- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةعلوم وتكنولوجيارسم شبكة الدماغ كاملة: خريطة تكشف كيف يتحول الإحساس إلى سلوك

رسم شبكة الدماغ كاملة: خريطة تكشف كيف يتحول الإحساس إلى سلوك

بعد أكثر من عقد من تطوير تقنيات التصوير وإعادة البناء والتحليل، نجح باحثون في معهد هوارد هيوز الطبي، في حرم جانيليا، بالتعاون مع مختبر البيولوجيا الجزيئية في كامبريدج وGoogle Research، في إنجاز خريطة كاملة للجهاز العصبي المركزي لذكر ذبابة الفاكهة، تضم نحو 166,700 خلية عصبية تمتد عبر الدماغ والحبل العصبي البطني، مع نحو 11,710 أنواع مختلفة من الخلايا العصبية. ويُعرف هذا النوع من الخرائط باسم «الكونكتوم» (Connectome)، وهو وصف شامل للبنية التي تحدد كيف تتصل الخلايا العصبية بعضها ببعض على مستوى المشابك العصبية. وقد اعتمد الباحثون على المجهر الإلكتروني فائق الدقة لتصوير الجهاز العصبي على شكل طبقات متناهية الصغر، ثم استخدموا خوارزميات متقدمة وتقنيات تعلم آلي لإعادة بناء الخلايا وتتبع امتداداتها واتصالاتها، قبل أن تخضع النتائج للتدقيق البشري والتعليق العلمي.

والقيمة الحقيقية للخريطة لا تكمن في حجمها، بل في أنها تسمح بتتبع المسار العصبي كاملًا تقريبًا من المدخل الحسي إلى المخرج الحركي. فبدل دراسة خلية مسؤولة عن رؤية شيء ما، ثم خلية أخرى مرتبطة بالحركة، يستطيع الباحث الآن تتبع الدائرة التي تصل بينهما عبر الجهاز العصبي كله. وقد أظهر الكونكتوم بالفعل مسارات بصرية-حركية تصل الخلايا التي تستقبل المعلومات البصرية بالخلايا الحركية التي تتحكم في الحركة، ما يتيح دراسة كيفية انتقال المعلومات من العين إلى الدوائر الداخلية ثم إلى العضلات. وبذلك يصبح من الممكن طرح السؤال بصورة أكثر دقة: ليس فقط «أي خلية تنشط؟»، بل «ما المسار الكامل الذي سلكته المعلومة حتى تحولت إلى فعل؟».

ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام أن الخريطة أتاحت للمرة الأولى مقارنة الجهاز العصبي المركزي لذكر وأنثى من النوع نفسه على المستوى التشابكي. فقد وجد الباحثون أن معظم البنية العصبية مشتركة بين الجنسين، لكن هناك أيضًا خلايا وأنماط اتصال تختلف بينهما. وتتركز الخلايا الخاصة بالجنس أو المتغايرة جنسيًا بصورة أكبر في مراكز الدماغ العليا، بينما تبدو المناطق الحسية والحركية الطرفية أكثر تشابهًا. والمهم هنا أن اختلافًا صغيرًا نسبيًا في عدد الخلايا أو طريقة اتصالها يمكن أن ينتشر تأثيره عبر شبكة واسعة، وهو ما يوفر مدخلًا لفهم كيف يمكن لبنية عصبية متشابهة في الأساس أن تنتج سلوكيات مختلفة، ومنها بعض السلوكيات الاجتماعية والتناسلية.

لكن الأفق الأوسع لهذا العمل يتجاوز ذبابة الفاكهة بكثير. فالذبابة، رغم صغر جهازها العصبي مقارنة بالثدييات، تمتلك دوائر عصبية معقدة تسمح بالتعلم والذاكرة والتفاعل مع البيئة والسلوك الاجتماعي. ولذلك فإن القدرة على رسم جهازها العصبي المركزي كاملًا تمثل اختبارًا عمليًا للتقنيات التي قد تُستخدم لاحقًا مع كائنات أكثر تعقيدًا. وقد بدأ الباحثون بالفعل في تطبيق هذه المنهجية على حيوانات أخرى، فيما تتجه أبحاث «علم شبكات الدماغ» إلى بناء خرائط أكبر وأكثر تفصيلًا. ومع تطور التصوير والذكاء الاصطناعي، قد يصبح السؤال في المستقبل ليس كيف نكتشف خلية عصبية مرتبطة بسلوك معين، بل كيف نفهم الشبكة بأكملها التي تجعل ذلك السلوك ممكنًا.

تكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه يقرّب علم الأعصاب من سؤال ظل عصيًا على التجربة المباشرة: كيف تتحول الاتصالات بين الخلايا العصبية إلى سلوك؟ فمعرفة عدد الخلايا العصبية وحده لا تكفي لفهم الدماغ؛ إذ إن الطريقة التي ترتبط بها هذه الخلايا، ومواقع اتصالاتها واتجاهاتها، هي التي تحدد كيفية انتقال المعلومات داخل الشبكة العصبية. لذلك يتيح «الكونكتوم» للباحثين الانتقال من دراسة الخلايا منفردة إلى دراسة الدوائر العصبية بوصفها شبكة متكاملة، ثم ربط هذه الشبكة بسلوك يمكن ملاحظته وقياسه. والأبعد من ذلك أن نجاح رسم جهاز عصبي كامل بهذا المستوى من التفصيل يقدّم نموذجًا لما قد يصبح ممكنًا مستقبلًا مع حيوانات أكثر تعقيدًا، وصولًا إلى دراسة كيفية نشوء الرؤية والذاكرة والحركة واتخاذ القرار والسلوك الاجتماعي من بنية عصبية مادية محددة. ولا يعني ذلك أننا أصبحنا نفهم الدماغ بالكامل، لكننا نمتلك للمرة الأولى نوعًا من «الخريطة الكهربائية» التي يمكن استخدامها لاختبار الفرضيات بدل الاكتفاء بتخمين المسارات التي قد تعمل أثناء السلوك.

إن رسم الكونكتوم لا يعطينا «مفتاح الدماغ» جاهزًا، لكنه يغيّر طبيعة السؤال نفسه: فبدل محاولة فهم السلوك من خلال أجزاء منفصلة من الجهاز العصبي، أصبح بالإمكان دراسة الدماغ باعتباره شبكة مترابطة يمكن تتبع مساراتها واختبارها ومقارنتها. وربما تكون هذه إحدى الخطوات التي ستجعل علم الأعصاب ينتقل، تدريجيًا، من وصف ما تفعله الخلايا إلى فهم الكيفية التي تنتج بها الشبكات العصبية السلوك.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا