أ. فدى ابو شقرا عطالله*
ما لم أجده بين الكتب…
الذهاب إلى معرض الكتاب حالة إدمان عندي، ومحطة استثنائية في علاقتي بالكتب وعشقي لها. لذلك، ورغم العوائق الاقتصادية والاجتماعية والصّحية، قصدتُه بشغف، كأنّني ألبّي موعدًا لا أريد أن أتخلّف عنه.
لم أذهب إليه بحثًا عن كتابٍ أُضيفه إلى مكتبتي فحسب، بل ذهبتُ بذاكرة قارئة، وبعين كاتبة تُدرك أنّ المعارض ليست مجرد عناوين تتراكم على رفوف أجنحة دور النشر، بل حياة واسعة تنبض بيني وبين الكتب.
لكنّني، حين بدأت أتجوّل في أروقة معرض بيروت العربي الدّولي للكتاب في «سي سايد أرينا»، شعرتُ بأن شيئًا ما ينقص المكان. لم تكن المسألة اختلافًا في التُرتيب أو توزيع المساحات فحسب، بل إحساسًا بأنّ المعرض الذي أعرفُهُ وأنتظُرهُ كل عام فَقَدَ شيئًا من روحه.
افتقدتُ دور نشر اعتدت لقاءها في هذا الموعد الثقافي، وتساءلتُ عن الكتب التي غابت بغيابها، وعن النوافذ التي كان يمكن أن تفتحها أمام القارئ، بما تحمله من معرفة واكتشاف ومتعة.
ثم جاءت الأسعار لتضيف إلى الخيبة وجهًا آخر. فالمسافة بين الرغبة في الشراء والقدرة عليه مؤلمة حقًا، ولا سيما في بلد أثقلت الأزمات كاهل أبنائه.
فكيف ندعو الناس إلى القراءة، ولا سيما جيلًا رسمت التكنولوجيا مسافة متزايدة بينه وبين الكتاب، ثم نجعل الكتاب بعيدًا عن متناوله؟
أدرك أن ارتفاع الأسعار ليس قرارًا منفصلًا عن واقع اقتصادي قاسٍ. لكن ذلك لا يعفينا من البحث عن وسائل تجعل الكتاب أقرب إلى القارئ.
أما ما افتقدته حقًا، فكان تلك الاستراحة التي اعتدناها مقهى ثقافيًا، وقلبًا نابضًا للمعرض؛ مساحة يجلس فيها روّاده، ويتبادلون النقاشات بحرّيّة، بعيدًا عن الندوات الرسمية ومواعيدها. فأنا أؤمن بأن كثيرًا من الأفكار لا تولد خلف منصّة، بل في حديث عفوي بين أشخاص جمعهم كتاب، أو سؤال، أو اختلاف في الرأي.
لهذا، لم يكن غياب تلك الاستراحة تفصيلًا عابرًا في نظري؛ فالاستراحة التي تجمع المثقفين ليست مساحة هامشية في المعرض، بل جزء من رسالته الثقافية.
وأكثر ما أثار استغرابي غياب آلية واضحة أمام الزائر للتعرّف إلى الكتب الأكثر مبيعًا. فالمبيعات ليست أرقامًا عابرة، بل نافذة على ذائقة القرّاء واهتماماتهم، ومؤشّر يمكن أن يفيد الكاتب والناشر في معرفة ما يلقى صدى لدى الجمهور.
بيروت التي أحببتها عاصمة للكتاب لا تحتاج إلى معرض يثبت وجوده بقدر ما تحتاج إلى معرض يجدّد معنى وجوده. تحتاج إلى مكان لا يكتفي بعرض الكتب، بل يساعدها على الوصول إلى الناس؛ ولا يكتفي بجمع المثقفين تحت سقف واحد، بل يمنحهم فسحة للقاء وتبادل الأفكار والخبرات.
فالمعرض، في جوهر رسالته الثقافية، ليس سوقًا لشراء الكتب فحسب، بل مساحة تتقاطع فيها المعرفة مع الحوار، وتلتقي فيها العقول، وتتجدد فيها الأفكار.
ذلك ما كنت أرجوه من المعرض، وذلك بعض ما افتقدته فيه.
ومع ذلك، لا أريد لخيبة هذه الزيارة أن تحجب عني وجهًا آخر للمشهد. فانعقاد معرض الكتاب في بيروت، وسط الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي نعيشها، يظلّ شكلًا من أشكال المقاومة الثقافية، وإصرارًا على إبقاء منبر بيروت الفكري حيًّا. لكن المقاومة الثقافية لا تعني الاكتفاء باستمرار الحدث؛ إنها تعني أيضًا تطويره.
فخرجت من المعرض – الذي دخلته بشغف – وفي داخلي خيبة،
لأننا حين نحبّ مكانًا ثقافيًا، لا نكتفي بأن يبقى قائمًا؛ نريده أن ينمو، وأن يتجدّد، وأن يحافظ على روحه.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقدّمه معرض الكتاب لبيروت ليس أن يفتح أبوابه كل عام فحسب، بل أن يجعلنا نخرج منها ونحن أكثر قربًا من الكتاب، ومن بعضنا بعضًا، ومن حياة ما زالت الكلمات قادرة على منحنا إياها.

معرض الكتاب في بيروت، معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، القراءة، الكتاب، الثقافة اللبنانية، دور النشر، أزمة الكتاب، المثقفون، صناعة النشر، بيروت عاصمة الثقافة، الحوار الثقافي، مستقبل القراءة،


