( الحرب الكبرى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بقيادة سعودية )
تشير جميع التحليلات السياسية والاستراتيجية إلى أن الحرب على إيران لها روابط وثيقة وأبعاد مشتركة بين الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فكلا الحدثين يقعان ضمن سياق استراتيجي واحد يهدف إلى إعادة رسم الهيمنة على ممرات الطاقة العالمية مع تباين جوهري في الأدوات وحجم الردع والظروف الدولية بين الحربين.
رغم تشابه الأهداف الكبرى لكن تختلف طبيعة الصراع مع إيران مقارنة بالعراق عام 2003، ففي عام 2003 دخل العراق في حرب بعد حصار اقتصادي وعسكري خانق استمر لأكثر من عقد من الزمن، مما أضعف قدراته الدفاعية بالكامل خصوصا وأنه كان خارجا من حربين الأولى مع إيران استمرت ثماني سنوات، والأخرى تحالف دولي أخرج صدام من الكويت، ومن ثم فرض عقوبات خانقة، بينما إيران تمتلك منظومة ردع عسكرية مستقلة، وشبكة دفاعات إقليمية واسعة ترفع تكاليف أي مواجهة مباشرة، رغم سبق هذه الحرب تفكيك قدرات حزب الله، وتحييد الحشد الشعبي في العراق، وإضعاف الحوثي في اليمن، ودخوله في حرب مع الحكومة اليمنية.
تعتبر إيران ومضيق هرمز بمثابة عقدة استراتيجية في الجغرافيا السياسية الرأسمالية المعاصرة التي تطورت في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، باعتبار أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي يقوم على السوق، بل منظومة تاريخية تتوسع عبر إعادة ترتيب البنى الاجتماعية والسياسية التي تعمل داخلها، ومنذ السبعينات من القرن الماضي دخلت الرأسمالية مرحلة جديدة اتسمت بتحرير الأسواق وتدويل رأس المال، وأصبحت إعادة هيكلة الدول جزءا أساسيا من عملية دمجها في الاقتصاد العالمي، وكانت الصين إحدى هذه الدول التي تم دمجها في السوق العالمي، بل أصبحت أحد أهم محرك اقتصادي للعالم.
وأي توسع اقتصادي عادة ما يرافقه عمليات عميقة عبر التحولات المؤسسية أو عبر الصراعات والحروب، فمنطقة الخليج مخزن الطاقة في العالم، وبذلك لا يمكن فصل الجغرافيا السياسية عن الجغرافيا الاقتصادية، وعادة ما تتشكل التحالفات وفقا لمتطلبات إعادة توزيع الموارد والأسواق وممرات التجارة، وبشكل خاص يعتبر هرمز ومنطقة الخليج عقدة لوجستية يقوم عليها الاقتصاد العالمي، لذلك تود الولايات المتحدة أن تكون مهيمنة عليها قبل أن تتمكن الصين من الوصول إلى المنطقة أو تضمحل هيمنتها مستقبلا، باعتبارها منطقة تعتمد عليها الصين في إمدادات الطاقة، ولذلك تعتبر الولايات المتحدة السيطرة على هذه المنطقة تعزز هيمنتها.
رغم أن إيران أدركت منذ احتلال العراق أهمية المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، لكن بعدما أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم نتيجة طفرة النفط والغاز الصخرى، والتعاون الإيراني الأمريكي عند غزو العراق وأفغانستان، واستثمار إيران ثورات الربيع العربي، وتمددها في المنطقة، وتهديدها للسعودية كهدف تاريخي، بعد دعمها للحوثي لمحاصرة السعودية، وتهديد إسرائيل عبر مليشياتها في سوريا ولبنان، وتوجهها نحو بناء سلاح نووي وتوصل دول 5+1 مع إيران حول النووي في 2015 مقابل غض طرف أوباما عن توسع إيران الإقليمي، أي أن إيران بالغت في توسيع نفوذها، وقادت حروبا من سوريا إلى اليمن، واستثمرت تسامح أوباما فقط من أجل التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، بل وتعاون أوباما مع قاسم سليماني لمحاربة داعش في العراق وسوريا، وكان مقتل سليماني في 2020 ثم هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023 بمثابة العد التنازلي لإعادة تشكيل الفوضى الإقليمية، وكانت الحرب على إيران بذريعة الأسلحة النووية نفسها في الحرب على العراق، ولم تفهم القيادة الإيرانية ان الزمن قد تغير، وأن العقلية الانتحارية لن تنقذ إيران.
لكن في المقابل تمكنت السعودية من السعي نحو بناء نظام إقليمي يقوم على تحالفات أمنية واقتصادية مرتبطة بالنظام العالمي، عكس مشروع إيران الذي يعتبر مشروع يعرقل استقرار النظام الإقليمي المرتبط بالنظام الدولي، فاتجهت السعودية نحو التحول من دول ريعية تعتمد على النفط، ومرتبطة بدرجات متفاوتة بالأسواق العالمية، ومن مسرحا للحروب والصراعات، التي لم تكن مجرد أحداث معزولة بل جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة داخلها، لإعادة ترتيب المجال الإقليمي، خصوصا وأن الممرات البحرية التي تمر عبر الخليج العربي والبحر الأحمر جزءا من البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي في نقل الطاقة والسلع، ولا يمكن أن تقبل دول المنطقة والعالم أن تبقى تحت الهيمنة الإيرانية ومليشياتها في المنطقة.
الحرب على إيران ليست مجرد صراع جيوسياسي، بل تتخذ الحرب أشكالا متعددة من أجل تشكيل شبكة تحالفات إقليمية لإعادة توزيع القوة داخل النظام الإقليمي بقيادة سعودية التي تمتلك شكل جديد من التنظيم السياسية والاقتصادي من أجل دمج الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة، من أجل أن يصبح الشرق الأوسط أكثر توافقا مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، كما حدث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث ارتبطت عمليات التوسع الجغرافي في المستعمرات بين بريطانيا وفرنسا بحدوث صراعات سياسية وعسكرية أعادت ترتيب المجال الجغرافي الذي تعمل داخله الأسواق.
لذلك الحرب على إيران ليست فقط أداة لتحقيق أهداف أمنية، بل وسيلة لإعادة هندسة المجال السياسي والاقتصادي للمنطقة بقيادة سعودية، وهي لحظة مركزية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية والسياسية للشرق الأوسط خصوصا بعدما تم تحرير سوريا من إيران، وتفكيك بنية حزب الله في لبنان، حتى تصبح منطقة الشرق الأوسط أكثر انسجاما في نظام اقتصادي عالمي جديد ، ليتحول إلى محرك اقتصادي عالمي بقيادة غربية، كما حدث مع الصين في القرن الماضي، يعاد فيها رسم العلاقة بين الاقتصاد والجغرافيا، يجعل من المجال الإقليمي جزءا من المنافسة بين القوى الكبرى الثلاث أمريكا والصين وأوروبا، يحول جغرافية الشرق الأوسط إلى عنصر أساسي في إدارة التوازنات العالمية، حتى تتسم بدرجة عالية من الترابط مع الاقتصاد العالمي.
يكتسب موقع إيران في الضفة الشمالية للخليج العربي التي تتحكم في أحد أهم المضائق البحرية في العالم، وتمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز ولا يمكن تجاهل إيران في أي تصور لهندسة المجال الإقليمي الذي يقوم عليه النظام العالمي للطاقة، فيما ظلت إيران خارج جزء كبير من ترتيبات النظام الاقتصادي السياسي التي تشكل حول المجال الجغرافي للمنطقة، فإيران كعقدة جيوسياسية لا يمكن أن تبقى دولة خارج هندسة الإقليم، ولا يمكن أن يبقى الشرق الأوسط فيه تداخلات من حيث التهديدات والتوازنات.
فالحرب على إيران استمرار لنفس الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى المتعلقة بالسيطرة على الجغرافيا السياسية والاقتصادية للطاقة وممرات التجارة، لتغيير موازين القوى الإقليمية والدولية، ولكن لن تقبل السعودية أن تصبح إسرائيل القوة المهيمنة إقليميا بلا منازع، ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف إذا لم تنضم السعودية إلى الدول المطبعة مع إسرائيل، بل بالعكس السعودية قادت تحالفا دوليا بالشراكة مع الدول الأوروبية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة لإنهاء الصراع، وفي نفس الوقت لدمج إسرائيل في خريطة الشرق الأوسط وفك عزلتها، وشكلت تحالف دفاعي ثلاثي مع باكستان وتركيا، لأن إسرائيل يصفون تركيا بأنها إيران الجديدة، وأن تركيا تشكل تهديدا لإسرائيل، لكن هذا التحالف يغير هذا التصور.


