أ. اسعد الجبوري *
كانت تبحث عن المصعد الكهربائي في اللحظة التي وصلنا إليها من أجل هذا الحوار.فجأة تتجمّد قدماها في المكان .فتترك المصعد عائدةً للغابة،وبين يديها كلب صغير يضع على عينيه عصابة زرقاء، لتجلس على كرسيّ خشبي يبدو انه كان مهجورا.تأكدنا من وجود فرصة للحديث مع الشاعرةً .فلم تمض لحظات حتى تجّلّت الأمور بشكل واضح.تفاهمنا على إجراء الحوار والتصوير رغبة منها ومن ذلك الحيوان الذي رفع عن عينيه العصابة ليقهقه كمخلوق ثمل ،سرعان ما قفز من حضنها متجهاً إلى مطاردة جوقة من الأرانب .
كلّ ذلك حدث مع الشاعرة البلجيكية ماي سارتون في غابة ((النحل المُدَخّن)) .فقد تمنّت المرأةُ الشاعرة الإسراع بطرح الأسئلة كي لا تتأخر على من كانت ينتظرها في سريرها المدفون ما بين طبقات الغيوم.
لذلك افتتحنا حوارنا معها بالسؤال التالي:
س:كيف أو هل يمكن رؤية الشعر؟ ؟
ج- أحياناً بالعين المجرّدة،وفي أحايين كثيرة بالأصابع التي لها القدرة على تلمس مشاعر الكلمات وما تتضمن من فرح وألم وشهوات وكراسي ونجوم.
س:من أي رَحِم خرجتِ أنتِ للعالم؟
ج-أظنُ أنني ما زلت بمجرى المتاهة ،لم أتقدم خطوةً نحو مستقبلي بالموت.
س:هل ترين أن مرحلة ما بعد الموت مستقبلاً يا ماي؟
ج-لِمَ لا. فإذا كان الرحم هو المنفى الأول،فليس بالضرورة أن يبقى الجنينُ مرتبطاً بتلك المشيمة للأبد.
س:عن أية مشيمة تتحدثين يا ماري سارتون ؟
ج- عن تلك القناة التي تربط ما بين الوجود والعدم.
س:وهل تبدأ حركات الموت بالتقدم للسيطرة على الحواس منذ يوم يكون المخلوق جنيناً في رحم أمه كما تعتقدين؟
ج-نعم.فليس الرحم مأوى لنمو الأجنة وحدها،إنما هو مكان سريّ لتسريب أو تهريب ما دُفن في الجسد من أعضاء مرهقة.
س:كيف يمكن قياس درجات الغرام في الجسد؟
ج-قد لا يتم ذلك دون وجود حواس تتمتع بالاستجابة لأصوات الطير التي تغني لأنفسها عن النار والهجران وسياط الكلمات الجاهلة.
س:ما الذي دفع بكِ للشِعر؟
ج-هو نفسه الذي دفع بي إلى السرير ،وحاول ربط كتلة الديناميت بجسد لم يفقه من العلوم العسكرية شيئاً.
س:وكيف تمارسين الكتابة الآن؟
ج- بالأصابع ليس غير.
س:هل الشعر فقمةٌ لا تتأثر بالبرد ولا بأخطاء الطبيعة؟
ج- نعم.ولكنها تتأثر بإيقاعات الأرصفة التي تمتصها من سكاربيلات النساءات اللاتي تمشي عليها بثقة.
س:هل كانت قصائدكِ ترتدي السكاربيلات؟
ج- ليس دائماً. كنت أحب رياضة المشي حافيةً على أعشاب الرجال.
س: مع كلب حراسة أو دون ذلك ؟
ج- لم أذهب إلى الحروب لأخذ كلباً لحراستي.كنت أقطع الغابات ومن ثم أذهب للغسل والتنظيف.
س:متى تفتح الشاعرةُ أبواب الحروب؟
ج-عن أية حروب تتحدث؟
س:حروب الأجساد مثلاً؟
ج-كلّ ذلك يتعلق بالإشارات الإيروتيكية الآتية مع نمو الأعضاء وتكاثرها في الحواس ؟
س:كلام مبهمٌ !!
ج-ليس كلاماً مبهماً.فارتفاع منسوب الزمن بالأعمار،يرافقهُ تمدّدٌ للرمال في أعضائنا الجنسية،مما يدفع بنا إلى كسر الخزائن المتبقية في كهوف الحواس أو فتح الأبواب المغلقة في الجسد قبيل أن تغطي الصحراءُ الأنّفسَ وتتسيّدُ الأرواح.
س:أهو بابٌ الخيانة؟
ج- الخيانة في الشعر لا في الجسد.ذلك ما عرفته عن كثب.
س:هل تعلّمت ذلك من أفكار والدك المؤرخ في جامعة هارفارد –جورج سارتون_ أم تأثرت بثقافة أمك الفنانة الإنكليزية – مايل اليانور- على سبيل المثال؟
ج- لا هذا ولا تلك. أنا أدركتُ المخاطر الحقيقية التي تتعرض لها أجساد النساء بعد الخمسين من العمر.أنا درستُ العلوم المسرحية بشغف،إلا أنني وقعتُ بمجرى الشعر أكثر حتى بلوغ مجموعتي الشعرية الأولى ((لقاء في أبريل)) الذي صدر عام 1937.
س:حدث ذلك في أمريكا التي انتقلت إليها العائلة بعد غزو القوات الألمانية لبلجيكا بعد اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في عام 1914؟
ج- نعم. لقد فرت بي عائلتي إلى إيبسويتش بإنجلترا يوم كنت طفلةً.ومع ذلك رحلتُ عن العائلة في التاسعة عشرة من العمر لأكون في باريس وأتعرف فرجينيا وولف وجوليان هكسلي وجوديث ماتلاك.
س:ما الذي خُلِق من شعر في تلك الفترة الخصبة ؟
ج-كلّ شيء أخذ بالتحطم ومغادرة محطات الجسد.كلهم ذهبوا للجحيم وانطفأ واحدهم تلو الآخر في داخلي الأعمى.
س:ولا تنتظرينَ أحداً قد يجئ من وراء الغيم يا سارتون؟
ج-لا لا .كان وقتي مثقفاً مُفَرّغاً من آداب اللُحوم الخارجة من القصائد.
س:وكيف تتم عملية الاندماج ما بين الحب وبين الجسد؟
ج-هناك طريقة لا يمكنني التصريح عنها .
س:خوفاً من الربّ مثلاً ؟
ج- لا. الربُّ لا يمارس الخوف ولا يتخذ من الخوف شعاراً لقدرته الهائلة.
س:هل المرضُ هو من دفعَ بك إلى الإيمان بالإلهيات بعد أن نالت منكِ السكتة الدماغية ومن بعدها سرطان الثدي؟
ج- لا يأتي الاتحاد بالربّ بسبب الخوف من نتائج الأمراض وحدها،ولكن ذلك الاتحاد يأتي رغبةً بفتح الطريق إلى عوالم السموات المجهولة.
س:وما درجة إيمانك يا ماي سارتون؟
ج-فوق الصفر .
س:أهي الدرجة المفضلة بالثلاثة والخمسين كتاباً التي خرجت من رأسك للمطابع؟
ج-كانت كتبي الشعرية منها أو الروائية أو المسرحية تمضي بمجرى كتابي الأرضي كمذكرات لامرأة لم تنفلت من عقالها في تلك العزلة القاتلة أو المُربكة.
س:من المسؤول عن أذى الجسد،الذهنُ أم اللغة؟
ج-اللغة بالطبع.
س:ولمَ تظنين بذلك ؟
ج-لأن الذهن صانعُ للغة ومدرّب لمخلوقاتها على الأرض أو في الحانات المنتشرة في السموات دون حدود.
س:أين يقيم الموتى صلواتهم يا سارتون؟
ج- في براري النصوص بالضبط.
س:وهل فعلت أنتِ ذلك، فأقمت الصلوات هناك؟
ج-نعم.فعلتُ ذلك يوم طردتُ الشياطين من غرف حواسي،ودفعت بهم إلى اللعب مع الكلمات.
س:ولمَ فعلت ذلك. أبسبب المثلية الجنسية للشياطين ؟
ج- نعم.فالعلاقات الجنسية ما بين الطرفين –الذكور والإناث – لم تكن تفي بالغرض كي تبلغ النشوة.لذلك يمكن البحث عن بدائل.
س:هل كانت عزلتك بسبب الشيخوخة؟
ج-لا. أنا وضعتُ العزلةَ بنفسي موضعَ الشمعة بقالب كاتو.
س:موضع الاستئناس والتنوير تقصدين؟
ج-أجل.فالجميع سيأكلُ من قالب الكاتو قطعةً،فيما ستبقى الشمعةُ بربع عمرها ،ولكنها ستطفأ وتحيّد في عالم الإهمال جانباً.
س:وماذا اكتشفت في العُزلة يا سارتون ؟
ج-لم أدخل إلى هناك لأكتشف شيئاً،ذلك لأنني ذهب إلى هناك فراراً مما اكتشفته في خلايا الأرض وأغوارها .
س:هل كنت امرأة بلحمٍ من الشكوك؟
ج-ولمَ لا. كانت شكوكي بمحلها .
س:على أية موجة كانت رادارات رأسك تعمل؟
ج- على درجة السالب والموجب بالضبط.
س:كم من المرات وجدت نفسك في متاهة؟
ج-أنا عملتُ موظفة في متاهة الشعر،ومن بعد ذلك تغيرّت كلُّ فصولي.
س:ما الفرق ما بين فصولك وما بين حواسك ؟
ج- كالفرق ما بين محرك دبابة وقلب نحلة تقفُ على زهرة مبلّلة بالندى.
س:ومن أجل تلك الفورّة العاطفية ،قمتِ بتشريح الحبّ كجسد منهوب للعواصف؟!
ج-نعم. لقد أدخلني الحبُّ إلى وَجْر الثعلب لأتعلّم تدخين الماريجوانا اللغوية.
س:ربما لهذا كانت نصوصك الأنثوية مثيرة إلى حدّ ما .أليس كذلك ؟
ج-تماماً. هكذا قالت لي قصائدي في التساوي المثلي ما بين المرأة وبين الرجل.
س:لمَ رأت فيك الناقدة (مارجوت بيترز) امرأةً مُعقدّة؟
ج- وماذا قالت عني بالضبط؟
س: كتبت عنك قائلةً: (( كانت خبيرة في الابتزاز العاطفي، وتصرفت بشكل سيئ في المطاعم. كانت ماي سارتون، التي كانت أنانية وغير حساسة، تغازل الآخرين باهتمامات باهظة، فقط لخيانتهم وإذلالهم لاحقًا )) وغير ذلك.
ج- أعتقد بأن ما قالته عني كان صحيحاً بنسبة كبيرة.فمثلما كنت منجذبة للشعر والمسرح،كذلك كنت مأخوذة بسوناتات النساء وبعض الرجال ممن وضعتهم في محفظة الاحتياط الاستراتيجي للجنس.
س:أي من أولئك الذين التقيت بهم في باريس أشعل في ذهنك النار فرجينيا وولف وإليزابيث بوين وجوليان هكسلي وجولييت هكسلي ولوجني بو وباسيل دي سيلينكور لتندفعي بكتابة روايتك ((الكلب الوحيد)) عام 1938 ؟
ج- الكتابة مرض.ولا أعرف من أين أصبتُ بتلك العدوى لأصبح شريكة فراش -جودي ماتلاك- لمدة 13 سنة في مدينة سانتا في نيو مكسيكو.
س:وماذا حدث بعد انفصالك عن جودي؟
ج-جاءتني السكتة الدماغية لأدخل مرحلة الإعاقة والكتابة بالصوت تسجيلاً.ومن ثم لينقلني سرطان الثدي إلى المقبرة عام 1995.
س:هل حدثكِ الموتُ عن شيء ما ؟
ج- قال لي فقط: يمكنك أن تغتسلي بالحبر السماوي وتنامين عارية في سرير اللغة القديمة .
س:وهل حدث ذلك فعلاً يا ماي؟
ج- ربما. ولكن كلّ الذي أعرفه إن الموت اغتصبني تحت شراشف ذلك السرير.
س:وهل شعرت بسعادة ما ؟
ج- أجل. فليس من شيء أكثر سعادةً من العدم.إنه الاتحاد النادر ما بين اللُحوم وتلال الرماد.
_______________________________________________________________________
لمحة:
ماي سارتون، هي كاتبة روائية وشاعرة أمريكية يذكر أن اليانور ماري التي اشتهرت باسم ماي سارتون ولدت في بلجيكا 1912م، وهاجرت أسرتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الأولى، وبدأت في الثلاثينات من القرن العشرين تتجه إلى كتالة المسرحيات والقصائد، بعدها كتبت في أشكال الأدب المختلفة، حيث أنتجت أكثر من خمس …
ويكيبيديا
تاريخ ومكان الميلاد
3 مايو 1912، Wondelgem، جنت، بلجيكا
تاريخ ومكان الوفاة16 يوليو 1995 ( العمر 83 سنة) نيويورك ، الولايات المتحدة الامريكية.



