- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةحين تبقى أمريكا قوية ويتغير العالم من حولها

حين تبقى أمريكا قوية ويتغير العالم من حولها

لم تصبح أمريكا ضعيفة، ولا تبدو ذاهبة إلى السقوط الذي يتنبأ به خصومها. ما زالت القوة العسكرية والمالية والتكنولوجية الأهم في العالم، وما زال الدولار وشبكة التحالفات والجامعات والشركات ومراكز البحث تمنحها قدرات لا تملكها دولة أخرى مجتمعة. لكن التغيير الحقيقي لا يحدث في مقدار القوة الأمريكية بقدر ما يحدث في قدرتها على استخدامها. فالقوة ليست فقط ما تستطيع الدولة أن تفعله، وإنما قدرتها على تحمل كلفته، وإعادة إنتاجه، وتحويله إلى نتائج سياسية دائمة.

وهنا بدأت الفجوة تضيق بين التفوق العسكري والقدرة على فرض الإرادة. تستطيع واشنطن أن تدمر وتضرب وتعاقب وتحاصر، لكنها تجد صعوبة أكبر في جعل الخصم يتصرف وفق ما تريد. فالقدرة على إلحاق الضرر ليست هي القدرة على الإخضاع، والانتصار في المعركة لا يعني بالضرورة السيطرة على ما يأتي بعدها.

حرب إيران تقدم مثالًا واضحًا. فقد أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكن هذا التفوق لم يحسم مسار الحرب سياسيًا. بقيت إيران قادرة على الرد، وانتقلت المواجهة إلى الطاقة والملاحة والقواعد الأمريكية والحلفاء، وبدأت كلفة الحرب تظهر في الذخائر والجاهزية والانتشار والاقتصاد. تستطيع أمريكا أن تبدأ الحرب من موقع القوة، لكنها لا تستطيع دائمًا التحكم في نهايتها أو في كلفة استمرارها.

وهنا تظهر طبيعة التحول. فالحرب لا تستهلك قوة الخصم وحده؛ قد تستهلك أيضًا جزءًا من قوة من يخوضها. الذخائر التي تُطلق يجب تعويضها، والمعدات التي تُستنزف يجب صيانتها، والتكنولوجيا التي تمنح التفوق تحتاج إلى قاعدة صناعية وعلمية قادرة على إنتاج جيلها التالي. لذلك لا يكفي أن تكون الدولة قادرة على الإنفاق، بل يجب أن تكون قادرة على إعادة إنتاج القوة التي تنفقها، خصوصًا عندما تتوزع التزاماتها على أكثر من جبهة.

ويزداد الأمر تعقيدًا لأن العالم الذي تعمل فيه أمريكا لم يعد كما كان. التكنولوجيا انتشرت، والمعرفة الصناعية توسعت، والدول بنت قدرات مستقلة، والعقوبات نفسها دفعت بعض الخصوم إلى البحث عن بدائل للنظام المالي الذي يمنح واشنطن نفوذًا استثنائيًا. لا يعني ذلك أن الدولار على وشك الانهيار أو أن التفوق الأمريكي سيتبخر، بل يعني أن مصادر القوة الأمريكية أصبحت أقل احتكارًا، وأن الآخرين يتعلمون كيف يقللون اعتمادهم عليها.

ومن هنا تأتي قضية إسرائيل. ما زالت إسرائيل حليفًا استراتيجيًا مهمًا للولايات المتحدة، وما زال التحالف عميقًا داخل المؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية. لكن إسرائيل بدأت تنتقل في جزء متزايد من الوعي الأمريكي من كونها حليفًا لا تُناقش كلفته إلى علاقة تُناقش مصلحتها وكلفتها. فكل حرب جديدة لا تتطلب فقط دعم إسرائيل، وإنما قد تستدعي حماية القوات والقواعد الأمريكية، وتأمين الملاحة والطاقة، واحتواء توسع الصراع، وتحمل أثمانه السياسية والعسكرية.

هنا يمكن للتحالف أن يتحول من مصدر للقوة إلى مصدر للاستنزاف. ليست المشكلة أن إسرائيل أصبحت أقوى من الولايات المتحدة، ولا أن واشنطن لم تعد تريدها، وإنما أن بعض الخيارات الإسرائيلية قد تدفع الولايات المتحدة إلى إنفاق قوتها في حروب لا تتطابق دائمًا مع أولوياتها العالمية. ولهذا بدأ سؤال كان صعب التداول سابقًا يفرض نفسه في النقاش الأمريكي: ما كلفة هذا التحالف، ومن يتحملها، وهل ما زالت عوائده الاستراتيجية متناسبة معها؟

وهذا التحول أسرع في الرأي العام منه في القيادة الأمريكية. لكنه مهم لأنه يمس إحدى المسلمات التي قامت عليها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط: أن الالتزام بإسرائيل مصلحة أمريكية بديهية لا تحتاج إلى مراجعة. وعندما تبدأ هذه البديهية بالتراجع، لا تعود العلاقة مجرد تحالف خارجي، بل تصبح جزءًا من النقاش الأمريكي حول حدود القوة نفسها.

ولا يقتصر الأمر على إسرائيل. فقد بنت الولايات المتحدة شبكة واسعة من التحالفات والالتزامات جعلتها القوة المركزية في النظام الدولي، لكنها جعلت الحفاظ على هذه المكانة أكثر كلفة أيضًا. كلما اتسعت الالتزامات، زادت الموارد المطلوبة لحمايتها، وكلما تزامنت أزمات أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، أصبح توزيع القوة الأمريكية أكثر صعوبة. وهنا يتحول التفوق من مصدر مطلق للحرية إلى مسؤولية تحتاج إلى إدارة مستمرة.

الصين لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا عسكريًا حتى تغير ميزان العالم؛ يكفي أن تصبح قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية لا تستطيع واشنطن تجاهلها أو إخضاعها. وروسيا لا تحتاج إلى التفوق على الجيش الأمريكي حتى تمنع واشنطن من فرض كل ما تريد. وإيران لا تحتاج إلى امتلاك قوة أمريكية مضادة حتى تجعل الحرب معها مكلفة. والدول الحليفة لا تحتاج إلى الانفصال عن واشنطن حتى تبدأ في بناء خيارات أخرى. يكفي أن تتعدد مراكز القوة والخيارات.

لهذا لا يتجه العالم بالضرورة إلى عالم بلا أمريكا، وإنما إلى عالم لم تعد أمريكا فيه قادرة على أن تكون القوة الوحيدة التي يضطر الجميع إلى حسابها باعتبارها صاحبة الكلمة الأخيرة. قد تبقى القوة الأولى، لكن الفارق بينها وبين الآخرين يتقلص، بينما ترتفع كلفة الحفاظ على هذا الفارق.

وهذا هو معنى التراجع الأمريكي الذي يستحق التوقف عنده. ليس انهيارًا، ولا سقوطًا للدولار، ولا تفوقًا صينيًا مكتملًا، ولا فقدانًا للجيش الأمريكي لتفوقه. إنه انتقال من مرحلة كانت فيها القوة الأمريكية أكبر بكثير من قدرة الآخرين على مقاومتها، إلى مرحلة يستطيع فيها الآخرون إعاقة أهدافها، ورفع كلفة تدخلاتها، وبناء بدائل جزئية، ورفض بعض شروطها.

الخطر على أمريكا، إذن، ليس أن تصبح ضعيفة، بل أن تبقى قوية بالطريقة القديمة في عالم تغير؛ أن تستخدم القوة العسكرية أكثر مما تستطيع تحويله إلى نتائج سياسية، وأن توسع التزاماتها دون حساب كلفتها، وأن تستخدم أدواتها المالية بما يدفع الآخرين إلى بناء بدائل، وأن تستهلك القوة أسرع من قدرتها على إعادة إنتاجها.

لقد انتهى زمن كانت فيه أمريكا تستطيع أن تفترض أن تفوقها يكفي وحده لصناعة النتائج. أما اليوم فعليها أن تدير قوتها داخل عالم أكثر تعددًا وقدرة على المقاومة. وهذا التحول لا يحتاج إلى سقوط أمريكا حتى يصبح واقعًا.

أمريكا لم تصبح ضعيفة، لكنها أصبحت أقل قدرة على تحويل قوتها إلى طاعة. وهذه هي بداية التحول الحقيقي: ليس نهاية أمريكا، وإنما نهاية أمريكا التي تستطيع وحدها أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا