ااستيقظتُ ذات صباح على صوت رسالة عبر الماسنجر. وحين فتحتها، وجدتُ نصًا صغيرًا، لكنه بدا لي أكبر من مجرد كلمات؛ مديحًا صادقًا يختصرني في عبارة: «معلمة استثنائية»، وحضورًا لا يغيب عن الذاكرة. أعدتُ قراءة الاسم أكثر من مرة، قبل أن أتذكر أنه كان تلميذًا في الصفوف الأساسية، درّسته في بدايات رحلتي في عالم التعليم. مرّت عشرون سنة أو أكثر منذ ذلك الوقت. تغيّرت الوجوه، وكبرت السنوات، وتبدّلت الحياة، وانفتح أمام كل واحد منا طريق آخر. ومع ذلك، استطاعت رسالة قصيرة أن تعيدني، في لحظة، إلى صفّ قديم، إلى وجوه صغيرة كانت تجلس أمامي، وإلى امرأة كنتها يومها، تؤمن أن ما تقوله أمام أطفالها قد يبقى معهم أكثر مما تتصور. عندها شعرت أن تلك الرسالة لم تكن مجرد شهادة على أثرٍ مضى، بل شهادة على أثرٍ لم ينتهِ بعد. فكيف يتحوّل المعلم من زمنٍ عابر في حياة تلاميذه إلى عمرٍ كامل مغروس في مستقبلهم؟ لا يحدث ذلك حين يحفظ التلميذ ما قاله المعلم، ولا حين يتذكر بعد سنوات عنوان الدرس أو عدد صفحات الكتاب. يحدث حين يبقى في داخله شيءٌ من ذلك المعلم، من دون أن يدري. حين يعلّمه أن السؤال أهم من الإجابة الجاهزة، وأن الخطأ ليس عيبًا ما دام يقود إلى المحاولة، وأن الكلمة يمكن أن تفتح نافذة في جدارٍ مغلق، وأن الإنسان لا يُقاس بعلامةٍ على ورقة. المعلم الذي يبقى لا يكون بالضرورة أكثرهم ، قد يكون ذلك الذي قال لتلميذٍ خائف: «أنت تستطيع»، في لحظةٍ لم يجد فيها أحدٌ سببًا ليصدّقه. وقد يكون الذي انتبه إلى طفلٍ يجلس في آخر الصف، لا يرفع يده ولا يطلب شيئًا، لكنه كان يرى في عينيه سؤالًا لم يعرف كيف ينطقه. اقترب منه، منحه وقتًا، وأشعره للمرة الأولى أن أحدًا يراه. تلك اللحظة قد تنتهي في الصف خلال دقائق، لكنها قد تستمر في حياة إنسانٍ سنوات. نحن ننسى كثيرًا مما تعلّمناه، لكننا نادرًا ما ننسى من جعلنا نؤمن بأنفسنا. في زمنٍ مضى، كان التلميذ ينظر إلى معلمه بوصفه صاحب المعرفة والمفتاح إلى عالم لا يملكه التلميذ. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. يدخل التلميذ إلى الصف وفي جيبه عالم كامل. بضغطة واحدة يستطيع أن يصل إلى معلومة، أو صورة، أو شرح، أو تجربة، وربما يجد إجابةً أسرع من تلك التي يستطيع المعلم تقديمها. وهنا يجد المعلم نفسه أمام مأزق جديد: كيف يثبت ذاته في زمنٍ لم يعد فيه مالك المعرفة؟
إنه مأزق حقيقي إذا ظلّ المعلم يقيس قيمته بكمية المعلومات التي يعرفها، وسرعة الإجابة عنها. أما إذا أدرك أن دوره لم يعد أن يكون خزينةً للمعلومات، بل إنسانًا يعلّم الإنسان كيف يتعامل مع المعرفة، فقد يتحول هذا التحدي إلى فرصة. فالمعلومة يمكن أن تصل إلى التلميذ بضغطة زر، لكن من يعلّمه : أن يميّز بين المعرفة والضجيج؟ ومن يعلّمه كيف يفكر، وكيف يناقش، وكيف يختلف، وكيف يستخدم ما يعرفه بدل أن يكتفي بتخزينه؟ هنا يعود المعلم إلى مكانه الحقيقي. ليس فوق التلميذ بوصفه مالكًا للمعرفة، بل إلى جواره بوصفه صاحب خبرةٍ إنسانية. لم يعد المطلوب من المعلم أن يعرف كل شيء؛ فهذا زمنٌ يستحيل فيه أن يعرف إنسانٌ كل شيء. المطلوب أن يعرف كيف يفتح أمام تلميذه أبواب المعرفة، وكيف يحوّل السؤال إلى رحلة، والمعلومة إلى فهم، والفهم إلى وعي. ومن هنا لم يعد مطلوبًا من المعلم أن ينافس التكنولوجيا في سرعة الإجابة، بل أن يقدّم ما لا تستطيع التكنولوجيا تقديمه: حضوره الإنساني. أن يعلّم الطفل كيف يفكر، كيف يسأل، كيف يصغي، كيف يرى الآخر. وكيف يجد صوته الخاص وسط هذا الضجيج الهائل. وحين يتعلق الأمر باللغة العربية، يصبح دور المعلم أكثر عمقًا. لا يكفي أن يقول لتلميذه: هذه لغتك، فاحفظ قواعدها. بل عليه أن يجعل الطفل يشعر أنها بيته. أن يكتشف أن العربية ليست مجموعةً من القواعد المعلّقة على جدران الصف، بل لغة أمه حين تناديه، ولغة جدته حين تحكي له، ولغة الحكاية التي كبر عليها، ولغة الحب والغضب والحنين والقصيدة. فإذا أحب الطفل لغته، لم يعد مضطرًا إلى الدفاع عنها؛ سيحملها معه كما يحمل اسمه. ولعل أجمل ما في مهنة التعليم أن المعلم لا يعرف، لحظة وقوفه أمام تلاميذه، أيّ كلمة ستبقى. قد ينسى هو درسًا شرحه، أو موقفًا مرّ به، أو اسمًا من أسماء عشرات التلاميذ الذين عبروا صفه، لكن أحدهم قد يحمل جملةً قالها له المعلم في يوم عابر، ويضعها في مكان ما من قلبه، ثم يستدعيها بعد سنوات حين يحتاج إليها. ربما بعد عشرين عامًا، وفي مدينة بعيدة، يفتح ذلك التلميذ كتابًا، أو يكتب رسالة، أو يقف أمام ابنه في موقفٍ يحتاج فيه إلى كلمةٍ صادقة، فتخرج منه جملة كان قد سمعها ذات يوم من معلمه. عندها فقط نفهم أن المعلم لم يكن فصلًا دراسيًا في حياته. كان فصلًا من تكوينه. لم يكن زمنًا عابرًا… كان عمرًا مضى أمامه، ثم بقي مغروسًا في العمر الذي جاء بعده. وربما لهذا، حين تصل رسالة من تلميذٍ بعد سنوات طويلة، لا ينبغي للمعلم أن يقرأها بوصفها مجاملةً متأخرة، بل بوصفها جوابًا يصل أخيرًا عن سؤالٍ ظلّ يرافق المهنة منذ بدايتها: هل بقي مني شيء؟ نعم… قد تبقى كلمة، أو ثقة، أو حبٌّ للغة، أو شجاعة في مواجهة الحياة. وقد يبقى، ببساطة، ذلك الشعور الجميل بأن إنسانًا مرّ في حياتنا يومًا، وترك فيها أثرًا لم تستطع السنوات أن تمحوه. وهنا تكمن عظمة التعليم. أن تدخل الصفّ معلّمًا، ثم تكتشف بعد أعوام أنك خرجت منه إلى حياة الآخرين، وأن بعضًا منك ما زال هناك… في ذاكرة تلميذ، وفي اختياره، وفي كلماته، وربما في الطريقة التي ينظر بها إلى نفسه وإلى العالم. فالمعلم الحقيقي لا تنتهي حصته حين يرنّ جرس المدرسة، ولا تنتهي مهمته حين يغادر التلميذ مقعده. قد تنتهي الحصة، لكن أثرها يبدأ. وقد يغادر التلميذ الصف، لكن شيئًا من معلمه يمضي معه. وهذا هو المعنى الأعمق للتعليم: أن تمنح إنسانًا شيئًا قد لا يعرف قيمته اليوم، ثم تكتشف بعد سنوات أنه حمله معه إلى مستقبله. عندها فقط، ندرك أن المعلم لم يكن زمنًا عابرًا في حياة تلميذه… كان عمرًا مضى أمامه، ثم بقي مغروسًا في العمر الذي جاء بعده.


