اسعدالجبوري شاعر وروائي وصحافي من العراق
لم ننتظره في ساحة السلاحف الأثرية طويلاً ،إذ سرعان ما هبطت مروحية هيليكوبتر على مقربة من نافورة العطور ،ليقفز منها الشاعر العباسي أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الملقب بابن الرومي وهو يحمل حيواناً صغيراً يُسمى بـ ((الربث)) شبيهاً بجَرْو أحمر .
نزلَ الشاعرُ ضاحكاً .وبعدَ أن قام بمصافحتنا ،أشار لفتاةٍ كانت تنتظره معنا ،كي تُمهد الطريق للمبنى الغامض الذي وصلنا إليه من أجل هذا الحوار.
جلسنا متقابلين إلى طاولة من المرمر ونحن نتداول أوضاع الغائبين السماويين عن تراب الأرض وغاباتها وآلامها.إلا أن استعراض الذكريات لم يكن في محله،ربما لأن ابن الرومي لا يريد العودة إلى مفقوداته القديم.
قلنا له لندخل بصُلْب الحوار.فسألناه:
س:ما الذي كان يُثير بالأنّفس في العراق يا أبا الحسن ؟
ج/ قرصُ الشمس حين يتوسط الجسر الواصل ما بين الرصافة والكرخ.
س:كأنك كنت ترى شمساً بأقدام تمشي على جسور يا ابن الرومي؟!
ج/وهو عين الصواب .فأنا رأيت النورَ يمشي في الجسد وخارجه. ومثلما بغداد حارّة ومشرقة،مثلما هي الأجساد خزائن حرارة.
س:وما نفع الحرّ برأيك يا ابن الرومي؟
ج/كانت حرارة الشمس باباً للتطهير وباباً لطرد الجليد من الأفئدة وباباً للقراءة والكتابة أيضاً.أنا رأيت مثلما أنا أدركت لعبة الشمس في نسيج الحروف.
س: كيف ؟!
ج/ لقد أدركتُ مبكراً أن الشعر لا ينمو إلا تحت النور الحارّ.وفي كلّ كلمةٍ مرأةٌ تستظهر شبكات اللغة وترسلها إلى المخيّلة.
س:كيف كانت طفولتك يا أبا الحسن؟
ج/كانت قطعة لحمٍ مُتبلّة بالفلفل الحار مع طبقة من الشحم الشبيهة بما تملكهُ أجساد البجع .
س:تعني إن طفولتك كانت مُحصّنةً من البرود ومشتقاه .أليس كذلك ؟
ج/في البدء، لم تكن طفولتي بارعةً لا باللعب لا بالسلوى . إلا أن شيئاً سرعان ما أخذ بالتسرّب لرأسي لتكون نفسي موزونةً بالموسيقى ومشغوفةً بالكثير من الأعمدة والقوافي حتى بَلغتُ التخمةَ في جسدي .
س:أتعرفُ متى ولدتَ يا أبا الحسن ؟
ج/أنا من مواليد الضباب يوم كان بياضهُ مُشتَقاً من ألوان الليل.
س:وهل لليل ألوانٌ يشتقُ بعضها عن البعض الآخر؟
ج/بالتأكيد.فساعات الليل الـ 12 تبدأ بالشفق ثم الغسق فالعتمة فالسدفة فالفحمة فالزلة فالزلفة فالبهرة فالسحر فالفجر فالصبح بظهور ضوء النهار.وأنا ولدتُ في ساعة الفحمة شديدة السواد بالضبط .
س:كأنكَ اعتبرتَ الليلَ مادةً مقدّسةً لا ظاهرة طبيعية ،لتحظى بكلّ هذه الأسماء عند العرب.أليس كذلك يا ابن الرومي؟
ج/أنا عشتهُ قبراً من مادة الوجع القيري – الإسفلتي .حاولتُ كسر ظلامه بالشعر،ولم تنج اللغةُ من الاختناق بموجات من حبره الأسود ولا من دم ذلك الألم الذي يصنعُ شعراً.
س:ومتى أدركت غياب ضوء الشمس كان بسبب دوران الأرض حول محورها،هو الذي جعلك تدور بالشعر حول جثث الأحبة دون أن يتوقف الليل عن ابتلاع الآخرين.
ج/ أنا لم أجنِ على الليل يومياً كما ظلامهُ على نفسي جنى بقسوة تخطت حدود الدرجة القصوى من درجات ريختر .مما حطم روحي بزلازل إبادة السلسلة الوراثية،حيث لا يرث المرء من الجحيم إلا الذروة،ولا يورّث لأهل الأرض إلا العدم بعدما دارت الدنيا بدورانها حول الأرض ،لتتحوّل سني العمر إلى خرائب ورثتُ عنها ضياع أملاكي يوم احتراق ضيعتي، وكذا يوم أتى الجراد ليقضي على كل ما زرعته في تلك التراب ،وذاك قبل أن تحطّ على بيتي أجنحةُ الموت ليقبض على الشجرة العائلية بأغصانها واحداً تلو الآخر،فرحل عني إذاك والدي والدتي ثم الأخ الأكبر والخالة والزوجة والأولاد الثلاثة
س:ألا تعتقد بأن الليل مجموعة ذرّات لتكوين الجنس؟
ج/ كنت أعرف محركات تلك الذرّات قبيل ظهور رموز الوسامة والمكر والذكاء والإغواء والجرأة من أمثال عدي بن ربيعة التغلبي، المعروف بـ المهلهل أو الزير سالم.أو جياكومو كازانوفا أو دون جوان الذي قدمه الكاتب تيرسو دي مولينا كزير نساء في تلك المسرحية التي كتبها في عام 1616 .
س:كنت تعرفها في المعاجم أم في شوارع العراق وقصباته يا ابن الرومي؟
ج/عرفتها باللغة أولاً.فاللغاتُ شبيهةٌ بالنساء .منهنّ من تَلِدُ وتحبلُ بالزنا، ومنهنّ بالزواج الشرعي. والزيجات عند العرب تتكاثر مثل نكاح الصداق – نكاح البعولة. نكاح الضَيزَن أو المقت .نكاح البدل. نكاح الشِغَار. نكاح الظعبنة. نكاح الرهط .نكاح الإستبضاع .نكاح الرايات.نكاح المضامدة.نكاح الخدن.نكاح المساهاة.نكاح الأكفاء.نكاح المتعة والمسيار.ولكلّ نكاح أكثر من زير.
س:ألا تعتقد بوجود كيمياء شديدة القوة والربط ما بين الليل والجنس؟
ج/ تماماً. هناك الانسجام البيولوجي مضافاً إليه البعد السيكولوجي ما بين الاثنين.فالليلُ كان ولا يزال بمثابة تلك الثياب الحاجبة للُحوم ،فيما الجنسُ هو المضخة الأولى للجسد الذي لا يعمل دون نزع تلك الأغطية ليفيض بالشّهوات كما كان حال نكاح الجواري والبغايا في جزيرة العرب أيام الجاهلية ومن ثم في العصور التي أعقبت الجاهلية ذاتها .
س:وأين كان قلبك أنتَ يا أبن الرومي مما كان يجري في عالم الغرائز إذاك؟
ج/كان قلبي مُظلماً .
س:كليلٍ ثملٍ بعتمتهِ مثلاً ؟!
ج/ لا مظلماً كعُشّ تكلّل بحُطام العيدان التي جمّعتها الغربان على وقع أنغام الخفافيش ذات الدموع الشبيهة بالحبر الصيني.
س:أكنت تعيشُ حَال طّائر أم وضع شجرةٍ؟
ج/كنتُ أحجزُ المقعد الأمامي للألم في الشعر .وأكتب المراثي.
س:هل تعتبر الشعرَ من التبعيات المأساوية؟
ج/بل وأكثر من ذلك بكثير.أنا أدركتُ العجينة التي يُصنع منها الشعرُ الجحيمَ وملحقاته .
س:لمَ الإصرار على ربط الشعر بالنّار والجحيم يا أبا الحسن الرومي؟!
ج/ربما الشعراء هم أعظم أحطاب جهنم عند الله.
س:أتقصد بتلك الأحطاب ألسنة الشعراء وقصائدهم التي تقدمتها أنت بما قلته من رثاء مُزلزلٍ يوم وفاة أحد أبنائك:
بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي
فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي
بُنَيَّ الذي أهْـدَتْهُ كَفَّـأيَ للثَّرَى
فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرةالمُهدِي
ألا قاتَل اللَّه المنايا ورَمْيَـها
من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
تَوَخَّى حِمَامُ المـوتِ أوْسَـطَ صبْيَتي
فلله كيفَ أخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ
على حينََ شمْتُ الخيْـرَ من لَمَحَـاتِهِ
وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ
طَوَاهُ الـرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ
بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ
لقد أنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَها
وأخْلَفَتِ الآمالُ ما كان من وعْدِ
لقَد قلَّ بين المهْد واللَّـحْد لُبْثُهُ
فلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ
ج/بالتمام .أنا قصدتُ الألسن التي تنطقُ بروقاً والقصائد حين تفشل فرقُ المطافئ عن السيطرة على حرائق المدح والهجاء والفخر والرثاء.كنت ممن يكتبُ بالجمرات محاولاً نشر روائح حرائق جسدي إلى خارج حواسي التي سرعان ما تناوبَ على زيارتها الموتُ دون استراحة أو أخذ قيلولة .
س:أتعلمُ ما الذي قاله عنه الأديب المصري طه حسين: «نحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، ولم يكن محبباً إلى الناس، وإنما كان مبغضاً إليهم، وكان مُحسداً أيضاً، ولم يكن أمره مقصوراً على سوء حظه، بل ربما كان سوء طبيعته، فقد كان حاد المزاج، مضطربه، معتل الطبع، ضعيف الأعصاب، حاد الحس جداً، يكاد يبلغ من ذلك الإسراف»
ج/ ما قاله عني الكاتبُ طه حسين، يشبه تقريراً طبياً عن شاعر بنفسية مُسرفة بالاضطراب.ولم أكن على تلك الشاكلة إلا حين أوظفُ نفسي فاتحاً للمعاجم وأدخلُ بمجرى العصب اللغوي لأنتج هذه القصيدة أو تلك.ومثلما يدركُ الضريرُ أهمية تلمس الضوء،مثلما عشتُ أنا ما بعد حذافير الوجع كمتخمٍ بالعذاب الروحي نتيجة تلك الافتقادات.
س:هل كانت القصائدُ تراكَ في أحزانكَ ؟
ج/ربما كان الموتُ وحدهُ مُعجباً بما كتبته من تلك المراثي.فأعين القصائد رادارات كما أدركت ذلك مبكراً.
س:ألم تشعر بالموتِ حاسداً لكَ على بناء تلك المراثي العظيمة ؟
ج/ربما. فكلّ رثاء هو بالأصل مديحُ لقدرته الإلغائية لأرواح الناس باختطاف الأحبة ودفع أجسادهم إلى محفظة التراب.
س:والأرواح.أين تذهب؟
ج/يأخذها الموتُ للملاهي التي يُديرها في أندية ما بعد الفراديس.
س:ما رؤيتك للأثر والتأثير في الشعر يا ابن الرومي؟
ج/ نحن قبائل تنهّبُ بعضُها البعضَ الآخر. وكلّ من يفرض سيطرته على مساحة من الأرض أوسع،يحقُ له ترك آثار نعاله على جلود الآخرين كمُؤثرٍ وصاحب بصمة.
س:كيف كنتَ بالحبّ يا أبا الحسن الرومي؟
ج/سبق لي وأن عشتُ العاطفة فقط.وكانت أقلّ بلوى من الحب .
س:أكنتَ تجدُ قرقاً ما بين العاطفة والحب ؟!
ج/بالضبط.الحبُ ماءٌ يجري بنهر يأخذُ اسم العاطفة،ولكنه لا يجاري المياه بفيضاناتها ولا التربة يوم يضربها التصحّر وتموت جفافاً.
س:كيف يهندسُ الشعراءُ الأنّفسَ بالحب ؟
ج/هم يفعلون ذلك لحظة امتلاء الذوات بحشرجات الغرام كي يستمدّ الحبُ قوة النفخ بأحطاب الشعر تأجيجاً للنيران. وهكذا تكتمل صورةُ الحبّ كوريث للشمس وللرماد على حدّ سواء.
س:من أين أستمدّ شعراء العصر العباسي القوة في السبك والمتانة باستحضار المعاني والتفاني بالتنافس .
ج/كنا عصر الانفتاح الذهبي على معارف الدنيا الحضارية.فقد أقام سيدنا المنصور والرشيد ومن بعده المأمون الجسورَ مع الحضارات اليونانية، الفارسية، الهندية، والسريانية لنقل المعارف إلى العربية حتى صارت بغداد بوتقةً لترجمة العلوم والفلسفات والآداب وإلى يوم تأسيس بيت الحكمة ببغداد.
س:أكان ابن الرومي الأقرب إلى العقل من القلب؟
ج/لا أعرف بالضبط.ذلك لأنني فاقد للتوازن ما بين الجهازين،فتارةً أرى عقلي ينهب لحمي ركضاً بقلبي وكأنه صحراء،وفي أحايين أخرى أشعر بأن قلبي حفرة تصلح للدفن فقط .
س:ألم يخطر على بالك يوماً مراجعة عيادة سيغمون فرويد.فربما كان هو الأصلح ترياقاً لاضطراباتك يا ابن الرومي وأحزانه .أليس كذلك؟
ج/أنا بحثتُ عنه في السماء الرابعة،ووجدته يجلس على الرصيف بائعاً لكتبه الجنسية ولأدويةٍ تخصّ من تنقصهم قوة التقدير.جلستُ إليه كائناً يواسي مخلوقاً لم يكفّ عقله عن معالجة الشياطين هناك.
س:هل كتبت شعراً بعد الموت.وما القصيدة التي تحضرك الآن؟
ج/كتبت قصيدة بالنثر:
أمسكتُ بالليل في نفسي.
كنتُ غابة مُتفحمّة بالضبط،
إلا أن الغيوم المُدلَهِمّة ناراً وظلاماً
سرعان انطفأت بالعينين وأنا على ظهر ديناصور إعادته اللغةُ للتداول على السطور.
وما بين أبراج الرماد وأسد بابل ،
سمعتُ أغنيةً عراقية،
فنزلتُ عن الديناصور لأمشي بجنازة
العاشق المسجى على ذلك السلّم الموسيقي
قبل أن أفتح حنجرة المطرب المحروق قبراً ،
وأدفنُ قلبي بتراب الصوت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمحة
أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ العَبَّاسِ بْنُ جَرِيْجٍ، وقيل جُورجِيْسُ المعروف بِابْنِ الرُّوْمِيِّ شَاعِرٌ من شُعَرَاءِ القرن الثالث الهجري في العَصْرِ العَبَّاسِيِّ. ويكيبيديا
تاريخ ومكان الميلاد
21 يونيو 836 م، بغداد، العراق
تاريخ ومكان الوفاة
13 يوليو 896 م (العمر 60 سنة)، بغداد، العراق

اسعدالجبوري شاعر وروائي وصحافي من العراق
ح


