من الحياد إلى دعم الموقف المغربي وتحول المشهد في أمريكا اللاتينية
ملخص
يشكل التحول الذي أعلنته جمهورية تشيلي في سبتمبر 2026 بشأن قضية الصحراء المغربية تطوراً مهماً في مسار العلاقات المغربية–اللاتينية، ليس فقط بسبب المكانة السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها تشيلي في أمريكا الجنوبية، وإنما أيضاً بالنظر إلى أن سانتياغو كانت، طوال عقود، من الدول التي تبنت موقفاً حذراً يقوم على دعم المسار الأممي ومبدأ تقرير المصير دون الانخراط في الاعتراف بمغربية الصحراء.
وفي 21 سبتمبر 2026، أعلنت وزارتا خارجية المغرب وتشيلي، في بيان مشترك صدر عقب لقاء وزيري الخارجية في نيويورك، أن تشيلي تدعم سيادة المملكة المغربية على كامل ترابها، بما في ذلك منطقة الصحراء الغربية، وأنها تعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 حلاً سياسياً عادلاً ودائماً ومقبولاً للطرفين. كما أعلنت تشيلي عزمها ترجمة هذا الموقف على المستوى الثنائي، من خلال تشجيع فرص التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري في الأقاليم الجنوبية المغربية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع يتسم بتطور العلاقات المغربية–التشيلية، وبروز المصالح الاقتصادية المشتركة، وبدء خطوات عملية نحو اتفاق تجاري بين البلدين، فضلاً عن التحولات التي شهدتها مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية تجاه جبهة البوليساريو وما يسمى بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية.
وتخلص الدراسة إلى أن الموقف التشيلي لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل بين تطور العلاقات الثنائية، والتحولات في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، وتنامي الحضور الاقتصادي المغربي في إفريقيا، وتطور موقع مبادرة الحكم الذاتي في الخطاب الدبلوماسي الدولي، إلى جانب المصالح التجارية والاستثمارية المتزايدة بين الرباط وسانتياغو.
مقدمة
شهدت قضية الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في خريطة المواقف الدولية، حيث انتقلت القضية تدريجياً من كونها ملفاً إقليمياً ذا امتدادات إفريقية وعربية إلى قضية تحضر بقوة في الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية لدول من خارج المجال الجغرافي المباشر للنزاع.
وتكتسب التحولات التي تشهدها أمريكا اللاتينية أهمية خاصة، بالنظر إلى أن عدداً من دول المنطقة سبق أن اعترف بما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، في سياق سياسي ارتبط في جزء منه بمرحلة الحرب الباردة وحركات التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار.
غير أن هذه الخريطة بدأت تعرف تغيراً تدريجياً، مع قيام عدد من الدول بتجميد أو تعليق اعترافها أو علاقاتها مع البوليساريو، أو الانتقال إلى مواقف أكثر انسجاماً مع مقاربة الأمم المتحدة القائمة على التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف.
وفي هذا السياق، يمثل الموقف التشيلي المعلن في 21 سبتمبر 2026 محطة مهمة؛ إذ لم تكتفِ سانتياغو بالتعبير عن دعم المسار السياسي الأممي، وإنما أعلنت دعمها لسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء الغربية، كما دعمت مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وربطت موقفها السياسي بفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وتجاري في الصحراء المغربية.
وتطرح هذه التطورات مجموعة من الأسئلة: كيف تطورت العلاقات المغربية–التشيلية؟ وما طبيعة الموقف التشيلي من قضية الصحراء قبل التحول الأخير؟ وما السياق الذي جاء فيه هذا الموقف؟ وما العوامل التي يمكن أن تفسر التحول؟ ثم ما هي الدول في أمريكا اللاتينية التي ما تزال تعترف بالبوليساريو أو تحتفظ بعلاقات معها؟
1. العلاقات المغربية – التشيلية: ستة عقود من التواصل الدبلوماسي
ترجع العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين المغرب وتشيلي إلى سنة 1961، أي أنها تدخل في عام 2026 عامها الخامس والستين. وتؤكد وزارة الخارجية التشيلية أن البلدين حافظا خلال هذه الفترة على علاقات اتسمت بالصداقة والاحترام المتبادل.
وقد شهدت العلاقات الثنائية تطوراً تدريجياً، خصوصاً منذ بداية القرن الحادي والعشرين.
ففي سنة 1996 افتتح المغرب سفارته المقيمة في سانتياغو، ثم افتتحت تشيلي سفارتها المقيمة في الرباط سنة 1998. كما توجد لتشيلي قنصليات فخرية في طنجة ومراكش والدار البيضاء، وافتتحت مؤسسة ProChile مكتباً تجارياً في الرباط سنة 2019.
وشكلت زيارة الملك محمد السادس إلى تشيلي سنة 2004 محطة مهمة في تطوير العلاقات السياسية بين البلدين، تلتها زيارة وزير الخارجية التشيلي ألفريدو مورينو إلى المغرب سنة 2012، وهي أول زيارة يقوم بها وزير خارجية تشيلي للمملكة. كما زارت الرئيسة التشيلية ميشيل باشليت المغرب سنة 2016 بمناسبة انعقاد مؤتمر المناخ COP22 بمراكش.
وفي 2019، قام وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بزيارة تشيلي، وفي السنة نفسها افتتحت تشيلي مكتباً تجارياً لها في الرباط، بما يعكس انتقال العلاقات تدريجياً من المجال السياسي إلى بناء مصالح اقتصادية أكثر انتظاماً.

2. مركز محمد السادس ومسجد كوكيمبو: الدبلوماسية الثقافية المغربية في تشيلي
لا تقتصر العلاقات المغربية–التشيلية على القنوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، وإنما تمتد إلى المجال الثقافي والحضاري، وهو ما يجسده بصورة لافتة مركز محمد السادس لحوار الحضارات في مدينة كوكيمبو، الذي يرتبط بمسجد محمد السادس، المعروف محلياً باسم مسجد كوكيمبو. ويشكل هذا الصرح أحد أبرز الرموز المادية للحضور المغربي في تشيلي، وأحد نماذج الدبلوماسية الثقافية التي اعتمدها المغرب لتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان.
بدأ تشييد المركز سنة 2004 بمساهمة مغربية وتشيليّة، وبمشاركة حرفيين وبنّائين من العالم العربي تحت إشراف المهندس المعماري المغربي فيصل الشرادي، قبل أن يتم افتتاحه رسمياً في 14 مارس 2007. ويضم المركز مسجداً ومرافق ثقافية ومكتبة وقاعات للمحاضرات، فيما يبلغ ارتفاع مئذنته نحو 40 متراً، وهي مستوحاة من صومعة مسجد الكتبية في مراكش، الأمر الذي يمنح المبنى حضوراً معمارياً مغربياً واضحاً في المشهد الحضري لمدينة كوكيمبو.
ولا تكمن أهمية المركز في كونه مسجداً فحسب، بل في الوظيفة الثقافية التي أُنشئ من أجلها. فمنذ انطلاق أنشطته سنة 2007، أصبح فضاءً للحوار بين المثقفين والباحثين والجامعات والمؤسسات الدينية والثقافية، واستضاف لقاءات حول الحضارات والثقافة والتنوع والهجرة وحقوق الإنسان والعلاقات بين العالم العربي وأمريكا اللاتينية. كما أنتج المركز ونشر عدداً من الأعمال والدراسات، ونظم لقاءات دولية للحوار بين الحضارات، بما في ذلك لقاءات شارك فيها أكاديميون ومؤسسات جامعية من تشيلي وخارجها.
ويكتسب المركز دلالة خاصة في دراسة العلاقات المغربية–التشيلية؛ لأنه يمثل نموذجاً مبكراً لما يمكن تسميته الدبلوماسية الثقافية المغربية في أمريكا اللاتينية. فالمغرب لم يقدم نفسه من خلال العلاقات الحكومية وحدها، وإنما سعى إلى بناء جسور مباشرة مع المجتمع التشيلي، من خلال الثقافة والجامعة والبحث العلمي والحوار الديني والحضاري. وقد شملت أنشطة المركز محاضرات وندوات حول المغرب وتاريخه وتنوعه الثقافي، كما تعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية تشيلية، من بينها جامعة تشيلي وجامعة لا سيرينا.
وتشير طبيعة أنشطة المركز إلى أن صورة المغرب في تشيلي لم تُبنَ فقط عبر الموقف السياسي الرسمي، وإنما أيضاً عبر تراكم ثقافي ومؤسساتي استمر قرابة عقدين. كما أن اختيار اسم الملك محمد السادس للمركز والمسجد يعكس ارتباط المشروع بالبعد الثقافي والديني للمملكة، في حين أن طبيعة أنشطته المفتوحة أمام الجمهور جعلته أداة للتعريف بالمغرب والحضارة الإسلامية وتعزيز التواصل بين الثقافات.
وتؤكد السلطات التشيلية نفسها الطابع الثقافي للمؤسسة؛ إذ تصفها الجهات الرسمية المختصة بالتراث في تشيلي بأنها مركز ثقافي مهم في مدينة كوكيمبو، يتيح للزوار التعرف إلى الثقافة المغربية، وزيارة المكتبة وقاعات الصلاة والصعود إلى المئذنة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مركز محمد السادس لحوار الحضارات ومسجد محمد السادس في كوكيمبو باعتبارهما أحد الجسور التي سبقت التحول السياسي الراهن في العلاقات المغربية–التشيلية. فقبل أن تتطور العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة التفاوض حول اتفاق تجاري، وقبل أن يصل الموقف التشيلي من قضية الصحراء إلى مستوى دعم سيادة المغرب على كامل ترابه، كانت هناك بالفعل شبكة من الروابط الثقافية والأكاديمية والإنسانية أسهمت في تقريب المجتمع التشيلي من المغرب.
وتزداد أهمية هذه الحقيقة في ضوء التحول الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال سنة 2026؛ إذ يمكن قراءة التطور السياسي والاقتصادي الأخير باعتباره امتداداً لمسار طويل من التقارب المتعدد الأبعاد، بدأ بالدبلوماسية الرسمية وتعزز بالدبلوماسية الثقافية، ثم انتقل تدريجياً إلى مجالات التجارة والاستثمار والتعاون الاستراتيجي.

3. العلاقات الاقتصادية: من التبادل المحدود إلى البحث عن شراكة أوسع
على الرغم من أن المبادلات التجارية بين المغرب وتشيلي لا تزال محدودة مقارنة بحجم التجارة الخارجية لكل من البلدين، فإن الاتجاه العام خلال السنوات الأخيرة كان نحو توسيعها.
شهدت المبادلات التجارية الثنائية مع تشيلي تطوراً ملموساً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2025؛ حيث قفزت قيمتها الإجمالية من 26 مليون دولار لتسجل ذروتها عند 105 ملايين دولار سنة 2024، قبل أن تتراجع إلى نحو 80 مليون دولار سنة 2025. ورغم هذا الانخفاض الأخير في الحجم التجاري، تُظهر بيانات وزارة العلاقات الاقتصادية الدولية التشيلية اتجاهاً عاماً متصاعداً ومستقراً، تجسد في تحقيق معدل نمو سنوي متوسط بلغ 24.9% على مدار السنوات الخمس الأخيرة. ويعكس هذا المسار الاستثنائي توسع آفاق التعاون الاقتصادي وتنويع الشراكات الاستراتيجية بين الجانبين، متجاوزاً تقلبات الأسواق العالمية ليحافظ على مستويات مبادلات تفوق بثلاثة أضعاف ما كانت عليه في بداية العقد.
والأهم من الأرقام الحالية هو أن البلدين دخلا خلال 2026 مرحلة جديدة من التفكير في الإطار المؤسساتي للعلاقات التجارية.
ففي يونيو 2026 وقعت الرباط وسانتياغو إعلاناً مشتركاً يمهد لبدء مفاوضات حول اتفاق تجاري، وهو ما وصفته وزارة العلاقات الاقتصادية الدولية التشيلية بأنه يمكن أن يقود إلى أول اتفاق للتجارة الحرة بين تشيلي ودولة إفريقية.
كما أعلنت تشيلي في أغسطس 2026 عن اتفاق لتسهيل تجارة المنتجات الغذائية، مؤكدة أن المغرب يمثل بالنسبة إليها بوابة استراتيجية إلى إفريقيا، مستفيدة من موقعه الجغرافي وبنيته اللوجستية، وخاصة ميناء طنجة المتوسط.
وهنا تبرز أهمية البعد الاقتصادي في فهم التحول السياسي الأخير.
فالمغرب لا يمثل بالنسبة إلى تشيلي مجرد شريك شمال إفريقي، وإنما يمكن أن يشكل منصة للتوسع التجاري نحو الأسواق الإفريقية والمتوسطية.
4. الموقف التشيلي من الصحراء المغربية قبل التحول
لم يكن موقف تشيلي قبل سبتمبر 2026 مطابقاً للموقف المغربي.
فلسنوات طويلة حافظت سانتياغو على مقاربة تقوم على دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، والدعوة إلى حل سياسي للنزاع، من دون الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء.
غير أن هذا الموقف بدأ يتغير تدريجياً.
وفي ديسمبر 2024، وخلال زيارة وزير الخارجية التشيلي ألبرتو فان كلافيرين إلى الرباط، أعلنت تشيلي دعمها للقرار 2756 الصادر عن مجلس الأمن، هو القرار الذي يؤكد دعم المسار السياسي الأممي للتوصل إلى حل واقعي ودائم وقائم على التوافق بشأن قضية الصحراء الغربية، ويمدد ولاية بعثة المينورسو. وأشادت بما وصفته بالجهود المغربية الجادة وذات المصداقية للتوصل إلى حل سياسي واقعي وقابل للاستمرار ونهائي لقضية الصحراء الغربية.
كما أن مجلس الشيوخ التشيلي كان قد وافق في يناير 2025 على مشروع اتفاق يؤيد مبادرة المغرب للتفاوض بشأن نظام الحكم الذاتي للصحراء، ويدعو إلى دعم قرار مجلس الأمن 1754 الصادر سنة 2007، وهو القرار الذي شكل محطة مهمة في إدخال مقترح الحكم الذاتي المغربي إلى صلب المسار السياسي الأممي.
وبذلك يمكن ملاحظة أن التحول الذي وقع في سبتمبر 2026 لم يأتِ من فراغ، وإنما سبقه تدرج سياسي ودبلوماسي واضح.
5. سبتمبر 2026: الانتقال من دعم الحل السياسي إلى دعم السيادة المغربية
جاءت النقلة الأساسية في 21 سبتمبر 2026 على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
فقد اجتمع وزير الخارجية التشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا بنظيره المغربي ناصر بوريطة، وجرى خلال اللقاء استعراض العلاقات الثنائية والاتفاق على المضي قدماً في إعداد اتفاق تجاري بين البلدين.
لكن الجزء الأكثر أهمية تمثل في الموقف الذي أعلنه الطرفان بشأن الصحراء.
فقد نص البيان المشترك على أن تشيلي تدعم سيادة المملكة المغربية على كامل ترابها، بما في ذلك منطقة الصحراء الغربية، كما اعتبرت المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي قدمت سنة 2007 حلاً سياسياً عادلاً ودائماً ومقبولاً للطرفين.
ولم يتوقف الأمر عند الموقف السياسي، إذ أعلنت تشيلي أنها ستترجم دعمها على المستوى الثنائي، وأنها ستعمل على تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والتجاري في منطقة الصحراء المغربية، بما يشمل الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية.
وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأنه ينقل الموقف من التأييد السياسي المجرد إلى إمكانية ترجمة الموقف إلى تعاون اقتصادي مباشر في الأقاليم الجنوبية.
6. قرار مجلس الأمن 2797 وسياق التحول الدولي
لا يمكن فهم الموقف التشيلي بمعزل عن التطورات التي عرفها المسار الأممي.
ففي 31 أكتوبر 2025 اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، الذي مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية حتى 31 أكتوبر 2026. وقد اعتمد القرار بأغلبية 11 صوتاً مقابل عدم وجود أصوات معارضة، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت.
وقد أصبح القرار جزءاً من البيئة الدبلوماسية التي استند إليها الموقف التشيلي الجديد؛ فالبيان المشترك المغربي–التشيلي أكد صراحة أن تشيلي تثمن القرار 2797 وتتبنى الدعوة إلى استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وبذلك يمكن القول إن التحول التشيلي جاء في لحظة أصبحت فيها مبادرة الحكم الذاتي المغربية حاضرة بصورة متزايدة في المواقف الدولية المؤيدة لمسار التسوية السياسية.
7. لماذا تحولت تشيلي؟ قراءة في الأسباب
من الصعب علمياً اختزال القرار التشيلي في سبب واحد، كما لا توجد في البيان الرسمي إشارة إلى أن عاملاً واحداً كان وراء القرار.
لكن يمكن تحديد مجموعة من العوامل المتداخلة.
7.1 تطور العلاقات السياسية المغربية–التشيلية
العلاقات الثنائية لم تكن وليدة قرار سبتمبر 2026؛ بل تمتد إلى 65 عاماً، وشهدت خلال السنوات الأخيرة تكثيفاً للزيارات والاتصالات السياسية.
وهذا التراكم خلق أرضية سياسية سمحت بتطوير الموقف التشيلي تدريجياً.
7.2 التحول الاقتصادي
تزامن التحول السياسي مع مرحلة غير مسبوقة نسبياً في العلاقات الاقتصادية.
ففي يونيو 2026 اتجه البلدان إلى وضع إطار تفاوضي لاتفاق تجاري، وفي أغسطس وقعا ترتيبات لتسهيل تجارة المنتجات الغذائية.
لذلك فإن العامل الاقتصادي يمثل سياقاً مهماً للتحول، حتى وإن كان لا يمكن إثبات أن العلاقات التجارية كانت سبباً مباشراً في اتخاذ القرار السياسي.
7.3 الموقع الجغرافي للمغرب
أصبحت تشيلي تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة محتملة إلى إفريقيا.
وتوضح المؤسسات الاقتصادية التشيلية بصورة صريحة أن الموقع الجغرافي للمغرب، والبنية اللوجستية، وميناء طنجة المتوسط، تجعل المملكة منصة للتوسع في الأسواق الإفريقية.
ومن ثم فإن تعزيز العلاقات مع المغرب ينسجم مع سياسة تشيلية أوسع لتنويع الأسواق والوصول إلى إفريقيا.
7.4 تطور الموقف التشيلي نفسه
التحول لم يحدث فجأة.
ففي ديسمبر 2024 دعمت تشيلي القرار 2756، وفي يناير 2025 أقر مجلس الشيوخ التشيلي مشروعاً مؤيداً لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، ثم جاءت في سبتمبر 2026 الصيغة الأكثر وضوحاً بدعم السيادة المغربية.
وهذا يسمح بقراءة التطور باعتباره مساراً تراكمياً وليس انقلاباً مفاجئاً في السياسة الخارجية.
8. أمريكا اللاتينية: تقلص دائرة الاعتراف بالبوليساريو
كانت أمريكا اللاتينية خلال عقود من المناطق التي حظيت فيها جبهة البوليساريو وما يسمى (بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) بعدد مهم من الاعترافات.
لكن الخريطة تغيرت بصورة كبيرة.
فوفق قاعدة بيانات محدثة في سبتمبر 2026، ما زالت مجموعة من دول أمريكا اللاتينية مدرجة ضمن الدول التي سبق أن اعترفت بالجمهورية الصحراوية، لكن الاعتراف التاريخي لا يعني بالضرورة استمرار العلاقات الدبلوماسية معها.
ومن بين دول أمريكا اللاتينية والكاريبي التي تُدرج بعض المصادر المحدثة في 17 سبتمبر 2026 ضمن الدول التي لا تزال تحتفظ بعلاقات مع جبهة البوليساريو: المكسيك، وكوبا، ونيكاراغوا، وفنزويلا، والأوروغواي، وغواتيمالا، وترينيداد وتوباغو.
غير أن التعامل مع هذه القائمة يقتضي قدراً من الحذر؛ إذ إن الاعتراف بما يسمى «الجمهورية الصحراوية» وإقامة علاقات دبلوماسية نشطة معها مسألتان مختلفتان، كما أن مواقف بعض الدول شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات أو تجميداً للعلاقات. وتبرز هنا حالات مهمة، من بينها دول سحبت اعترافها أو جمدته، وأخرى أبقت على مواقفها السابقة دون أن يعني ذلك بالضرورة استمرار علاقات دبلوماسية كاملة.
فدولة بيرو ، على سبيل المثال، اعترفت بالجمهورية الصحراوية سنة 1984، وأقامت معها علاقات دبلوماسية سنة 1987، ثم قطعتها سنة 1996، وأعادتها سنة 2021، قبل أن تعلقها مجدداً في سبتمبر 2023.
كما علقت الإكوادور اعترافها بالجمهورية الصحراوية سنة 2024، بينما أعلنت بوليفيا في فبراير 2026 تعليق اعترافها وإعادة العلاقات مع المغرب.
أما كولومبيا، فقد اتخذت في أغسطس 2026 خطوة أكثر وضوحاً، عندما أعلنت وزارة خارجيتها تجميد العلاقات مع الجمهورية الصحراوية، وأعلنت في الوقت نفسه اعترافها بسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء الغربية.
وهكذا، فإن التطور التشيلي جاء بعد سلسلة من التحولات المهمة في أمريكا اللاتينية.
9. من الاعتراف التاريخي إلى إعادة تعريف المصلحة
تكشف الخريطة الجديدة أن الموقف من قضية الصحراء لم يعد محكوماً فقط بالاعتبارات الأيديولوجية التي طبعت جزءاً من مرحلة الحرب الباردة.
فعدد من دول أمريكا اللاتينية بات ينظر إلى العلاقات مع المغرب ضمن حسابات أوسع تشمل:
التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والأسمدة، والطاقة، والموانئ، والسياحة، والولوج إلى الأسواق الإفريقية.
وهذه المجالات تتقاطع مع عناصر القوة الاقتصادية المغربية.
ومن هنا، فإن تحول تشيلي لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره تغيراً في موقفها من قضية الصحراء، وإنما باعتباره جزءاً من إعادة تموضع أوسع للعلاقات المغربية–اللاتينية.

10. الدلالة الجيوسياسية للموقف التشيلي
تكتسب الخطوة التشيلية أهمية إضافية من كونها صادرة عن دولة ذات موقع اقتصادي ودبلوماسي مميز في أمريكا الجنوبية.
كما أن أهمية القرار لا تكمن فقط في عدد الدول التي أعلنت مواقف مماثلة، وإنما في انتقال الموقف المغربي من المجال الإفريقي والعربي إلى فضاءات جغرافية وسياسية بعيدة نسبياً عن شمال إفريقيا.
وتتمثل إحدى أهم دلالات القرار في أنه يربط بين ثلاثة مسارات:
المسار السياسي: دعم سيادة المغرب ومبادرة الحكم الذاتي.
المسار الأممي: دعم المسار الذي يقوده مجلس الأمن والمفاوضات السياسية.
المسار الاقتصادي: تشجيع الاستثمار والتجارة والتنمية في الصحراء المغربية.
وهذا الربط بين السياسة والاقتصاد يمثل أحد أهم عناصر التحول في الدبلوماسية الدولية تجاه قضية الصحراء.
11. حدود التحول وتحديات المرحلة المقبلة
ولا تنظر الرباط إلى هذه التحولات باعتبارها مجرد تبدل ظرفي في مواقف بعض الدول، بل باعتبارها جزءاً من مسار دولي أوسع يعيد تشكيل موازين الموقف من قضية الصحراء. فبالنسبة إلى المغرب، الصحراء ليست ملفاً منفصلاً عن ترابه الوطني، وإنما جزء أصيل من وحدته الترابية، ولذلك فإن استكمال بسط سيادته على أقاليمه الجنوبية يشكل ثابتاً وطنياً لا يخضع للمساومة. وفي هذا السياق، يبرز التحول التدريجي في مواقف عدد متزايد من الدول، ولا سيما من خلال دعم مبادرة الحكم الذاتي واعتبارها أساساً واقعياً وذا مصداقية للتسوية، مؤشراً على اتساع دائرة التأييد للمقاربة المغربية. وفي المقابل، تتراجع تدريجياً قدرة المواقف التقليدية الداعمة للبوليساريو على الحفاظ على الزخم الذي كانت تتمتع به في مراحل سابقة، وإن كانت لا تزال قائمة لدى عدد من الدول. وهكذا، يبدو المشهد الدولي أمام انتقال تدريجي من مقاربة تقوم على إدارة النزاع إلى مقاربة أكثر ارتباطاً بالواقعية السياسية، وبالاعتراف بأهمية السيادة والاستقرار والتنمية في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
12. المغرب وتشيلي: نحو مرحلة جديدة
يمكن القول إن الإعلان التشيلي يمثل تتويجاً لمسار طويل من التقارب المغربي–التشيلي.
فبعد 65 سنة من العلاقات الدبلوماسية، انتقلت العلاقة من التعاون السياسي والثقافي إلى مرحلة تبحث فيها الرباط وسانتياغو عن إطار اقتصادي أكثر طموحاً، بالتزامن مع انتقال الموقف التشيلي بشأن الصحراء من الحياد النسبي إلى دعم صريح للسيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن البيان لم يكتفِ بالموقف السياسي، بل أشار إلى التعاون الاقتصادي والتجاري في الصحراء المغربية، وهو ما قد يفتح الباب أمام حضور أكبر للشركات والاستثمارات التشيلية في الأقاليم الجنوبية.
ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل العلاقات المغربية–التشيلية قد يشهد انتقالاً من الدبلوماسية التقليدية إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل السياسة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والطاقات المتجددة واللوجستيك.
خاتمة
يمثل التحول في الموقف التشيلي خلال سبتمبر 2026 محطة مهمة في مسار قضية الصحراء المغربية داخل أمريكا اللاتينية، لكنه لا يبدو حدثاً منفصلاً أو مفاجئاً، بل نتيجة لمسار طويل من تطور العلاقات المغربية–التشيلية سياسياً واقتصادياً وثقافياً. فقد تزامن تطور التعاون الثنائي مع انتقال الموقف التشيلي تدريجياً نحو دعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وصولاً إلى دعم سيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء الغربية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الثقافي والحضاري في بناء هذا التقارب؛ فقد شكل مركز محمد السادس لحوار الحضارات ومسجد محمد السادس في كوكيمبو، منذ افتتاحه سنة 2007، أحد أبرز رموز الحضور المغربي في المجتمع التشيلي، وأسهم في ترسيخ جسور الحوار والتواصل الثقافي والحضاري بين البلدين. ومن ثم، فإن العلاقات المغربية–التشيلية لم تُبنَ على المصالح السياسية والاقتصادية وحدها، وإنما دعمتها أيضاً عقود من التراكم الثقافي والمؤسساتي.
كما أن التحول السياسي تزامن مع توجه البلدين نحو توسيع الشراكة الاقتصادية والتجارية، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية أبعاداً جديدة تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الدبلوماسية. ويكتسب المغرب، في هذا السياق، أهمية خاصة بالنسبة إلى تشيلي باعتباره بوابة نحو الأسواق الإفريقية، في حين توفر العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية للمغرب مجالاً إضافياً لتنويع شراكاته الدولية وتعزيز حضوره في فضاءات جغرافية جديدة.
ويأتي الموقف التشيلي كذلك في ظل تغير تدريجي في خريطة المواقف داخل أمريكا اللاتينية، حيث اتجهت بعض الدول إلى تعليق أو تجميد اعترافها بالجمهورية الصحراوية أو علاقاتها بها، بينما أعلنت دول أخرى مواقف داعمة للسيادة المغربية ومبادرة الحكم الذاتي. ومع ذلك، لا تزال بعض الدول تحتفظ بمواقف مختلفة، بما يؤكد أن المسار الدبلوماسي لم يصل إلى نهايته.
وعليه، فإن أهمية التحول التشيلي لا تكمن في الموقف ذاته فحسب، وإنما في سياقه وتوقيته وتكامله مع التطورات السياسية والاقتصادية والثقافية للعلاقات بين الرباط وسانتياغو. كما أنه يعكس انتقال قضية الصحراء المغربية في أمريكا اللاتينية من إطار الاصطفافات التاريخية إلى مرحلة تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي، والدبلوماسية، والمصالح الاقتصادية، والحضور الثقافي، والتحولات الجيوسياسية.
وبذلك يمكن اعتبار الموقف التشيلي محطة جديدة في تطور الحضور المغربي بأمريكا اللاتينية، وفي مسار بناء شراكات تقوم على المصالح المتبادلة والحوار والتعاون، مع بقاء المسار الأممي الإطار المرجعي للتوصل إلى تسوية سياسية لقضية الصحراء.
مراجع ومصادر أساسية
- Ministerio de Relaciones Exteriores de Chile, 2026, Comunicado conjunto Chile–Marruecos, Santiago, 21 September 2026.
- Ministerio de Relaciones Exteriores de Chile, 2026, Reino de Marruecos – Relación bilateral.
- Subsecretaría de Relaciones Económicas Internacionales de Chile (SUBREI), 2026, Chile y Marruecos suscriben declaración conjunta y dan primer paso para un acuerdo comercial.
- SUBREI, 2026, Chile y Marruecos dan nuevo paso de acercamiento tras firma de acuerdo para facilitar el comercio de alimentos.
- SUBREI, 2026, Ficha País: Chile–Marruecos 2025.
- Senado de Chile, 2025, Boletín N° S 2600-12: respaldo a la iniciativa marroquí de autonomía para el Sahara.
- Consejo de Seguridad de Naciones Unidas, 2025, Resolution 2797 (2025), S/RES/2797.
- United Nations – Decolonization, Western Sahara: Non-Self-Governing Territories.
- International Court of Justice, 1975, Western Sahara – Advisory Opinion of 16 October 1975.
- Ministerio de Relaciones Exteriores del Perú, 2022–2023, البيانات الرسمية المتعلقة بالاعتراف والعلاقات مع الجمهورية الصحراوية.
- Ministerio de Relaciones Exteriores de Colombia, 2026, Colombia congela relaciones diplomáticas con la entidad denominada RASD.


