أ. نجيب الاضادي*
لم تعد التهديدات التي تواجه الدول في البيئة الرقمية محصورة في الهجمات السيبرانية التقليدية أو عمليات التجسس واختراق الأنظمة المعلوماتية. فقد برز نمط أكثر تعقيدا من المخاطر الهجينة، يقوم على توظيف الخطاب السياسي والحقوقي، وصناعة النفوذ الوهمي، واستغلال المعلومات والعلاقات الشخصية لبناء شبكات تأثير وابتزاز عابرة للحدود. وهي ممارسات تلتقي، من حيث آلياتها، مع بعض أدوات حرب الجيل الرابع، حيث تتحول المعلومة والسمعة والثقة إلى وسائل ضغط واستغلال.
وفي هذا السياق، تثير المعطيات والاتهامات التي تداولتها منصات استقصائية، من بينها «أطلس هاكس»، بشأن بعض الأشخاص أسئلة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الشبكات التي قد تستعمل شعارات المعارضة وكشف الفساد واجهة لممارسات يُشتبه في ارتباطها بالنصب والابتزاز المالي. وهنا يقتضي التحليل التمييز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين استغلال الخطاب الحقوقي او شماعة محاربة الفساد غطاء لأنشطة احتيالية، لأن الخلط بين المجالين يخدم شبكات التضليل أكثر مما يخدم الحقيقة.
■ أولا: هندسة النفوذ الوهمي وصناعة الخداع
تبدأ هذه العمليات، في الغالب، ببناء صورة مصطنعة عن امتلاك نفوذ استثنائي داخل دوائر القرار. وتتحول الفنادق الفاخرة في عواصم أوروبية، مثل باريس ومدريد، إلى فضاءات لعقد لقاءات وترويج صفقات عقارية واستثمارية كبرى، من قبيل مشروع «مدينة الإعلام» المزعوم بالرباط.
وتكمن الخطورة في توظيف أسماء شخصيات نافذة، والإيحاء بوجود ارتباط بمراكز القرار السيادي، لإضفاء مصداقية زائفة على مشاريع ووعود مالية.
في التحليل الأمني، تندرج هذه الأساليب ضمن تقنيات الهندسة الاجتماعية وانتحال النفوذ، حيث لا يحتاج المحتال بالضرورة إلى سلطة حقيقية، بل يكفي أن يقنع ضحيته بأنه يمتلكها. وعندما تنجح عملية صناعة الثقة، تبدأ مرحلة الاستغلال المالي، وقد تتطور إلى الابتزاز باستعمال المعطيات الشخصية أو تفاصيل التعاملات السابقة.
■ ثانيا: سيكولوجية الطمع واختراق النخب الاقتصادية
غير أن فعالية هذه الشبكات لا تقوم على الخداع وحده، بل تستفيد أيضا من هشاشة التقدير لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين والمسؤولين السابقين، ممن قد تدفعهم الرغبة في الإثراء السريع إلى البحث عن امتيازات وصفقات خارج المساطر القانونية والمؤسساتية.
وهنا تتقاطع المصالح غير المشروعة مع قابلية الاستدراج. فالضحية التي تعتقد أنها تشتري النفوذ قد تجد نفسها موضوعا للاستغلال، ثم تتحول المعلومات المتعلقة بتعاملاتها إلى وسيلة ضغط عليها.
إن الطمع يقضي على المنهزمين ضميريا ، ليس باعتباره حكما أخلاقيا فحسب، وإنما بوصفه مدخلا لفهم إحدى أهم الثغرات البشرية التي تستغلها شبكات الاحتيال والابتزاز.
■ ثالثا: توظيف الصفات السابقة والمعلومات المهنية
ومن أخطر السيناريوهات التي ينبغي الانتباه إليها محاولة بعض الأشخاص، ممن غادروا مؤسسات الدولة أو أعفوا من مسؤولياتهم لأسباب تأديبية، استثمار صفاتهم السابقة أو معارفهم المهنية أو ما يحتفظون به من معلومات لبناء علاقات مع جهات مشبوهة مقابل منافع مالية.
فالمعرفة الجزئية بطريقة اشتغال المؤسسات قد تتحول إلى مادة لإنتاج سرديات مضللة، تمنح أصحابها مظهرا زائفا من المصداقية. ويزداد الخطر عندما تتداخل هذه الممارسات مع شبكات رقمية تعمل من خارج الحدود، مستفيدة من اختلاف الأنظمة القانونية وصعوبة تتبع بعض المعاملات والاتصالات.
لكن امتلاك معلومات سابقة عن مؤسسة لا يعني امتلاك نفوذ داخلها، كما أن الادعاء بالقرب من دوائر القرار لا يمنح صاحبه أي شرعية قانونية أو مؤسساتية.
■ رابعا: الأمن الاقتصادي وتحصين الثقة في الدولة
إن مواجهة هذا النمط من التهديدات تقتضي رؤية أمنية واقتصادية متكاملة، تقوم على اليقظة الاستباقية والتحقق من هوية الوسطاء، ومشروعية المشاريع الاستثمارية، وصفات الأشخاص الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم مفاتيح للوصول إلى مراكز القرار.
كما تقتضي تعزيز الحصانة الأخلاقية لدى الفاعلين الاقتصاديين والمسؤولين، لأن الصفقات التي تبدأ بمحاولة الالتفاف على القانون قد تنتهي بفقدان المال والسمعة، بل وبالمساءلة القضائية.
أما على مستوى الرأي العام، فإن تحصين الوعي الجماعي يمر عبر فهم آليات صناعة التضليل والابتزاز، وعدم الخلط بين الكشف المشروع عن الفساد وبين الاتجار بالمعلومات والاتهامات.
إن أخطر ما في شبكات الوهم العابرة للحدود ليس حجم الأموال التي قد تستولي عليها، بل قدرتها على تحويل الثقة إلى أداة استدراج، والمعلومة إلى وسيلة ابتزاز، والخطاب السياسي إلى غطاء لمصالح مالية مشبوهة.
فالدولة القوية لا تقاس فقط بقدرة مؤسساتها الأمنية على مواجهة التهديدات، وإنما أيضا بصلابة منظومتها القانونية، وشفافية مناخها الاستثماري، ووعي مجتمعها بأساليب الاختراق والتلاعب. وحين تتكامل هذه العناصر، تتراجع قدرة شبكات الوهم على التأثير، مهما بلغت مهارتها في صناعة الأقنعة وتضخيم النفوذ المصطنع.



