لا تكمن أزمة الحكم في إسرائيل في كثرة الانتخابات أو قصر عمر الحكومات فحسب، بل في طبيعة العلاقة بين النظام الانتخابي وتركيبة المجتمع الذي يعمل داخله. فالنظام الذي أتاح تمثيلا واسعا لمختلف التيارات والجماعات، لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا التعدد إلى شراكة سياسية مستقرة أو أغلبية قادرة على الحكم. وهنا تكمن المفارقة: قدرة واسعة على تمثيل المجتمع، تقابلها صعوبة متزايدة في إدارته.
يقوم النظام الانتخابي الإسرائيلي على التمثيل النسبي، حيث تتوزع مقاعد الكنيست وفقا لنسبة الأصوات التي تحصل عليها القوائم الحزبية في دائرة انتخابية وطنية واحدة. وقد أتاح ذلك حضورا برلمانيا لمختلف التيارات والمكونات، لكنه اكتسب وجها أكثر تعقيدا داخل مجتمع تتداخل فيه الانقسامات الدينية والقومية والإثنية والأيديولوجية والاجتماعية.
فالمجتمع الإسرائيلي ليس كتلة متجانسة، بل يتوزع على خطوط انقسام متعددة: بين المتدينين والعلمانيين، واليمين واليسار، واليهود والعرب، والأشكناز والشرقيين، فضلا عن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والخلافات حول هوية الدولة وطبيعة مؤسساتها ومستقبلها. وهذه ليست مجرد اختلافات في البرامج والأولويات، بل تصورات متباينة بشأن الدولة التي يريدها كل طرف وموقعه فيها.
لا يخلق النظام الانتخابي هذه الانقسامات، فهي أعمق من قواعد التصويت وأسبق منها، لكنه يوفر لها قنوات مؤسسية تحولها إلى قوى حزبية مستقلة. فبدلا من أن تتجه التيارات المختلفة إلى الاندماج في أحزاب واسعة تسعى إلى مخاطبة شرائح اجتماعية متعددة، يتيح التمثيل النسبي لكل تيار الاحتفاظ بخصوصيته وقاعدته الانتخابية. ومع الوقت، تتراجع الحوافز لبناء أحزاب جامعة وعابرة للانقسامات، وتزداد جاذبية الأحزاب التي تستمد قوتها من تمثيل جماعة أو هوية محددة.
وتكمن المشكلة الأعمق في أن النظام لا يكتفي باستيعاب الانقسامات القائمة، بل قد يوفر حوافز لإعادة إنتاجها. فالحزب الذي يستمد قوته من تمثيل جماعة بعينها لا يجد دائما مصلحة انتخابية في تجاوز حدودها، بل قد يصبح الحفاظ على خصوصيتها وتعزيز شعورها بالاختلاف جزءا من شروط بقائه. وهكذا تتحول الانقسامات الاجتماعية إلى قواعد انتخابية، والقواعد الانتخابية إلى مصالح حزبية، والمصالح الحزبية إلى قيود على قدرة الدولة على بناء سياسات تتجاوز الجماعات المكونة لها.
وتظهر المفارقة في أن البرلمان يستطيع عكس تعددية المجتمع، لكنه لا يستطيع بالضرورة تحويلها إلى أغلبية متماسكة. فنجاح الجماعات في إيصال ممثليها إلى الكنيست لا يعني اتفاقها على مشروع مشترك. فالتمثيل يجيب عن سؤال من يصل إلى البرلمان، لكنه لا يضمن الإجابة عن السؤال الأهم: من يستطيع الحكم واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته؟
وتزداد الفجوة حين تصبح الأحزاب الصغيرة حاسمة في تشكيل الحكومات. فالحزب الذي يمتلك عددا محدودا من المقاعد قد يتحول إلى شريك لا يمكن الاستغناء عنه لاستكمال الأغلبية، فتتجاوز قدرته على التأثير حجمه الانتخابي. ويجد رئيس الحكومة نفسه مضطرا إلى مراعاة مطالبه حتى عندما تتعارض مع اعتبارات أوسع تتعلق بمصلحة الدولة واستقرار سياساتها. وبذلك تتشكل الحكومات أحيانا حول تفاهمات مؤقتة بين أطراف لا يجمعها تصور مشترك بقدر ما يجمعها الاتفاق على الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.
هذا هو جوهر الحكم الزئبقي: حكومة تتشكل بصعوبة وتظل معرضة للتفكك، لأن استمرارها يعتمد على توازنات متغيرة بين مكوناتها أكثر مما يعتمد على مشروع سياسي متماسك. وتصبح المحافظة على الائتلاف أولوية يومية، فيما تتراجع القدرة على التخطيط بعيد المدى واتخاذ القرارات الاستراتيجية.
وقد كشفت الانتخابات الأخيرة وجها إضافيا لهذه الأزمة. فالأحزاب العربية، التي حصلت مجتمعة على 19 مقعدا، أصبحت قوة حاسمة في حسابات تشكيل الحكومة، بعد حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدا والمعارضة على 48، من دون أن يتمكن أي منهما من بلوغ الأغلبية المطلوبة. وهكذا انتقل التمثيل العربي من موقع الحضور البرلماني إلى موقع التأثير المباشر في معادلة الحكم.
لكن هذه النتيجة كشفت أيضا الفجوة بين الوزن الانتخابي والاعتراف بالشراكة السياسية. فالأحزاب العربية تستطيع ترجيح كفة الأغلبية حسابيا، لكن ذلك لا يعني أن القوى اليهودية مستعدة لقبولها شريكا في تشكيل الحكومة. وهنا تظهر مفارقة النظام بصورة أكثر وضوحا: أحزاب صغيرة تستطيع تحويل مقاعدها إلى نفوذ حكومي، بينما تواجه الأحزاب العربية، رغم ثقلها الانتخابي، حدودا سياسية على تحويل أصواتها إلى مشاركة في السلطة. فالمشكلة لم تعد فقط في تجزئة التمثيل، بل في تحديد من يحق له أن يكون شريكا في الحكم.
ولا تلغي هذه النتيجة الخلافات داخل الأحزاب العربية أو تباين مواقفها من المشاركة السياسية، لكنها تضع النظام أمام اختبار يتجاوز الحسابات الانتخابية: هل يمكن أن يتحول التمثيل العربي إلى شراكة فعلية في صنع القرار، أم سيظل تأثيره مقبولا عند الحاجة إلى أصواته ومرفوضا عند تقاسم السلطة؟
ولا تقف آثار هذه البنية عند تشكيل الحكومات، بل تمتد إلى القضايا التي تتطلب قرارات تاريخية تتجاوز الحسابات الحزبية. وتبدو عملية السلام مع الفلسطينيين مثالا واضحا على ذلك. فالتسوية تحتاج إلى قيادة تمتلك تفويضا واسعا وأغلبية قادرة على تحمل كلفة القرارات الصعبة وضمان استمرار الالتزام بها. لكن الائتلافات الهشة تجعل أي تحرك نحو التسوية عرضة لمواقف الأحزاب التي قد تهدد بقاء الحكومة إذا تعارضت القرارات مع تصوراتها ومصالحها. وهكذا تتحول التسوية من خيار استراتيجي يتعلق بمستقبل الدولة والمنطقة إلى مخاطرة ائتلافية قد تهدد استمرار الحكم نفسه.
ولا يعني ذلك أن النظام الانتخابي هو سبب تعثر السلام، فهناك عوامل أيديولوجية واستيطانية وأمنية وتاريخية عميقة، لكنه يوفر لهذه المواقف قنوات مؤسسية مؤثرة، ويزيد كلفة تجاوزها. فالقيادة التي تخشى فقدان أغلبيتها تجد صعوبة في اتخاذ قرارات طويلة الأمد، حتى عندما تتجاوز ضرورتها حسابات الائتلاف الآني.
أما الأثر الأعمق فيظهر داخل المجتمع نفسه. فحين تصبح الجماعة الدينية أو القومية أو الأيديولوجية الإطار الأساسي لحماية المصالح والحصول على النفوذ، تتراجع الحاجة إلى بناء مساحات مشتركة، ويتحول التنافس السياسي إلى تنافس بين مكونات المجتمع على تعريف الدولة ومؤسساتها ومواردها. وتبرز هذه الأزمة في الخلافات حول الخدمة العسكرية وتوزيع الأعباء، والعلاقة بين الدين والدولة، وصلاحيات المؤسسات القضائية، ومكانة المواطنين العرب. فلم تعد هذه مجرد خلافات بين أحزاب، بل أصبحت تعبيرا عن تصورات متباينة بشأن طبيعة الدولة وشروط الشراكة فيها.
وهكذا تنشأ دائرة يعيد فيها النظام إنتاج الانقسام الذي نشأ في ظله: الانقسامات الاجتماعية تفرز أحزابا أكثر ارتباطا بهويات محددة، وهذه الأحزاب تزيد تجزئة التمثيل وتنتج ائتلافات هشة، ثم تؤدي صعوبة الحكم وتعطل القرارات إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات المشتركة، فتزداد الجماعات تمسكا بقواها الحزبية الخاصة. ومع تكرار هذه الدورة، يصبح الانقسام جزءا من آليات عمل السياسة، لا مجرد واقع اجتماعي تتعامل معه.
ولا يعني ذلك أن التمثيل النسبي يؤدي حتما إلى هذه النتيجة، أو أن تقليص عدد الأحزاب كفيل بحل الأزمة. فالتمثيل الواسع ضرورة في المجتمعات المتعددة، لكنه لا يكفي وحده لبناء الدولة. ونجاحه يتوقف على قدرة الأحزاب والمؤسسات على تحويل الاختلاف إلى تسويات، وعلى استعداد المكونات الاجتماعية للقبول بقواعد مشتركة تتجاوز مصالحها المباشرة.
إن المعضلة التي تواجه إسرائيل تتجاوز صعوبة تشكيل الحكومات إلى اتساع الفجوة بين تمثيل المجتمع والقدرة على حكمه. فقد أتاح النظام لكل جماعة أن تجد صوتها في البرلمان، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء مساحة سياسية مشتركة تجمع هذه الأصوات حول تصور متفق عليه للدولة. كما كشفت الانتخابات الأخيرة أن امتلاك الوزن الانتخابي لا يعني بالضرورة امتلاك حق متكافئ في الشراكة السياسية.
وربما تكمن المفارقة في أن النظام الذي صمم لاستيعاب تعددية المجتمع قد يتحول، في ظروف معينة، إلى عامل في إعادة إنتاج تجزئته. فالدولة لا تتماسك بمجرد أن تجد كل جماعة من يمثلها، بل بقدرتها على جعل هذه الجماعات ترى في المؤسسات المشتركة إطارا لمصالحها ومستقبلها. وعندما تتراجع هذه القدرة، لا يصبح الحكم زئبقيا فحسب، بل تصبح الشراكة الاجتماعية نفسها موضع اختبار. فالأزمة الأعمق ليست فقط فيمن يستطيع تشكيل الحكومة، بل في تراجع ما يجمع مكونات المجتمع حول الدولة التي يفترض أنها تمثلهم جميعا.


