تعيش الدولة الجزائرية، بكل مكوناتها التاريخية والاجتماعية، واحدة من أكثر مراحلها التاريخية دموية وضبابية على مستوى تزييف الوعي ومصادرة الإرادة الشعبية،فخلف واجهة الشعارات الرنانة والخطابات الديماغوجية العسكرية الفضفاضة، ترزح الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الجزائري الشقيق تحت وطأة نظام ولد من رحم الخيانة والانقلاب على ثوابت النضال الوطني الحقيقي
إنها مسرحية طويلة الأمد من النصب السياسي الممنهج، استطاعت من خلالها زمرة حاكمة أن تحول مسار ثورة التحرير المجيدة – التي رواها الأحرار بدمائهم الطاهرة – إلى مزرعة خاصة لتراكم الثروات غير المشروعة عبر النهب والسلب والقمع الممنهج، تاركة الشعب العزل رهينة لشعارات وهمية عفا عليها الزمن.

👈 إرث الانقلابات العسكرية.. من بومبيديّة الأمس إلى عسكرة اليوم
إن ما تعيشه الجزائر المعاصرة اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي وخطابي مباشر لعقيدة الانقلابات التي دشنها النظام منذ الاستقلال،فمنذ فترة الهواري بومدين – الذي كرّس أركان دولة المخابرات والقبضة الحديدية – لم يتغير جوهر الحكم سوى في الأسماء والواجهات.
لقد أرسى بومدين وزمرته نموذجا سياسيا بوليسيا عسكريا قمعيا قام على إلغاء المواطنة وتحويل الفرد إلى رعية مشكوك في أمره؛ حيث فرضت آنذاك قوانين سوريالية بلغت حد إجبار المواطنين على استخراج “إذن مسبق” من الولايات والمقرات الأمنية لكل من أراد مغادرة التراب الوطني، مرفوقا بضمانات تعسفية تعكس هاجس الشك والخوف من الشعب.
واليوم، وفي مشهد يعيد إنتاج الماضي بأقنعة جديدة، لا تزال منظومة القمع والترهيب هي السيد المطاع،حيث الحريات الصحفية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير لا تعدو أن تكون حبراً على ورق،ويواجه الصحفيون، والنشطاء، والنقابيون، وكل صوت حر يرفض الاستبداد، سياسات التخوين والملاحقة والزج في غياهب السجون.
إن خنق الحريات العامة وتكبيل النقابات العمالية ومنع حرية التنقل يعكسان هلع نظام يفقد شرعيته يوما بعد يوم، معتمدا على لغة الحديد والنار لإسكات أصوات المطالبين بالكرامة الإنسانية.
👈👈 مفارقة الثروة والفقر.. ثروات مهدرة في خدمة أجندات إقليمية
من أبشع المفارقات التي يدمى لها القلب في الجزائر اليوم، أن بلدا يزخر بثروات طبيعية هائلة ومن طاقات بشرية وشبابية واعدة، يحرم أبناؤه الحقيقيون من أبسط مقومات العيش الكريم،فعائدات النفط والغاز، التي كان من المفترض أن تبني اقتصادا وطنيا قويا ومستقلا يضمن الرخاء والعدالة الاجتماعية، يتم تبديدها في تمويل صراعات وهمية ومساندة كيانات الانفصال وتفريخ شبكات الإرهاب في المنطقة (البوليساريو …)، بهدف واحد لا يتغير: تصدير الأزمات الداخلية وإلهاء الشعب الشقيق عن واقعه المأساوي.
لقد اختار النظام الجزائري، كعادته التاريخية، استعداء دول الجوار الإقليمي وافتعال الأزمات الخارجية، متخذا من العداء لبعض الجيران شماعة لتعليق كل إخفاقاته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية،وبدل أن يوجه عائدات مقدرات البلاد نحو التنمية والتعليم والصحة وبنية التحتية، انخرطت أجنحة السلطة في سباق تسلح محموم ومشاريع عبثية لا تجلب للجزائريين سوى المزيد من العزلة وفقر الوعي.
👈👈👈 تناقض الأكذوبة الكبرى.. “تقرير المصير” المفقود داخليا
لعل السخرية الأكثر مرارة في الخطاب الرسمي للنظام الجزائري، هي إصراره المستمر على رفع شعار “دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها”، في الوقت الذي يُحرم فيه الشعب الجزائري نفسه من أبسط حقوق تقرير مصيره السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة.
كيف لنظام يدعي نصرة قضايا التحرر في العالم أن يقمع شعبه ويصادر حقه في اختيار ممثليه الحقيقيين عبر انتخابات نزيهة وشفافة؟ كيف لمن صادر إرادة الملايين وأفرغ الصناديق الانتخابية من محتواها أن يتحدث عن الحرية والديمقراطية؟ إنها مفارقة صارخة تكشف عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية التي يعاني منها هرم السلطة في الجزائر.
👈👈👈👈 أسئلة المصير الكبرى.. متى يصحو الضمير الوطني؟
أمام هذا الوضع القاتم والمستمر منذ عقود، تتناسل الأسئلة الحارقة في وجدان كل جزائري حر أعيته خيبات الأمل وشبع من الوعود الكاذبة:
- متى يمتلك الشعب الجزائري القدرة والإرادة الحقيقية لتقرير مصيره السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والحقوقي، والثقافي؟
- متى تتجاسر الدولة الجزائرية على الاعتراف بأخطائها التاريخية منذ الاستقلال إلى اليوم، وتختار طريق المصالحة الحقيقية مع شعبها الذي وثق طويلاً في كذبة الثورة الموعودة؟
- ألا يستحق الشعب الجزائري الأبي العيش بكرامة وحرية تليق بعراقة تاريخه النضالي؟
- ألا يستحق هذا الشعب التمتع بخيرات بلاده وعائدات ثرواته الطبيعية، بدلاً من إهدارها في تمويل الفتن واستعداء الأشقاء وتفريخ التوتر والعداء؟
- إلى متى سيستمر تخدير الوعي الشعبي بشعارات زائفة حول “دعم الشعوب”، بينما الشعب الجزائري نفسه أسير داخل سجن كبير اسمه الاستبداد والوصاية العسكرية؟
إن الجزائر اليوم لا تملك رفاهية الانتظار أكثر من ذلك. فالشعوب الحية قد تنهكها سياسات الترويع والتجويع والتجهيل، لكنها أبداً لا تموت،وحتماً سيأتي اليوم الذي يتجاوز فيه الشعب الجزائري الشقيق جدار الخوف، ليزيل أقنعة الوهم ويسقط جدران الزيف، مستعيداً مجد أجداده الأحرار ليصنع مستقبلاً حقيقياً قوامه الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، والسيادة الشعبية الخالصة.
متى سيستيقظ الضمير الجماعي ليدرك أن استعادة الوطن تبدأ أولاً بتحرير الإنسان الجزائري من قيود الوصاية والخوف؟


