- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنون"حَكَم علينا الهوى" للروائية المغربية ربيعة ريحان : حين تصبح العاطفة مراة...

“حَكَم علينا الهوى” للروائية المغربية ربيعة ريحان : حين تصبح العاطفة مراة للمجتمع والذات.

قراءة في الرواية الجديدة للكاتبة المغربية ربيعة ريحان

ليست العاطفة في الأدب مجرد حكاية حب تبدأ باللقاء وتنتهي بالوصال أو الفراق؛ إنها، في كثير من الأحيان، مدخل إلى فهم الإنسان في علاقته بذاته وبالآخرين، وكاشف لما يختبئ خلف السلوك اليومي من رغبات ومخاوف وتناقضات. ومن هذا المنظور يمكن الاقتراب من رواية «حَكَم علينا الهوى» للكاتبة المغربية ربيعة ريحان، الصادرة سنة 2026 عن دار العين للنشر، بوصفها عملاً يتجاوز الموضوع العاطفي المباشر إلى مساءلة بعض البنى النفسية والاجتماعية التي تتحكم في اختيارات الإنسان ومصائره.

تستمد الرواية جانباً من أهميتها من اهتمامها بعالم المرأة المغربية، ومن اعتمادها على حكايات ثلاث صديقات: لينا وسوسن وسارة، التي تتولى السرد. ومن خلال هذه الشخصيات، تفتح الكاتبة نافذة على المجتمع، بعاداته وتقاليده، وعلى المسافة التي قد تفصل بين ما يرغب فيه الإنسان وما تسمح به البيئة المحيطة به. ويشير تقديم الناشر إلى أن الرواية لا تقدم النساء في صورة مثالية، ولا تجعل الرجل خصماً جاهزاً، بل تترك للقارئ مهمة التأمل وإصدار الأحكام.

1. العنوان: من سلطة الحب إلى سؤال الحرية

يحمل عنوان الرواية كثافة دلالية تستحق التوقف عندها. فالفعل «حَكَم» يستدعي القضاء والسلطة وإصدار الأحكام، بينما يحيل «الهوى» إلى العاطفة والميل والرغبة. وعندما يجتمع اللفظان، تتحول العاطفة من تجربة إنسانية يعيشها الفرد إلى قوة تبدو وكأنها تملك سلطة تقرير مصيره.

لكن من الذي يحكم على من؟ هل الإنسان هو الذي يختار الحب، أم أن الحب يفرض عليه مسارات لم يكن يتوقعها؟ وهل يمكن للعاطفة أن تكون مصدراً للتحرر، ثم تصبح في الوقت نفسه سبباً للاضطراب والألم؟

هذه الأسئلة تجعل العنوان أكثر من مجرد عبارة ذات نبرة وجدانية. إنه يضع القارئ أمام مفارقة إنسانية مألوفة: نعتقد أننا نختار بإرادتنا، ثم نكتشف أن اختياراتنا تتأثر بحاجات نفسية وتوقعات اجتماعية وصور مثالية نحملها عن الحب والحياة.

وتكتسب صيغة الجمع في «علينا» أهمية إضافية؛ فالهوى لا يبدو هنا شأناً فردياً معزولاً، بل تجربة تتعدد وجوهها بتعدد الشخصيات واختلاف مساراتها. ومن ثم يصبح السؤال متعلقاً بما يجمع التجارب الإنسانية، بقدر ما يتعلق بما يميز كل تجربة عن الأخرى.

2. ثلاث نساء وثلاثة مداخل إلى التجربة الإنسانية

يمنح حضور لينا وسوسن وسارة الرواية فرصة لتجاوز الصورة النمطية للمرأة بوصفها شخصية واحدة تتكرر في الحكايات العاطفية. فالنساء لا يتطابقن بالضرورة في الرغبات أو التصورات أو طرق التعامل مع العلاقات، حتى حين ينتمين إلى البيئة الاجتماعية نفسها.

ومن هنا، تبرز أهمية التعدد في بناء الشخصيات النسائية: إنه يسمح بالنظر إلى المرأة باعتبارها ذاتاً مستقلة، لها تاريخها النفسي وخياراتها ومواطن ضعفها وقوتها، لا مجرد ضحية للظروف أو رمزاً لقضية اجتماعية عامة.

كما أن تولي سارة مهمة السرد يفتح المجال لقراءة الأحداث من خلال وعي شخصية تنقل التجارب وتعيد ترتيبها بالكلمات. والسرد، في هذه الحالة، ليس نقلاً محايداً للوقائع فحسب؛ إنه أيضاً طريقة لفهمها وتأويلها، وربما لإعادة اكتشاف الذات عبر حكايات الآخرين.

ومع ذلك، فإن القيمة الأدبية لهذا التعدد لا تتحدد بمجرد وجود ثلاث شخصيات نسائية، بل بمدى نجاح الرواية في منح كل شخصية صوتاً خاصاً ومنطقاً نفسياً مقنعاً، وفي جعل الاختلاف بين تجاربها جزءاً من بناء العمل، لا مجرد وسيلة لتكثير الحكايات.

3.المرأة بين الرغبة والانتظارات الاجتماعية

من أبرز المداخل التي تتيحها الرواية التفكير في العلاقة بين الاختيار الفردي والضغوط الاجتماعية. فالإنسان لا يعيش رغباته في فراغ، وإنما داخل محيط يحدد، بدرجات متفاوتة، ما يُعد مقبولاً أو مرفوضاً، وما يُنظر إليه باعتباره نجاحاً أو إخفاقاً.

وتواجه المرأة، في مجتمعات كثيرة، تداخلاً بين ما تريده لنفسها وما ينتظره منها الآخرون. فقد تتعلق المسألة بالحب أو الزواج أو الاستقلال أو صورة المرأة المثالية في نظر الأسرة والمجتمع. وهكذا يمكن أن يتحول القرار الشخصي إلى تفاوض مستمر بين الرغبة الذاتية والواجبات المفروضة أو المتوارثة.

غير أن القراءة المتوازنة لا ينبغي أن تجعل المجتمع مسؤولاً عن كل ما يقع، ولا أن تختزل المرأة في موقع العجز. فالإنسان يشارك، بدرجات مختلفة، في صنع اختياراته، وقد يكون جزءاً من التناقض الذي يعيشه، سواء بسبب الخوف أو التردد أو التعلق أو سوء تقدير العواقب.

وتبدو أهمية المقاربة التي تقدمها ربيعة ريحان، وفق وصف الناشر، في ابتعادها عن توزيع الأدوار الأخلاقية بصورة مسبقة، بحيث لا يُختزل الرجل في موقع المتسلط، ولا تُمنح المرأة حصانة من الخطأ. فالأدب الذي يقترب من الحياة بصدق لا يحتاج إلى شخصيات ملائكية وأخرى شريرة؛ بل يحتاج إلى شخصيات يمكن فهم دوافعها، حتى عندما لا نتفق مع اختياراتها.

4. الكتابة الروائية بوصفها معرفة بالمجتمع

تندرج هذه الرواية ضمن مسار أدبي لربيعة ريحان يجمع بين القصة والرواية، بعد أعمال منها «طريق الغرام» و«الخالة أم هاني» و«بيتنا الكبير». وقد لاحظ الناقد أحمد المديني، في مقال نشره في يونيو 2026، اهتمام الكاتبة بالبيئة الاجتماعية والثقافة العميقة والمخيال الشعبي، ولا سيما في تمثيل العالم النسائي والمجتمع المحلي.

وفي هذا السياق، لا تكون التفاصيل الاجتماعية مجرد خلفية تتحرك الشخصيات أمامها، بل تصبح جزءاً من تكوينها ومن تفسير مواقفها. فالعادات والتصورات الموروثة واللغة المتداولة داخل المجتمع قد تكشف عن أشكال من السلطة لا تظهر دائماً في صورة أوامر مباشرة، لكنها تؤثر في طريقة فهم الفرد لنفسه وللآخر.

وتتوقف قدرة الرواية على تحويل هذه المادة الاجتماعية إلى أدب على مهارة الكتابة نفسها: بناء المشاهد، وإدارة الحوار، واختيار التفاصيل، والإيقاع السردي، والقدرة على ترك مسافة بين صوت المؤلف وأصوات الشخصيات. فالرواية ليست دراسة اجتماعية متنكرة في هيئة حكاية؛ إنها عمل فني يستمد من المجتمع مادته، ثم يعيد تشكيلها داخل عالم متخيل.

5. بين الحكم على الشخصيات وفهمها

تطرح الرواية، من خلال عنوانها وشخصياتها، سؤالاً أخلاقياً يتجاوز العلاقات العاطفية: هل يكفي أن نعرف ما فعله الإنسان لكي نحكم عليه، أم ينبغي أن نفهم أيضاً الظروف والدوافع التي قادته إلى فعله؟

لا يعني الفهم تبرير الأخطاء، كما أن رفض السلوك لا يستلزم إلغاء صاحبه أو اختزاله في خطأ واحد. وبين الحكم والفهم تتشكل مساحة الأدب الحقيقية؛ فهو لا يقدم دائماً إجابات نهائية، وإنما يجعل القارئ أكثر وعياً بتعقيد النفس البشرية.

ومن هنا، فإن الرواية التي تترك للقارئ مسؤولية الحكم على الشخصيات تتيح له أن يراجع أحكامه هو أيضاً. وقد يكتشف أن ما بدا له في البداية ضعفاً ليس إلا خوفاً، أو أن ما اعتبره حرية يخفي نوعاً من التعلق، أو أن ما ظنه تضحية نبيلة يحمل في داخله رغبة في الاعتراف والتقدير.

وتلك إحدى وظائف الأدب: أن يجعلنا نرى الإنسان في تعدده وتناقضه، لا في الصورة المبسطة التي نرسمها له.

خاتمة: الهوى ليس وحده صاحب الحكم

تتيح «حَكَم علينا الهوى» مدخلاً لقراءة الحب باعتباره تجربة شخصية واجتماعية في آن واحد، تتداخل فيها الرغبة مع الذاكرة، والاختيار مع التوقعات، والحرية مع المسؤولية. وتبرز أهمية هذا المدخل في اهتمام الرواية بتجارب نسائية متعددة، وفي ابتعادها، وفق المعطيات المتاحة، عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة والصور المثالية.

لكن العاطفة، مهما بلغت قوتها، لا تعمل وحدها؛ فالإنسان يشارك في صنع مصيره، حتى عندما يعجز عن التحكم في نتائجه. وربما تكمن المفارقة التي يثيرها العنوان في أن الهوى قد يبدو حاكماً، بينما تكشف التجربة الإنسانية أن أحكامه تتداخل مع أحكام المجتمع، ومخاوف الذات، وتصوراتها عن السعادة والاستحقاق.

وهكذا لا يعود السؤال: هل حكم علينا الهوى؟ بل يصبح: إلى أي حد نعرف أنفسنا ونحن نحب، وإلى أي حد نتحمل مسؤولية ما نختاره باسم الحب؟

إنها أسئلة تمنح الرواية أفقاً يتجاوز الحكاية العاطفية إلى التأمل في الإنسان، وفي المسافة الدقيقة بين ما نرغب فيه وما نستطيع أن نكونه.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا