- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةقضايا إقليمية ودوليةالإقتصاد والمالارتفاع اسعار الطاقة واثرها على الاقتصاد العالمي ( المغرب نموذجاً)

ارتفاع اسعار الطاقة واثرها على الاقتصاد العالمي ( المغرب نموذجاً)

مقدمة

حين يرتفع سعر برميل النفط في سوق بعيدة آلاف الكيلومترات عن المغرب، قد يبدو الأمر في ظاهره خبراً يخص شركات الطاقة والدول المنتجة والمضاربين في الأسواق العالمية. لكن رحلة البرميل لا تنتهي عند الميناء أو محطة الوقود. فجزء من أثره يمكن أن يبدأ رحلة أخرى، أكثر هدوءاً وأشد التصاقاً بالحياة اليومية: من فاتورة الاستيراد إلى تكلفة النقل، ومن النقل إلى الإنتاج والتوزيع، ومن هذه الحلقات إلى أسعار السلع والخدمات، وصولاً إلى السلة التي تحملها الأسرة المغربية من السوق إلى البيت.

وهنا تكمن إحدى أهم القضايا التي تفرض نفسها عند دراسة التضخم في الاقتصادات المنفتحة على العالم: كيف تنتقل الصدمة الخارجية إلى السعر الداخلي؟

السؤال ليس نظرياً فقط. فالمواطن لا يشتري النفط الخام، ولا يتابع بالضرورة تحركات أسواق العقود الآجلة، لكنه يواجه نتائجها المحتملة في تكلفة التنقل، وفي أسعار بعض المواد الغذائية، وفي تكلفة الإنتاج، وفي أسعار بعض الخدمات والمنتجات التي تحتاج إلى النقل أو التبريد أو الطاقة خلال مراحل تصنيعها وتوزيعها.

وبالنسبة إلى الدول المرتبطة اقتصاداتها بالأسواق الخارجية في مجال الطاقة، ومنها المغرب موضوع الدراسة، تكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بسبب الدور الذي تؤديه المحروقات في النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد. ومن هنا تبرز إشكالية الدراسة المتمثلة في مدى انتقال تقلبات أسعار الطاقة العالمية إلى الاقتصاد المغربي، وانعكاساتها على تكاليف الإنتاج والأسعار ومستويات التضخم، مع تفاوت هذا الأثر بين مختلف القطاعات.

غير أن اختزال الغلاء في أسعار الطاقة وحدها سيكون تبسيطاً لظاهرة أكثر تعقيداً. فقد تداخلت خلال السنوات الأخيرة مجموعة من العوامل، من بينها اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالمياً، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والجفاف والإجهاد المائي، وتغيرات العرض والطلب، فضلاً عن السياسة النقدية والتدابير العمومية المتعلقة بالقدرة الشرائية.

وهذا ما توضحه أرقام التضخم نفسها. فقد بلغ متوسط التضخم في المغرب 6.6 في المائة سنة 2022، ثم 6.1 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0.9 في المائة سنة 2024. كما سجل مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفاعاً بنسبة 0.8 في المائة سنة 2025.

من هنا تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً: هل تنتقل أسعار النفط والطاقة إلى أسعار السلع والخدمات في المغرب بشكل مباشر، أم أن المسألة تمر عبر شبكة معقدة من الحلقات الاقتصادية؟

والجواب يكمن في تتبع رحلة الصدمة منذ لحظة نشوئها في السوق الدولية إلى أن تصل، بدرجات متفاوتة، إلى المستهلك المغربي.

1. عندما تصبح الطاقة فاتورة للاقتصاد

تبدأ الحكاية من موقع الطاقة داخل الاقتصاد المغربي.

فالمغرب يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية لتأمين حاجاته من الموارد الطاقية، الأمر الذي يجعل أسعار الطاقة العالمية عاملاً مؤثراً في كلفة تزويد الاقتصاد بالطاقة. وتكشف سنة 2025 بوضوح حجم هذه الحساسية؛ فقد ارتفعت مشتريات المنتجات الطاقية للمغرب (أو مشتقات ومصادر الطاقة) هي المواد والوسائل المستخلصة من مصادر طبيعية متنوعة والتي يتم تحويلها إلى طاقة قابلة للاستهلاك، مثل الكهرباء والوقود. تُستخدم هذه المنتجات لتشغيل المصانع، وسائل النقل، تدفئة المنازل، وتسيير الأجهزة اليومية

بلغت قيمة الفاتورة الطاقية للمغرب (إجمالي مشتريات وواردات المنتجات الطاقية) نحو 107.56مليار درهم ( 11.19 مليار دولار.)  خلال عام  2025.أي أكثر من ضعف مستواها السابق، مع ارتفاع واردات الغازوال وزيوت الوقود والفحم والكوك والوقود الصلب والغاز النفطي وغيرها من المحروقات.

لكن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه المالي، بل في ما يكشفه عن العلاقة بين الخارج والداخل.

فعندما ترتفع أسعار الطاقة عالمياً، لا يدفع الاقتصاد المغربي ثمن الوقود وحده، وإنما يمكن أن ترتفع أيضاً تكلفة استيراد الطاقة، وهو ما يؤثر في فاتورة التجارة الخارجية، وفي تكاليف الشركات والقطاعات المنتجة، وفي تكلفة بعض الأنشطة التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الطاقة.

ومع ذلك، لا ينبغي تصور العلاقة باعتبارها آلية بسيطة من نوع: ارتفاع النفط بنسبة معينة يؤدي حتماً إلى ارتفاع جميع الأسعار بالنسبة نفسها.

فالاقتصاد ليس آلة تنتقل فيها الزيادة من خانة إلى أخرى بصورة آلية. السعر النهائي للسلعة يتكون من عناصر متعددة: تكلفة المواد الأولية، والطاقة، والأجور، والنقل، والضرائب، وهوامش التوزيع، والعرض والطلب، وظروف المنافسة، إضافة إلى عوامل موسمية ومناخية.

ولهذا فإن انخفاض أسعار الطاقة العالمية لا يعني بالضرورة أن جميع أسعار السلع والخدمات المحلية ستنخفض بالسرعة نفسها.

إنها مسألة انتقال للصدمة السعرية أكثر منها مجرد انعكاس ميكانيكي لسعر النفط.

2. الرحلة الخفية من برميل النفط إلى سلة المواطن

يمكن تصور رحلة الصدمة الطاقية في سلسلة اقتصادية متدرجة:

السعر العالمي للطاقة → فاتورة الاستيراد → تكلفة الوقود والطاقة محلياً → النقل والإنتاج والتخزين → المدخلات والسلع الوسيطة → أسعار الجملة → أسعار التجزئة → تكلفة معيشة الأسر.

هذه السلسلة قد تبدو بسيطة على الورق، لكنها في الواقع شبكة واسعة من العلاقات المتداخلة.

فالوقود الذي تستخدمه الشاحنة لنقل الخضر ليس سوى حلقة واحدة. هناك أيضاً الطاقة التي تحتاجها وحدة التوضيب، والكهرباء اللازمة للتبريد والتخزين، ومواد التعبئة التي تنتج في مصانع تحتاج بدورها إلى الطاقة، ثم النقل من سوق الجملة إلى نقاط البيع.

وهكذا قد تدخل الطاقة في سعر منتج لا علاقة مباشرة له بالنفط.

وهنا يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع رئيسية من التأثير.

أولاً: الأثر المباشر.

وهو الأكثر وضوحاً، ويظهر عندما ترتفع تكلفة منتج الطاقة الذي يستخدمه المستهلك أو المنتج مباشرة، مثل البنزين والغازوال أو الوقود المستخدم في الآلات.

ثانياً: الأثر غير المباشر.

وهو يحدث عندما تؤدي زيادة تكلفة الطاقة إلى ارتفاع تكلفة إنتاج سلعة أو خدمة أخرى. فالطاقة قد لا تكون جزءاً من المنتج النهائي، لكنها تدخل في تصنيعه أو نقله أو تخزينه.

ثالثاً: الأثر الثانوي.

وهو أكثر تعقيداً، لأنه قد يمتد إلى الأجور والخدمات وتوقعات المنتجين والمستهلكين. وفي هذه الحالة يمكن لبعض آثار الصدمة أن تستمر حتى بعد تراجع أسعار الطاقة العالمية.

وهذا يفسر لماذا لا تتحرك الأسعار المحلية دائماً في الاتجاه نفسه وبالسرعة نفسها التي تتحرك بها أسعار النفط في الأسواق العالمية.

3. النقل: الحلقة التي تحمل الغلاء من مكان إلى آخر

إذا كان هناك قطاع يمكن من خلاله رؤية أثر الطاقة بسرعة، فهو النقل.

فالسلعة، في الاقتصاد الحديث، نادراً ما تنتقل من المنتج إلى المستهلك في خطوة واحدة. المنتجات الزراعية مثلاً تنتقل من الحقل إلى مركز التجميع، ثم إلى سوق الجملة، وبعد ذلك إلى محلات البيع أو الأسواق المحلية.

وكل انتقال يحتاج إلى وسيلة نقل.

وعندما ترتفع تكلفة المحروقات، يمكن أن ترتفع تكلفة كل مرحلة من مراحل هذه الرحلة. ويصبح الأثر أكثر حساسية بالنسبة إلى المنتجات التي تحتاج إلى النقل المتكرر أو السريع، وخصوصاً المنتجات الطازجة والقابلة للتلف.

لكن حتى هنا ينبغي تجنب التفسير الأحادي.

فارتفاع سعر الطماطم، مثلاً، لا يعني تلقائياً أن المحروقات هي السبب الرئيسي. قد يكون الإنتاج أقل بسبب الظروف المناخية، أو قد تتغير كميات العرض، أو ترتفع تكلفة الأسمدة، أو تحدث اضطرابات في الأسواق الخارجية.

ومن ثم فإن العلاقة بين الوقود وسعر الغذاء موجودة، لكنها ليست دائماً علاقة سببية منفردة.

وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول دراسة التضخم إلى مجرد البحث عن عامل واحد لتحميله مسؤولية كل ارتفاع في الأسعار.

4. الفلاحة: حين تلتقي الطاقة بالجفاف والماء

تزداد المسألة تعقيداً عندما ننتقل إلى القطاع الزراعي.

فالطاقة تدخل في العملية الزراعية عبر أكثر من باب. هناك الوقود الذي تستخدمه الجرارات والآلات، والطاقة اللازمة لضخ المياه، ثم عمليات التخزين والتبريد والتوضيب، إضافة إلى النقل والتصنيع الغذائي.

لكن المغرب يواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالجفاف والإجهاد المائي، ما يجعل بعض الضغوط على الأسعار الزراعية نتيجة تفاعل أكثر من عامل.

يمكن تصور إحدى الحالات على النحو التالي:

الجفاف → تراجع الإنتاج أو ارتفاع الحاجة إلى الري → ارتفاع تكلفة الإنتاج → ارتفاع سعر بعض المنتجات.

وإذا جاءت هذه الظروف بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الوقود، فإن المنتج الزراعي قد يواجه ضغطاً مزدوجاً.

وهنا تظهر أهمية قراءة الأسعار داخل السلة الغذائية نفسها، بدلاً من التعامل مع الغذاء ككتلة واحدة.

ففي سنة 2025، ارتفعت أسعار الخضر بنسبة 6.7 في المائة، بينما ارتفعت أسعار الأسماك والمنتجات البحرية بنسبة 4 في المائة، في حين تراجعت أسعار الزيوت والدهون بنسبة 4.5 في المائة.

هذه التباينات تحمل دلالة اقتصادية مهمة: الغلاء ليس ظاهرة متجانسة.

فإذا كانت الطاقة هي العامل الوحيد، لكان من المتوقع أن تتحرك معظم مكونات السلة بطريقة أكثر تقارباً. لكن الواقع يكشف اختلافاً بين المنتجات، لأن لكل سوق ظروف عرض وطلب وتكاليف خاصة بها.

5. الصناعة: النفط لا يدخل المصنع وحده

يُختزل الحديث عن الطاقة أحياناً في البنزين والغازوال، لكن أثرها الصناعي أوسع بكثير.

فالصناعات التي تحتاج إلى الحرارة أو الكهرباء بكميات كبيرة تكون أكثر حساسية لتغيرات أسعار الطاقة. وينطبق ذلك، بدرجات مختلفة، على بعض الصناعات المعدنية والكيميائية ومواد البناء والصناعات الغذائية.

وتقدم صناعة الأسمدة مثالاً واضحاً على هذه العلاقة.

فإنتاج الأسمدة الفوسفاطية يحتاج إلى مدخلات ومواد وسيطة تتأثر أسعارها بدورها بأسعار الطاقة. وقد أشار بنك المغرب إلى ارتفاع قيمة واردات الأمونيا سنة 2022 نتيجة ارتفاع سعر الغاز الطبيعي، والأمونيا من المدخلات الرئيسية في إنتاج الأسمدة الفوسفاطية.

وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص التضخم تعقيداً: قد يرتفع سعر منتج ليس طاقة، وليس حتى منتجاً مستورداً بشكل مباشر، لأن الطاقة دخلت في مرحلة من مراحل إنتاجه.

بعبارة أخرى، يمكن أن يسافر أثر الغاز عبر مادة وسيطة قبل أن يصل إلى المنتج النهائي.

وهذا يفسر لماذا يصعب أحياناً تحديد نقطة البداية للزيادة السعرية عندما تصل السلعة إلى المستهلك.

6. لماذا لا يعني انخفاض التضخم عودة الأسعار إلى الوراء؟

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح في النقاش العام الفرق بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار.

عندما ينخفض التضخم من مستوى مرتفع إلى مستوى منخفض، فهذا يعني أن سرعة ارتفاع الأسعار تباطأت، وليس بالضرورة أن الأسعار نفسها عادت إلى ما كانت عليه قبل موجة الغلاء.

وهذا الفرق بالغ الأهمية بالنسبة إلى الأسر.

فإذا ارتفع سعر سلعة من 10 دراهم إلى 12 درهماً، ثم استقر عند 12 درهماً، يمكن القول إن معدل الارتفاع توقف أو تباطأ، لكن السعر لم يعد إلى 10 دراهم.

ولهذا قد يشعر المواطن بأن كلفة المعيشة لا تزال مرتفعة حتى في فترة يصبح فيها معدل التضخم منخفضاً.

وهذا يفسر جزئياً الفارق بين لغة المؤشرات الاقتصادية ولغة الحياة اليومية.

فالمؤشر يقول إن التضخم تباطأ، بينما تقول الأسرة إن الأسعار التي تواجهها في السوق لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل سنوات.

والعبارتان يمكن أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه.

7. ماذا تقول أرقام السنوات الأخيرة؟

تكشف التجربة المغربية الحديثة أن العلاقة بين الطاقة والتضخم حقيقية، لكنها مركبة.

فقد بلغ متوسط التضخم 6.6 في المائة سنة 2022، ثم 6.1 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع إلى 0.9 في المائة سنة 2024. ويربط بنك المغرب هذا التراجع بمجموعة من العوامل، من بينها انخفاض أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، وتراجع الضغوط الخارجية، وتشديد السياسة النقدية، والإجراءات الحكومية، وتحسن عرض بعض المنتجات الزراعية.

وهذه النقطة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في تفسير أحادي.

فلو كانت الطاقة وحدها هي التي تحدد التضخم، لكان من السهل تفسير كل التحولات من خلال منحنى النفط. لكن البيانات تشير إلى تفاعل مجموعة من المتغيرات.

وتكشف سنة 2024 مثالاً آخر على هذه التعقيدات؛ فقد انخفضت أسعار الغذاء المتقلبة بنسبة 2.9 في المائة بعد ارتفاعها بنسبة 18.8 في المائة سنة 2023، كما تباطأ التضخم الأساسي من 5.6 إلى 2.2 في المائة. وفي المقابل ارتفعت التعريفات المنظمة بنسبة 1.2 في المائة، في سياق ارتبط جزئياً بتغيرات سعر غاز البوتان ضمن إصلاح نظام الدعم الذي بدأ في مايو 2024.

إنها صورة اقتصادية متعددة الطبقات، لا يمكن اختزالها في خط بياني واحد.

8. سنة 2025 و2026: حين تتغير مكونات السلة

تقدم أرقام 2025 و2026 دليلاً إضافياً على ضرورة التمييز بين التضخم العام وتغير أسعار المكونات المختلفة.

فقد ارتفع مؤشر أسعار الاستهلاك سنة 2025 بنسبة 0.8 في المائة، وارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 0.9 في المائة، مع تسجيل تفاوت كبير بين المكونات الغذائية.

أما خلال 2026، فتظهر التحركات الشهرية تباينات واضحة، وهو ما يؤكد أن الأسعار لا تسير في خط مستقيم. فقد سجل المؤشر تحركات شهرية مختلفة خلال الأشهر الأولى، بما في ذلك ارتفاعات وانخفاضات متعاقبة، بينما تحركت أسعار الغذاء بصورة مختلفة عن المؤشر العام في بعض الفترات.

وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة: الأسعار قد ترتفع في قطاع وتنخفض في قطاع آخر في الوقت نفسه.

وقد يؤدي هذا إلى اختلاف كبير بين ما يظهر في المتوسط الإحصائي وبين ما تعيشه أسرة بعينها.

فأسرة تنفق حصة كبيرة من دخلها على الغذاء والنقل قد تتأثر بطريقة مختلفة عن أسرة أخرى تنفق نسبة أكبر على خدمات أو منتجات لم ترتفع أسعارها بالمعدل نفسه.

ومن هنا فإن دراسة القدرة الشرائية لا ينبغي أن تكتفي بالتضخم العام، بل تحتاج أيضاً إلى النظر في تركيب إنفاق الأسر.

9. من التضخم إلى القدرة الشرائية

لا تكمن المشكلة الاقتصادية في ارتفاع الأسعار بحد ذاته فقط، بل في العلاقة بين الأسعار والدخل.

فإذا ارتفعت الأسعار بينما بقي الدخل ثابتاً، تتراجع القدرة على شراء الكمية نفسها من السلع والخدمات.

أما إذا ارتفعت الدخول بوتيرة مماثلة أو أكبر من ارتفاع الأسعار، فقد يكون الأثر مختلفاً.

ولهذا فإن الحديث عن القدرة الشرائية يقتضي النظر إلى ثلاثة عناصر على الأقل:

مستوى الأسعار، وتطور الدخول، وتركيب إنفاق الأسر.

وتزداد حساسية الأسر ذات الدخل المحدود تجاه المواد الأساسية، لأن الجزء الأكبر من إنفاقها يذهب عادة إلى الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الضرورية.

وهنا يصبح انتقال الصدمة الطاقية إلى الأسعار مسألة اجتماعية، وليس اقتصادية فقط.

فارتفاع الوقود قد يؤثر في تكلفة النقل، وارتفاع النقل قد يرفع تكلفة وصول السلع، وارتفاع بعض السلع قد يضغط على ميزانية الأسرة، فتضطر الأسرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

وهكذا تتحول الصدمة التي بدأت في سوق الطاقة الدولية إلى سلسلة من القرارات اليومية داخل الأسرة.

10. لماذا لا تنتقل الصدمة بالسرعة نفسها في كل الاتجاهات؟

من الأخطاء الشائعة افتراض أن انتقال الأسعار يكون متماثلاً في الاتجاهين.

فقد ترتفع أسعار الطاقة بسرعة، بينما تحتاج بعض الشركات إلى وقت قبل تعديل أسعار منتجاتها، وقد تمتص جزءاً من الزيادة مؤقتاً من خلال هوامش الربح.

وعندما تنخفض أسعار الطاقة، قد لا تنخفض أسعار المنتجات النهائية بالسرعة نفسها، لأن بعض العقود والتكاليف والهوامش لا تتغير فوراً.

كما أن الشركات لا تحدد أسعارها بناءً على تكلفة الوقود وحدها.

هناك الأجور، والكراء، والضرائب، والمواد الأولية، والتمويل، والتخزين، والمنافسة، وسعر الصرف، وتوقعات السوق.

ولهذا فإن انتقال الصدمة قد يكون متأخراً أو جزئياً أو غير متناسب.

وهذه إحدى النقاط الأساسية التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند مقارنة أسعار النفط بأسعار المواد الاستهلاكية.

11.هل كل ارتفاع في الأسعار سببه المحروقات؟

الإجابة الاقتصادية الدقيقة هي: لا.

فالطاقة يمكن أن تكون عاملاً مهماً، لكنها ليست مفتاحاً تفسيرياً لكل ارتفاع سعري.

هناك مثلاً المنتجات الزراعية التي تتأثر بالإنتاج والمناخ والمياه والأمراض الزراعية والموسمية والعرض والطلب.

وهناك السلع المستوردة التي تتأثر بأسعارها العالمية وبسعر الصرف وتكاليف النقل الدولية.

وهناك الخدمات التي تتأثر أساساً بالأجور والطلب والتكاليف المحلية.

وهناك منتجات تدخل في صناعتها مواد أولية قد ترتفع أسعارها حتى في وقت تستقر فيه أسعار الطاقة.

لذلك فإن التحليل الجاد للتضخم ينبغي أن يسأل في كل حالة:

ما نسبة الطاقة في تكلفة هذا المنتج؟ وما العوامل الأخرى التي تغيرت في الفترة نفسها؟

فقط عندها يمكن التمييز بين الارتباط والسببية.

12. نحو قراءة أكثر دقة لمستقبل الأسعار

تفرض هذه المعطيات الحاجة إلى مقاربة أكثر شمولاً عند تحليل مستقبل الأسعار في المغرب.

فالاعتماد على مؤشر واحد أو سعر سلعة واحدة قد يعطي صورة ناقصة.

الأكثر فائدة هو مراقبة مجموعة من المؤشرات في الوقت نفسه:

  • أسعار النفط والغاز والفحم في الأسواق العالمية.
  • فاتورة الطاقة المغربية.
  • أسعار المحروقات محلياً.
  • تكاليف النقل.
  • أسعار الغذاء.
  • أسعار المدخلات الزراعية والصناعية.
  • التضخم العام.
  • التضخم الأساسي.
  • تطور الدخول.
  • الظروف المناخية والإنتاج الزراعي.
  • تطورات سلاسل الإمداد الدولية.

وعندما تتحرك هذه المؤشرات معاً يمكن أن تصبح الصورة أكثر وضوحاً.

أما عندما تتحرك في اتجاهات مختلفة، فإن ذلك يعني أن هناك عوامل داخلية تعمل على تخفيف الصدمة الخارجية أو تضخيمها.

خاتمة: رحلة البرميل لا تنتهي عند محطة الوقود

تكشف دراسة العلاقة بين الطاقة والأسعار في المغرب أن الطريق من برميل النفط إلى سلة المواطن ليس طريقاً مستقيماً.

إنه مسار طويل يمر عبر التجارة الخارجية، وفاتورة الاستيراد، والمحروقات، والنقل، والإنتاج، والتخزين، والمواد الوسيطة، والأسواق، ثم يصل في النهاية إلى السعر الذي يراه المستهلك على رف المتجر أو في فاتورة الخدمة.

لكن هذه الرحلة لا تتحرك دائماً بالسرعة نفسها ولا بالقوة نفسها.

وقد يكون أثر الطاقة مباشراً في قطاع، وغير مباشر في قطاع آخر، بينما يتراجع تأثيرها أمام عوامل أخرى مثل الجفاف أو تغير العرض والطلب أو أسعار المواد الأولية أو اضطرابات التجارة الدولية.

وتوضح التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة هذه الحقيقة بجلاء. فقد تزامنت موجة التضخم المرتفعة في 2022 و2023 مع مجموعة من الصدمات الخارجية والداخلية، قبل أن يتراجع التضخم بشكل كبير في 2024، بينما واصلت بعض مكونات سلة الاستهلاك تسجيل تحركات مختلفة في 2025 و2026.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ارتفع النفط؟

بل ينبغي أن يكون:

كيف انتقل أثر ارتفاعه؟ وكم استغرق من الوقت؟ وما القطاعات التي تحملت الجزء الأكبر من الصدمة؟ وكم وصل منها فعلاً إلى المستهلك؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد مقارنة رقمين على رسم بياني.

وفي الحالة المغربية، فإن فهم هذه الآلية يصبح أكثر أهمية كلما ازدادت ارتباطات الاقتصاد الوطني بالأسواق الدولية، وكلما أصبحت حماية القدرة الشرائية مرتبطة بالقدرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وتنويع مصادر الطاقة، ورفع كفاءة النقل والإنتاج، وتحسين سلاسل التوزيع، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتقوية قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات العالمية.

فالبرميل الذي يرتفع سعره في سوق دولية قد لا يصل إلى المواطن في صورة «برميل»، وإنما يصل إليه في صورة أجرة نقل، أو تكلفة خضار، أو سعر مادة مصنعة، أو فاتورة خدمة.

وبهذا المعنى، فإن الطريق بين سوق النفط وسلة المواطن طويل، لكنه قابل للقياس والتحليل.

وكلما أصبح فهم هذه الطريق أكثر دقة، أصبح النقاش حول الغلاء والتضخم والقدرة الشرائية أكثر واقعية، وأقل خضوعاً للتفسيرات المبسطة التي تبحث عن سبب واحد لظاهرة متعددة الأسباب.

وفي النهاية، لا تُقاس آثار صدمات الطاقة فقط بما يحدث في أسواق النفط، بل بما تتركه تلك الصدمات بعد عبورها عبر الاقتصاد كله: من الميناء إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق، ومن السوق إلى مائدة الأسرة المغربية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعض المراجع المستعملة :

  1. المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، مؤشر الأسعار عند الاستهلاك – سنة 2025، الرباط، المملكة المغربية، 2026.
    استُخدم لتوثيق معدل التضخم لسنة 2025، وتطور أسعار المواد الغذائية والنقل وبعض مكونات السلة.
  2. المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، مؤشر الأسعار عند الاستهلاك – سنة 2024، الرباط، المملكة المغربية، 2025.
    استُخدم لتوثيق تراجع التضخم إلى 0.9% سنة 2024 وتطور مكونات مؤشر الأسعار.
  3. Office des Changes – المملكة المغربية، Rapport annuel du commerce extérieur du Maroc – Année 2025، الرباط، 2026.
    المرجع المناسب لرقم الفاتورة الطاقية البالغة نحو 107.56 مليار درهم سنة 2025 وتطور واردات المنتجات الطاقية.
  4. Bank Al-Maghrib (بنك المغرب)، Rapport annuel 2024، الرباط، 2025.
    استُخدم في تحليل التضخم، وأسعار الطاقة والغذاء، والسياسة النقدية، وكذلك العلاقة بين أسعار الغاز والأمونيا والأسمدة.
  5. Bank Al-Maghrib، Rapport sur la politique monétaire – décembre 2024، الرباط، 2024.
    مرجع لتحليل مصادر التضخم وانتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية.
  6. International Monetary Fund (IMF)، Morocco: 2025 Article IV Consultation and Third Review under the Arrangement under the Resilience and Sustainability Facility، IMF Staff Country Reports, No. 2025/087، Washington, D.C., April 2025.
    استُخدم لتحليل التضخم، والجفاف، والسياسة الاقتصادية، والظروف الخارجية للاقتصاد المغربي.
  7. International Monetary Fund (IMF)، World Economic Outlook: Global Economy in Flux, Prospects Remain Dim، Washington, D.C., April 2025.
    مرجع للإطار العالمي للتضخم وأسعار السلع والطاقة والصدمات الخارجية.
  8. World Bank، Morocco Economic Monitor، Washington, D.C., World Bank، 2024–2025.
    استُخدم في تحليل النمو والتضخم والقدرة الشرائية والتحديات الاقتصادية المغربية.
  9. International Energy Agency (IEA)، World Energy Outlook 2025، Paris، IEA، 2025.
    مرجع لتحليل تطورات أسواق الطاقة العالمية، وأمن الطاقة، والتحول الطاقي.
  10. World Bank، Commodity Markets Outlook، Washington, D.C., World Bank، 2025.
    مرجع لتحليل تطورات أسعار النفط والغاز والسلع الأولية وانتقال الصدمات العالمية.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا