- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةأرشيفحكايات من ذاكرة الشعراء وأسئلة الأصالة والاعتراف.

حكايات من ذاكرة الشعراء وأسئلة الأصالة والاعتراف.

أ . وفاء كمال*

ثمة حكايات لا تغادر الذاكرة، لا لأننا نملك الدليل الكافي على كل تفاصيلها، بل لأن شيئاً فيها ظلّ عصيّاً على النسيان. كلمة قيلت في لحظة عابرة، اعتراض أطلقه شاعر بمرارة، أو اعتراف أنصف فيه مبدعٌ آخر، فبقيت الحكاية معلّقة في الذهن، تنتظر أن نعود إليها بعد أن نتعلّم كيف نقرأها.

أستعيد اليوم ثلاث حكايات من الذاكرة الأدبية، لا لأضع الشعراء في قفص الاتهام، ولا لأوزّع بينهم شهادات البراءة والإدانة، بل لأنني أرى فيها ما يستحق التأمل في العلاقة بين الشعراء، وفي تلك المنطقة الملتبسة التي تتجاور فيها الأصالة والتأثر والتناص، وقد تتقاطع فيها الخصومة مع الإعجاب، والغيرة مع الاعتراف.

الحكاية الأولى:حيث كنتُ شابة،وفي لقاء قديم مع الشاعر بول شاؤول، إذ قال لي بلهجته اللبنانية التي ما زلت أسمع نبرتها في ذاكرتي:

أوليله(يعني قولي له) لأدونيس عن لساني: عيب عليك، ماهكذا تُورَد الإبل

كان يقصد، كما فهمت من حديثه، اتهام أدونيس بالمبالغة في الأخذ من الشعر الفرنسي بعد ترجمته، ورأى في ذلك ما يستحق الاعتراض. وقد ظنّ أنني أعرف أدونيس شخصياً، ربما بسبب صلتي بمحمد الماغوط، زوج الشاعرة سنية صالح، شقيقة خالدة السعيد زوجة أدونيس.

وجدت نفسي يومها في موقف لم أكن مؤهلة له. كان بول شاؤول يتحدث بثقة، وكان ضليعاً باللغة الفرنسية، فيما لم تكن لديّ الأدوات النقدية التي تسمح لي بمناقشته أو التحقق من اتهامه. لم أستطع لومه، ولم أستطع الدفاع عن أدونيس. بقيت العبارة في ذاكرتي، كأنني تسلّمت أمانة لم أعرف كيف أؤديها.. لأنني بصراحة لم أعرف أدونيس شخصياً.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، لا أرويها بوصفها حقيقة نقدية محسومة، بل شهادة على رأي سمعته من صاحبه. فإتقان لغة أجنبية لا يكفي وحده لإثبات السرقة، كما أن مكانة الشاعر لا تمنحه حصانة من السؤال. وما بين التأثر والترجمة والتناص والاقتباس والسرقة، مسافات لا يحسمها الانطباع، وإنما تحسمها قراءة النصوص ومقارنة الأدلة.

ومع ذلك، فإنني أتساءل: كم من الحكايات التي تتداولها الأوساط الأدبية تبدأ كرأي شخصي، ثم تتناقلها الألسن حتى تكتسب، مع الزمن، هيئة الحقيقة؟ وكم من اتهام يبقى عالقاً في الذاكرة، فيما يظل الدليل غائباً.

وتعيدني الذاكرة إلى حكاية أخرى سمعتها من الشاعر محمد الماغوط، تتصل بأمسية خاصة أقامها نزار قباني في دمشق.

كان الماغوط مستاءً مما رآه اقتباساً من قصيدة له في ديوانه الفرح ليس مهنتي. ولا أذكر الآن العبارة التي نقلها عن نزار بحروفها، لكنني أذكر معناها كما استقر في ذاكرتي: أن الشاعر في دمشق ينبت له فم جديد فوق فمه.

يا لها من صورة ماغوطية بامتياز! فمٌ فوق فم، كأن المدينة لا تكتفي بما تمنحه لشاعرها من صوت، بل تمنحه صوتاً إضافياً يتكلم به، وربما يتكلم به غيره أيضاً.

كانت العبارة، كما أتذكرها، مشبعة بسخرية الماغوط، لكن وراء السخرية مرارة شاعر يعتقد أن شيئاً من صوته قد انتقل إلى قصيدة أخرى دون أن يُنسب إليه. ومع ذلك، لا أملك النص الذي يسمح لي بالحكم على الواقعة، ولا أريد أن أحوّل رواية شخصية إلى اتهام نهائي لنزار قباني.

فليس كل تشابه سرقة، وليس كل تأثر اعتداءً على ملكية شاعر.

الشعراء يتجاورون في اللغة، ويتبادلون الصور والإيقاعات والظلال، وقد يترك شاعر في شاعر آخر أثراً لا يزول. لكن السؤال يبدأ حين يصبح التشابه موضع شبهة، وحين يحتاج القارئ إلى أن يعرف أين ينتهي أثر السابق وأين تبدأ فرادة اللاحق.

ولعلّ سخرية الماغوط تذكّرنا بأن الشاعر، مهما بدا زاهداً في الأضواء، قد يكون شديد الحساسية تجاه صوته؛ فهو يقضي عمره في البحث عن نبرة تخصّه، ثم يؤلمه أن يسمع صداها في مكان آخر دون أن يعرف كيف وصلت إليه.

على الضفة المقابلة من هذه الحكايات، ثمة شهادة منشورة للشاعر سعدي يوسف عن أسعد الجبوري، في ملف لتكريم ” أسعد الجبوري” نشرته “جهة الشعر” بإشراف قاسم حداد، بتاريخ ٣ سبتمبر ٢٠١٢، متضمناً نصاً مؤرخاً في لندن في ٢٦ أبريل ٢٠١٢

يتحدث سعدي عن قصيدة الجبوري “نيويورك، أهذه عيون أم ملجأ لأيتام الملائكة ؟” ، ويقول إنها قصيدة أثيرة لديه. ثم يقارنها بتجربته الشخصية في نيويورك، حيث أقام فترة ليست قصيرة وكتب قصائد عن المدينة. لكنه يخلص إلى أن مأثرة الجبوري أهم، لأنه لم يكتفِ بتمثيل المدينة الواقعية، بل صعّدها إلى عالم من الوهم، ومنح هذا الوهم لحماً وعظماً.

ثم يذهب إلى وصف التجربة بقوله إن العراق السوريالي حظي بشاعر سوريالي.(ويقصد الجبوري طبعاً)

ما يلفتني في هذه الشهادة ليس مجرد إعجاب شاعر كبير بشاعر آخر، بل الطريقة التي صاغ بها إعجابه. لم يكتفِ سعدي يوسف بالثناء على الجبوري أو منحه لقباً أدبياً، وإنما حاول تفسير ما رآه إنجازاً في القصيدة: كيف تحررت نيويورك من حدود المكان الجغرافي لتصبح عالماً متخيلاً، وكيف غدت القصيدة أكبر من موضوعها المباشر.، وقد وجد سعدي يوسف أن مأثرة قصيدة الجبوري في هذا السياق، أهم من تجربته هو في الكتابة عن نيويورك. وهذا اعتراف نقدي له قيمته، لأنه يحدد موضع الإعجاب ويشرح أسبابه.

إن الاعتراف بإنجاز شاعر آخر لا ينتقص من قيمة الشاعر الذي يعترف به. بل ربما كان الإنصاف، حين يصدر عن شاعر يعرف مشقة الكتابة ويدرك حدود تجربته، علامة على الثقة بالنفس لا على التنازل عن المكانة.

إن إشادة سعدي يوسف بقصيدة أسعد الجبوري في نص منشور نستطيع الرجوع إليه وقراءة عباراته وتحليل موقف صاحبه في أي وقت.

ألا تفتح تلك الحكايات باباً أوسع للتفكير في المكانة الأدبية. لماذا نميل أحياناً إلى التعامل مع أسماء الشعراء الكبار بوصفها مراتب ثابتة لا يجوز المساس بها؟ ولماذا نتصور أن الاعتراف بفرادة شاعر أقل حضوراً ينتقص بالضرورة من شاعر أكثر شهرة؟

إن الشعر ليس سباقاً تُمنح ميدالياته مرة واحدة وإلى الأبد. وقد يكون لشاعر مشروع واسع ومؤثر، فيما ينجز شاعر آخر قصيدة استثنائية تتجاوز ما أنجزه الأول في موضوع محدد. وليس في ذلك تناقض… فالتجارب الأدبية لا تُختزل في ترتيب واحد، والقصائد لا تتساوى بالضرورة مع أصحابها في الشهرة والمكانة.

كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع عن الأسماء أو خصومة معها. لا يكفي أن نقول إن شاعراً كبيراً سرق، كما لا يكفي أن نردّ الاتهام لمجرد أن الشاعر متوّج بمكانة أدبية. علينا أن نقرأ، ونقارن، ونفحص اللغة والصورة والبنية والرؤية، ثم نترك للنصوص أن تقول ما تستطيع

ولعلّ هذه هي الخلاصة التي أخرج بها من الحكايات الثلاث: لا ينبغي أن نقدّس الأسماء، ولا أن ندينها بالشائعات؛ لا أن نجعل الشهرة دليلاً على التفوق، ولا أن نجعل الاتهام دليلاً على السرقة. بين الإعجاب والخصومة، بين التأثر والاقتباس، وبين المكانة والإنجاز، تظل القصيدة هي الشاهد الذي ينبغي أن نستمع إليه أولاً.

فالشاعر لا يُنصفه أن نرفعه فوق السؤال، ولا أن نضعه تحته؛ يُنصفه أن نقرأه كما هو، بما أنجزه فعلاً، لا بما نحب أن يكونه أو نخشى أن نكتشفه.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا