- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونوطن الروح: حين تصبح الكتابة جسراً بين الأرواح

وطن الروح: حين تصبح الكتابة جسراً بين الأرواح

أ. لطيفة لبريز

ليست الكتابة مجرّد كلمات نودعها الورق، بل مساحة تستعيد فيها الروح علاقتها بذاتها، وتتحوّل فيها التجارب الشخصية إلى مشاعر إنسانية يتقاسمها الآخرون. في نصّها «وطن الروح»، تأخذنا الشاعرة لطيفة لبريز في تأمل أدبي عميق حول الكتابة والذاكرة والألم، وقدرة الكلمة الصادقة على بناء جسور خفية بين الأرواح، حيث يجد الإنسان في حكاية الآخر صدى لمشاعره وتجربته الخاصة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم أكن أبحث عن وطنٍ آخر حين بدأت أكتب، بل عن مكان لا أضطر فيه إلى شرح نفسي كلما عجز الآخرون عن فهم ما أشعر به. مكان أستطيع فيه أن أكون على حقيقتي، دون أن أرتّب حزني كي يبدو مقبولاً، أو أخفي ارتباكي خلف إجابات عابرة. وربما لهذا صارت الكتابة، مع الوقت، وطناً ألوذ به، لا هرباً من العالم، بل لأعود إليه دون أن أفقد نفسي.

في أعماقنا حكايات لا تتّسع لها الأحاديث اليومية، وذكريات تبدو عابرة للآخرين، لكنها تترك فينا أثراً لا يمحوه الزمن بسهولة. وحين أمسك القلم، أكتشف أنّني لا أكتب دائماً ما أعرفه، بل ما أحاول فهمه. أبدأ باستعادة ذكرى، فأجدني أمام حقيقة غابت عني، وأكتب عن غياب، فأكتشف أنّني أبحث عن الجزء الذي تركه الراحلون في داخلي.

فالكتابة لا تغيّر ما حدث، لكنها تغيّر علاقتنا به؛ تمنح التجربة الغامضة ملامح، وتساعدنا على فهم ما عجزنا عن احتماله، وتتيح لنا أن ننظر إلى الماضي دون أن نظل أسرى له. إنها ليست إنكاراً للألم، بل محاولة لفهمه، حتى لا يصبح فصلاً واحداً يختصر حكايتنا كلها.

لكن ما يبدأ في داخلنا لا يبقى حبيسنا دائماً. فقد أكتب عن خيبة تخصّني، فيجد قارئ بعيد بين سطوري صدى خيبته، أو أستعيد لحظة عشتها، فتوقظ في إنسان لا أعرفه ذكرى ظنّ أنّه تجاوزها. وهنا أكتشف أنّ التجربة الشخصية، حين تُصاغ بصدق، تستطيع أن تتجاوز حدود صاحبها، وأن تجعل من الكلمات لقاءً بين أرواح لم تجمعها الطرق.

ولعلّ هذا سرّ بقاء الأدب عبر الأزمنة: أن يجد الإنسان نفسه في حكاية لم يعشها، وأن تصله مشاعر كاتب لم يلتقِ به قط. ففي شعر محمود درويش، تتجاوز الأرض حدود الجغرافيا لتصبح ذاكرة وهوية وحلماً بالحياة، وفي عوالم جبران خليل جبران، تتّسع الأسئلة حول الحب والحرية والروح. لم يمنح هؤلاء أعمالهم البقاء بجمال العبارة وحده، بل بقدرتهم على تحويل التجربة الخاصة إلى معنى إنساني يتجدّد مع كل قارئ.

غير أنّ صدق الشعور لا يكفي وحده لصناعة الأدب؛ فليس كل جرح قصيدة، ولا كل دمعة صورة بليغة. يحتاج الكاتب إلى أن يعيد تشكيل تجربته، وأن يمنحها لغة دقيقة ورؤية تتجاوز الانفعال العابر. فالكتابة ليست تفريغاً للمشاعر فحسب، بل مسؤولية تجاه المعنى، وتجاه القارئ الذي يمنح النصّ جزءاً من وقته ووجدانه.

لا أريد للكلمات أن تكون جميلة فحسب، بل أن تحمل ما يستحق التأمل، وأن تترك في النفس أثراً يتجاوز لحظة القراءة. ولا أؤمن بأن قيمة النصّ تُقاس بطوله أو بضجيج انتشاره؛ فالكلمات التي لا تضيف معنى تثقل الفكرة، والعبارات التي تُكتب طلباً للإعجاب قد تفقد صدقها. أمّا النصّ الحقيقي، فهو الذي يمنح كل فكرة حقّها، ويترك للقارئ مساحة ليرى الحياة من زاوية جديدة.

ومع الوقت، أدركت أنّ الكتابة لا تساعدني على فهم نفسي وحدها، بل تعلّمني أيضاً كيف أنظر إلى الآخرين بقدر أكبر من الرحمة. فكل إنسان يحمل حكاية لا تظهر كاملة على وجهه، ووجعاً قد لا يجد له لغة، وأحلاماً لا يعرف كيف يحميها من قسوة الواقع. وربما لهذا ينبغي للكلمة أن تكون جسراً للفهم، لا وسيلة لإصدار الأحكام؛ وأن تمنح الإنسان فرصة ليرى كما هو، لا كما نريد له أن يكون.

وهكذا يصبح وطن الروح أكثر من ملاذ نختبئ فيه؛ يصبح مساحة نلتقي فيها بأنفسنا، ثم نفتح أبوابها للآخرين. نكتب حكاياتنا لأنّها تخصّنا، لكننا لا نعرف دائماً إلى أيّ قلب ستصل، ولا أيّ غريب سيجد فيها شيئاً يشبهه. وربما لا نعرف أبداً الأثر الذي تركته كلماتنا، غير أنّ غياب المعرفة لا ينفي إمكان اللقاء.

وطن الروح، في النهاية، هو أن أكتب بصدق يكفي لأن أعثر على نفسي، وبإنسانية تكفي لأن يجدني الآخرون. أن أروي حكاية تخصّني، فتجد فيها روح بعيدة صدى حكايتها، وأن أترك بين السطور ما يساعد إنساناً لا أعرفه على فهم شعور عجز طويلاً عن تسميته.

فقد لا نلتقي، وقد تفصل بيننا البلدان والأزمنة، لكن كلمة صادقة تستطيع أن تمنح المسافة معنى آخر، وأن تجعل الغريب أقلّ غربة عن نفسه. وعندها أفهم أنّ الكتابة ليست ما نتركه على الورق فحسب، بل ما نوقظه في الآخرين من حياة.


الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا