دلالة مغربية عميقة، لأنها تجعل تطور مكانة المرأة جزءًا من تطور الدولة ومؤسساتها، وليس قضية منفصلة عن المسار الوطني.
الرسالة الملكية الأعمق: الثقة في المرأة المغربية
إذا كان تعيين فاطمة الزهراء المنصوري قد تم بإرادة ملكية، فإن أهم ما يمكن قراءته في هذه الخطوة هو أنها تأتي منسجمة مع مسار طويل من العناية الملكية بقضايا المرأة والأسرة.
فالملك محمد السادس جعل من النهوض بوضعية المرأة والأسرة إحدى القضايا الحاضرة في مشروع الإصلاح المغربي. وفي هذا السياق جاءت الرسالة الملكية الموجهة إلى رئيس الحكومة بشأن إعادة النظر في مدونة الأسرة، والتي وصفها الديوان الملكي بأنها تجسيد للعناية التي ما فتئ الملك يوليها للنهوض بقضايا المرأة والأسرة.
ومن ثم، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن قراءته باعتباره امتدادًا مؤسساتيًا لهذا المسار.
لكن الرسالة هنا لا ينبغي اختزالها في عبارة «الملك يعيّن امرأة».
الأعمق هو أن الدولة المغربية تضع ثقتها في المرأة المغربية لتولي مسؤولية وطنية من أعلى مستوى.
وهي رسالة تحمل في داخلها اعترافًا بمسار المرأة المغربية، وبأنها لم تعد مطالبة بإثبات حضورها في مواقع المسؤولية الدنيا أو المتوسطة، بل أصبحت مؤهلة للحضور في أعلى هرم السلطة التنفيذية.
وهذا المعنى ينسجم كذلك مع الفصل 19 من الدستور الذي يقر تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، ومع التزام الدولة بالسعي إلى تحقيق مبدأ المناصفة.
من صورة المرأة في المجتمع إلى صورة المرأة في الدولة
لطالما ارتبطت قضية المرأة في كثير من المجتمعات بالنقاش حول الأسرة والتعليم والعمل والحقوق الاجتماعية.
أما وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة فينقل النقاش إلى مستوى آخر: المرأة وممارسة السلطة.
وهنا يمكن أن يصبح تعيين المنصوري لحظة فاصلة في الوعي المغربي، خصوصًا بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.
فالفتاة المغربية التي ترى امرأة على رأس الحكومة لن تنظر إلى المسؤولية السياسية باعتبارها فضاءً مغلقًا أمامها. وستصبح المشاركة في الحياة العامة، والترقي إلى مواقع القرار، جزءًا طبيعيًا من طموحاتها الممكنة.
وهذه ليست مجرد قيمة رمزية.
فالمجتمعات تحتاج أحيانًا إلى صور حية تختصر تحولات طويلة. وقد تكون صورة امرأة مغربية تترأس الحكومة واحدة من تلك الصور التي تختزل مسارًا اجتماعيًا ومؤسساتيًا امتد لسنوات.
دلالة عربية: المغرب يبعث برسالة مختلفة
على المستوى العربي، سيكون الحدث ذا أهمية خاصة.
فالمغرب، باعتباره جزءًا من العالم العربي والإسلامي، سيقدم تجربة جديدة في العلاقة بين الهوية الوطنية ومشاركة المرأة في أعلى مواقع القرار التنفيذي.
وهذه النقطة مهمة لأن التجارب العربية ليست واحدة، كما أن أوضاع المرأة السياسية تختلف من دولة إلى أخرى.
ومن ثم فإن وصول امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة لن يعني أن المغرب يقطع مع بيئته العربية، بل يمكن أن يعكس قدرة الدولة المغربية على تطوير تجربتها السياسية من داخل خصوصيتها الوطنية والدستورية.
وستكون الرسالة العربية واضحة: المرأة العربية قادرة على الانتقال من المشاركة السياسية إلى تحمل المسؤولية التنفيذية العليا متى توفرت الإرادة السياسية والإطار المؤسساتي والكفاءة اللازمة.
وبذلك يمكن أن تتحول التجربة المغربية إلى موضوع نقاش عربي واسع حول مستقبل المشاركة السياسية للمرأة، بعيدًا عن الشعارات، وبالاستناد إلى تجربة عملية قابلة للتقييم.
إفريقيا: صورة أخرى للمغرب
لن تتوقف الدلالة عند العالم العربي.
فالمغرب بنى خلال السنوات الأخيرة شبكة واسعة من العلاقات والشراكات الإفريقية، وأصبح حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في القارة أحد عناصر سياسته الخارجية.
ومن هذا الموقع، فإن امرأة مغربية على رأس الحكومة ستضيف عنصرًا جديدًا إلى صورة المملكة في إفريقيا، حيث تتزايد أهمية مشاركة النساء في الحياة السياسية والاقتصادية.
وقد يحمل الحدث رسالة مفادها أن التنمية الإفريقية لا يمكن أن تكتمل من دون الاستثمار في طاقات النساء، وأن المشاركة السياسية للمرأة ليست مسألة مرتبطة بمنطقة جغرافية واحدة، وإنما جزء من التحولات التي تعرفها الدول والمجتمعات.
دوليًا: المغرب يقدم صورته من موقع الفعل
على المستوى الدولي، سيكون تعيين المنصوري محل اهتمام واسع.
لكن أهمية الحدث بالنسبة للمغرب لن تكون في حجم التغطية الإعلامية الدولية فقط، بل في ما يمكن أن يضيفه إلى صورة المملكة بوصفها دولة تعرف كيف تطور مؤسساتها مع الحفاظ على ثوابتها الوطنية.
وسيصبح المغرب، في هذه الحالة، أمام صورة جديدة تجمع بين عناصر متعددة: دولة عربية وإفريقية، ملكية دستورية، مجتمع يتطور، وامرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة.
وهذه الصورة ستكون أكثر أهمية إذا اقترنت بممارسة حكومية ناجحة، لأن قيمة التعيين لا تقاس بالرمزية وحدها.
فالتاريخ السياسي لا يحفظ عادةً أسماء من وصلوا إلى المناصب فقط، وإنما يتوقف عند ما فعلوه بتلك المناصب.
المنصوري أمام اختبار مختلف
من هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.
فتعيين فاطمة الزهراء المنصوري لن يكون نهاية قصة، بل بداية اختبار سياسي كبير.
فرئاسة الحكومة تعني إدارة ملفات الاقتصاد والاستثمار والتشغيل والتعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية، إضافة إلى تدبير العلاقات بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدستورية.
كما تعني قيادة حكومة مطالبة بالاستجابة لتطلعات المواطنين في مرحلة تشهد تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة.
ولهذا فإن التحدي أمام المنصوري لن يكون إثبات أن «المرأة قادرة على قيادة الحكومة»، لأن التجارب السياسية والاقتصادية في العالم أثبتت أن معيار المسؤولية لا يرتبط بالجنس.
التحدي سيكون إثبات قدرة الحكومة على الإنجاز.
وهنا تصبح المنصوري رئيسة حكومة أولًا، وامرأة ثانيًا من حيث الدلالة السياسية؛ أي إن معيار تقييم تجربتها سيكون ما تحققه الحكومة من نتائج، لا مجرد كونها أول امرأة تصل إلى هذا الموقع.

في أفق كأس العالم 2030: امرأة تقود حكومة المغرب في لحظة عالمية
وربما تكون إحدى أهم دلالات هذا التعيين مرتبطة بالتوقيت.
فالمغرب يستعد لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو مشروع يتجاوز الرياضة إلى ورش وطني شامل في البنية التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والتهيئة الحضرية والخدمات والرقمنة.
وقد أكدت المصادر الرسمية المغربية أن تنظيم مونديال 2030 يشكل ورشًا استراتيجيًا يندرج ضمن الرؤية الملكية، وأن الاستعداد له يتطلب تعبئة شاملة وعملًا جماعيًا وتنسيقًا محكمًا. كما صادقت الحكومة على مشروع إحداث «مؤسسة المغرب 2030» في إطار الاستعدادات لهذا الحدث العالمي.
وفي هذا السياق، سيكون وجود امرأة على رأس الحكومة ذا دلالة إضافية.
فالمغرب لن يستقبل العالم في 2030 من خلال الملاعب وحدها، وإنما من خلال صورته الحضارية والمؤسساتية والاجتماعية.
وسيكون من اللافت أن يكون رئيس الحكومة التي تقود جزءًا أساسيًا من التحضيرات لمونديال 2030 امرأة مغربية.
إنها صورة تحمل رسالة مزدوجة: المغرب يستعد لاستقبال العالم، والمغرب في الوقت نفسه يعرض تطور مجتمعه ومؤسساته.
وقد تكون هذه من أكثر اللحظات قدرة على تحويل قضية المرأة من خطاب حقوقي إلى صورة حية يراها ملايين الأشخاص الذين سيزورون المملكة ويتابعونها عبر الإعلام العالمي.
من «مونديال كرة القدم» إلى «مونديال صورة المغرب»
كأس العالم 2030 لن يكون بالنسبة للمغرب مجرد منافسة رياضية.
إنه فرصة لعرض البنية التحتية والاقتصاد والسياحة والثقافة والضيافة المغربية، لكنه أيضًا فرصة لإظهار التحولات التي عرفها المجتمع.
وفي هذه الصورة، سيكون لرئاسة امرأة للحكومة معنى خاص.
فالمغرب الذي يستقبل العالم في ملاعبه ومدنه سيكون قادرًا على تقديم نموذج لبلد يجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الثوابت الوطنية والتطور المؤسساتي، وبين هويته المغربية وانفتاحه الدولي.
وهنا يمكن أن تصبح المنصوري، بحكم موقعها، جزءًا من صورة المغرب التي ستظهر أمام العالم، لا باعتبارها امرأة فقط، وإنما باعتبارها رئيسة حكومة مغربية تقود مرحلة من أكثر المراحل أهمية في تاريخ المملكة الحديث.
رسالة إلى المرأة المغربية… وإلى الرجل المغربي أيضًا
ربما تكون الرسالة الأهم داخل المغرب موجهة إلى الأسرة المغربية نفسها.
فالمرأة التي ترى ابنتها تصل إلى الجامعة، ثم إلى الوظيفة، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولًا إلى رئاسة الحكومة، ستدرك أن مسار المشاركة أصبح أكثر اتساعًا.
وفي الوقت نفسه، فإن الرجل المغربي سيكون شريكًا في هذه التحولات.
فتمكين المرأة لا يعني إقصاء الرجل، كما أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يعني تغيير طبيعة المجتمع، وإنما يعني توسيع قاعدة المشاركة في خدمة الوطن.
والدولة التي تستثمر في المرأة لا تخسر الرجل، وإنما تضيف إلى طاقتها البشرية والسياسية والاقتصادية نصف المجتمع.
الخلاصة: تعيين امرأة… ورسالة دولة
إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، يشكل لحظة سياسية ذات دلالة تتجاوز حدود الأشخاص والأحزاب.
فهو من جهة تعبير عن تطور المؤسسات السياسية المغربية، ومن جهة ثانية امتداد للمسار الذي جعل من النهوض بالمرأة والأسرة جزءًا من المشروع الإصلاحي للدولة.
وهو عربيًا رسالة إلى أن المرأة يمكن أن تصل إلى أعلى مواقع المسؤولية في دولة عربية من دون أن يعني ذلك قطيعة مع الهوية والخصوصية الوطنية.
وإفريقيًا، صورة إضافية عن المغرب الذي يراهن على الإنسان والمرأة والتنمية والمؤسسات.
ودوليًا، عنصر جديد في صورة المملكة التي تستعد لتقديم نفسها أمام العالم في واحدة من أكبر المناسبات العالمية: كأس العالم 2030.
أما الرسالة الملكية الأعمق التي يمكن قراءتها في هذا التعيين، فهي أن المرأة المغربية أصبحت جزءًا كاملًا من صناعة القرار الوطني، وأن الثقة فيها يمكن أن تصل إلى أعلى مستويات المسؤولية.
لكن التعيين، مهما كانت رمزيته، سيظل مجرد بداية.
فبعد الصورة تأتي المسؤولية، وبعد الرسالة يأتي العمل، وبعد لحظة التاريخ يبدأ الاختبار الحقيقي.
وسيكون على الحكومة الجديدة أن تجعل من هذه اللحظة السياسية فرصة لتحقيق نتائج ملموسة للمغاربة، وأن تجعل من التحضير لمونديال 2030 مشروعًا وطنيًا يتجاوز الملاعب إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومدن أكثر جاهزية، وخدمات أكثر جودة، ومجتمع أكثر ثقة في مؤسساته.
عندها فقط يمكن أن يتحول وصول امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة من حدث تاريخي إلى محطة في تاريخ المغرب.


