- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونشاعرات حرائرـ نساء عربيات على جناح الشعر (منطق المحبة) عند الاميرة الشاعرة...

شاعرات حرائرـ نساء عربيات على جناح الشعر (منطق المحبة) عند الاميرة الشاعرة علية بنت المهدي.

عن كتابي (كشاف الأسلاف في التاريخ الثقافي العربي)

اهداء لروح السوسيولوجية المغربية و العربية الراحلة فاطمة المرنيسي .

أ . ليلى الدردوري*

عرفت المرأة العربية بقول الشعر سلسا فصيحا، بليغا في الجاهلية والإسلام، وعصربني أمية، وكان أمرا طبيعيا أن تنبغ شاعرات من بين نساء عصر بني العباس، وخصوصا وأن مجتمع العباسية من حيث الشعر ثري خصب، منتج معطاء، تفاعلت فيه معاني الشعر وموضوعاته وصوره وأساليبه، وخياله وشخوصه رجالا ونساء.

على أن أشهر الشاعرات العباسيات على الإطلاق الأمير (علية) ابنة الخليفة المهدي بن المنصور، وأخت من الأب للخليفة هارون الرشيد أشهر خلفاء بني العباس على الإطلاق وأخت لإبراهيم بن المهدي الذي ولي الخلافة في (بغداد ) لبعض الوقت حين خلع المأمون، أما أمها فكانت جارية مغنية إسمها (مكنونة)، اشتراها المهدي في حياة أبيه، فولدت له( علية) التي تعرف أحيانا بإسم العباسة.

لم تكن( علية) شاعرة فحسب وإنما كانت تجيد العزف وتحسن الغناء، وكان الرشيد يذهب لكي يطرب بالإستماع إليها تغني شعرا في مديحه من إنشائها وغنائها، أما أخوها إبراهيم فكان مثلها شاعرا عازفا مغنيا، يأخذ عنها الألحان ويرددها حتى إن الأصفهاني أورد في كتابه ( الأغاني) خبرا مفاده أنه ما اجتمع في الاسلام قط أخ وأخت أحسن غناء من ابراهيم بن المهدي وأخته( علية).

وكانت كذلك شاعرة رقيقة، وذكية واسعة الثقافة الشيء الذي يبدو جليا في شعرها مما كان منه في الغزل أو في أغراض أخرى على قلتها، وأكثر ما قالته من شعر قالته في الغزل والحب وأتت فيه بأفكار شتى، وطلعت على الناس منه بصور عديدة فيها حيلة ورقة ولطف وفكاهة ، ويروى أنها كانت فكهة مرحة شأن أكثر أصحاب الفنون، ولكنها كانت موجعة في هجائها مسرفة فيه مريرة في سبابها، فقد هجت جارية إسمها (طغيان) لوشاية قامت بها تجاه من تحب فقالت فيها شعرا اعتبره النقاد أقذع في الهجاء.

ثم لا تلبث الأميرة أن تعشق، وتفصح عن عواطف حبها، ولكنها تلوذ بالكتمان وتتسربل بالحياء، وتود السفر إلى بلد ناء بعيد بإسم الحبيب:

كتمت إسم الحبيب عن العباد

/ ورددت الصبابة في فؤادي

فوا شوقي إلى بلد خلـــــــي

/ لعلي باسم من أهوى أنادي

ويبدوالحب قد ملك عليها زمام أمرها، فأصبحت لا البعد يسليها، ولا القرب يشفيها، فراحت تفلسف الحب، وتجعل منه قضية منطقية ذات مقدمة ونتيجة ولكنها قضية تنم عن يأس ولوعه:

إذا كنت لا يسليك عمن تحبـــه

/ تناء و لايشفيك طول تلاق

فما أنت إلا مستعير حشاشـــة

/ لمهجة نفس آذنت بفــــراق

وتدلف الشاعرة الأميرة المحبة المثقفة إلى منعطفات فلسفية ذاتية، وتحاول أن تصبغ حالاته معها بصبغة الحكمة، فتقول هذا الشعر اللطيف الذي عمدت فيه إلى التظرف:

بني الحب على الجور فـــلــــــو

/ أنصف المعشوق فيه لسمج

ليس يستحسن في وصف الهوى

/ عاشق يحسن تأليف الحجج

لا تعيبن من محب ذلـــــــــــــــة

/ ذلة العاشق مفتاح الفـــــرج

وقليل الحب صرفا خالصـــــــــا

/ لك خير من كثير قد مـــزج

و(علية) ذكية فطنة، مثقفة ثقافة دينية فقهية، تستعمل المصطلحات الفقهية في شعر الغزل برشاقة، وأسلوب ينم عن نفس صافة عذبة وشاعرية خصبة تنثال عليها المعاني ميسرة الأسباب متى استدعتها، تشكو الحب وخطبه بهذا الأسلوب بالرائع الصوغ:

ليست الهوى بخطب يسير

/ ليس ينبيك عنه مثل خبير

ليس أمر الهوى يدير الرأ

/ ي ولا بالقياس والتفكـيــر

ويلح سلطان الحب على شاعرة بني العباس، فتشكو آلام الحب ولوعة النجوى شكوى صريحة بعيدة عن الاستتار، واصطناع الأقنعة الكلامية، وتحاول أن تجامل محبوبها بخلع صفات الجمال عليه، ولا تنسى نصيبها هي الأخرى من إطراء نفسها ترغيبا له وإثارة وإشفاقا فتقول بأسلوب يكاد يقترب من أسلوب الصوفية:

لم ينسيك سرور ولا حــــــــــزن

/ وكيف لاكيف ينسى وجهك الحسن

ولا خلا منك لا قلبي ولا جسـدي

/ كلي بكلك مشغول ومرتهــــــــــن

وحيدة الحسن مالي عنك مد كلفت

/ نفسي إلا الهم والحـــــــــــــــــزن

نور تولد من شمس ومن قمــــــــر

/ حتى تكامل فيه الروح والــبـــــدن

ويحدث تطور في شعر الغزل عند علية وهي تعلن حبها، وتفصح عن أنها تقول فيمن تحب شعرا، ولكنها تعمد إلى التورية، فتكني عنه باسم زينب، ولم تكن زينب هذه سوى غلامها (رشأ) الذي قالت فيه شعرا كثيرا:

وجد الفؤاد بزينبــــــا

/ وجدا شديد متعبــــــا

أصبحت من كلفي بها

/ أدعى سقيما منصبــــا

ولقد كنيت عن اسمـها

/ عمدا لكي لا تغضبـا

وجعلت زينب ستــرة

/ وكتمت أمرا معجبـا

ولم يكن (رشأ) الفتى الوحيد الذي استولى على قلب علية، بل هناك فتى آخر يصارع قلبها حبه إذ يروى أن علية كانت تحب (طل) حبا حقيقيا فبعض شعرها فيه شبيه بشعر العذريين، فقد تغزلت به في تورية ممزوجة بعذرية قائلة:

أيا سروة البستان طال تشوقـــــــي

/ فهل لي إلى (طل) لديك سبيـل

متى يلتقي من ليس يقضى خروجه

/ وليس لما يقضى إليه دخــــــول

عسى الله أن نرتاح من كربـــة لنـا

/ فيلقى اغتباطا خلة وخلـــــــــيل

ويدفع الشوق بالأميرة أن تغامر فتزور (طل) مخاطرة بنفسها:

قد كان ما كلفته زمنـــا

/ يا طلل من وجد بكم يكفــي

حتى أتيتك زائرا عجلا

/ أمشي على حتف إلى حتفي

وتنطلق علية في التغزل بطل، وكأنما جعلت من نفسها سادنة لفن الغزل وأساليب القول فيه، حتى رق أسلوبها وعذبت معانيها إلى غاية أن وصلت إلى مرتبة عليا في الحديث إلى العاشقين وحثهم على العشق قائلة:

تحبب فإن الحب داعية الحـــــــــب

/ وكم من بعيد الدار مستوجب القرب

تبصر فإن حدثت أن أخا هـــــــوى

/ نجاسا له فارح النجاة من الحـــــب

إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا

/ فأين حلاوات الرسائل والكـتــــب

إن المتأمل في شعر( علية )ينقاد إلى إطاره الأول من البيت السهل التركيب في القصيدة، أو المقطوعة الناعمة الإنشاد، وأكثر هذا الشعر لا يكاد يصدر عن عاطفة ولكنه صادر عن اصطناع للعاطفة، وابتداع للظرف، وأكثره شعر اجتماعي أو شعر مناسبات وهو أيضا شعر في نطاف أنوثتة الشاعرة سهل بسيط، ستتضح معالمة فيما بعد في الإطار الثاني من القصيدة النسائية العربية المتماسكة المصقولة ذات الموضوع والرونق والديباجة والإحكام، ولاشك أن هذه السمات الموضوعية والأسلوبية مرتبطة بطبيعة الفريق الثاني من الشاعرات الحرائر وبالموضوعات التي كن يعالجنها إذ ارتفعن إلى مستوى الأحداث والقضايا التي عايشنها ومنهن( الفارعة) بنت طريف الشيبانية و(ولادة المهزمية)، وتلحق بهما من الجواري من سلكن سبيل الحرائر وتندرج في نفس الإطار (سكن) جارية محمود الوراق، و(الخنساء) جارية هشام المكفوف، والواقع أنه لم يكن هناك مذهب واحد للشعر النسائي في المرحلة العباسية ولكن كان هناك مذهبان، مذهب الشاعرات الحرائر ومذهب الشاعرات القيـــــــان..

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا