- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونقراءة في رواية قطة تطوان لعبد العزيز عطية الله الأحمدي

قراءة في رواية قطة تطوان لعبد العزيز عطية الله الأحمدي

في روايته قطة تطوان، يقدم الكاتب السعودي عبد العزيز عطية الله الأحمدي عملًا سرديًا يتجاوز التصنيفات التقليدية، إذ ينطلق من تجربة شخصية وإنسانية عميقة، لينسج من تفاصيلها نصًا أدبيًا حميمًا، أقرب إلى التأمل منه إلى السرد الكلاسيكي. فرغم أن الكاتب مهندس صناعي، وشغل منصبًا إداريًا رفيعًا في شركة “سابك” بالمغرب، إلا أن الأدب لم يكن بالنسبة له ترفًا أو استراحة، بل امتدادًا لحس إنساني يقظ، تحرّكه التجربة وينضجه الترحال.

صدرت الرواية عام 2022 عن شركة التكوين العالمية، في 118 صفحة، تُشبه فاكهة صيف ناضجة، عصرتها الذاكرة، وكتبتها عاطفة صافية. الرواية تستند إلى الفترة التي قضاها الكاتب في المغرب بين عامي 2013 و2019، لكنها لا تُروى كوقائع زمنية، بل كلوحاتٍ تنبض بالحياة، ترصد التفاصيل اليومية بعين عاشقة، وحنين ساكن.

يتخذ الأحمدي من مدينة تطوان محورًا سرديًا، ليس كمكان جغرافي فقط، بل كرمزٍ للارتباط الإنساني والمكان الأول الذي هزّ وجدانه، بأزقته البيضاء، ودفء جلساته الشعبية، وروح الحياة التي تسري في تفاصيله. الشخصيات في الرواية ليست شخصيات متخيلة أو مُختلقة، بل هي وجوه حقيقية، يلتقيها القارئ كما التقاها الكاتب، في الحواري، والمقاهي، والطرقات. هذه الشخصيات، ببساطتها وعفويتها، تمثّل جوهر التفاعل الإنساني الذي تقوم عليه الرواية.

بين أدب الرحلة وأدب الاعتراف

تنتمي الرواية في ظاهرها إلى أدب الرحلات، لكنها في جوهرها تميل إلى أدب الاعتراف، وربما أبعد من ذلك إلى أدب البصيرة. فالأحمدي لا يكتب من موقع المراقب، بل من موقع المتورط في التجربة، من تغيّرت رؤيته، وتشكّلت ذائقته، واتسعت ذاته بفعل المكان والناس. لذلك، لا تُقرأ الرواية كمجرد حكاية مغترب، بل كرحلة تأملية داخل الذات، حيث تختلط الجغرافيا بالعاطفة، والحنين بالهوية، ليغدو السرد نوعًا من الكشف والتصالح مع الذات.

زمن متشظٍّ ومكان نابض

يتحرّك الزمن في الرواية على نحو غير خطي، إذ يتقافز بين الطفولة، وأيام الغربة، ومواقف عابرة، ليعكس بذلك تشظي الذاكرة الإنسانية، حيث الماضي ليس ماضيًا تمامًا، والحاضر لا يُفهم إلا بمرآة ما مضى. هذا التداخل الزمني لا يأتي كحيلة سردية، بل كضرورة وجدانية، تفرضها طريقة تذكّر الكاتب، واستدعائه للمكان.

أما المكان، فيتمدد خارج تطوان، ليشمل مدنًا مغربية وأخرى أوروبية، تظهر في مقارنات ذكية تُبرز اختلاف العادات والأنماط الحياتية. هذا الاتساع المكاني لم يكن مقحمًا، بل نابعًا من تجربة ترحال واسعة، منحته منظورًا مزدوجًا: يرى من الخارج، ويتفاعل من الداخل.

الخيط السردي… من المطار إلى الزقاق

تبدأ الرواية من لحظة وصول الكاتب إلى مطار محمد الخامس، لتتشكّل منها خيوط حكايته المغربية، لا كعبور سياحي، بل كغوصٍ في عمق الثقافة المغربية، بتنوعها اللغوي والإنساني. المفردات المغربية كانت أولى العلامات التي سحرته، تعلّمها بشغف، وقارنها بخلفيته الخليجية، فوجد فيها نكهة قروية حنونة، تزاوجت مع حضرية المدن في تناغم ساحر.

المطبخ المغربي هو الآخر كان نافذة ثقافية أثارت اهتمامه، إذ وجد في كل نكهة تاريخًا، وفي كل طبق حكاية. لم يكتب عن الطعام بوصفه استهلاكًا، بل كمرآة لهويةٍ متجذّرة في المكان.

في تنقلاته، لم يكن سائحًا تقليديًا، بل رحّالة يبحث عن المعنى في التفاصيل. عيناه التقطتا لحظات قد لا يراها غيره، ونجح في ذلك  بدرجة كبيرة ،وحوّلها إلى نصوص تنبض بالحس والدهشة.

حادثة القطة… لحظة مفصلية

العنوان اللافت قطة تطوان لم يكن عشوائيًا. في أحد الأزقة، وبينما كان يتأمل الجدران القديمة، وطبيعة المكان، فوجئ الكاتب  بقطة كبيرة تقفز عليه فجأة، بعدما داست قدمه عليها دون قصد. تركت في قدمه خربشات حادة، لكن ما رسخ في ذاكرته لم يكن الألم، بل إنسانية المغاربة الذين سارعوا لنجدته، بوجوههم البشوشة ولهجاتهم الرقيقة.

تحوّلت القطة من حادث عابر إلى رمز، رمزٍ لمدينة تفاجئك دومًا، حتى في لحظات الألم، بوجهها الحنون. كانت تلك اللحظة — المؤلمة جسديًا، والدافئة إنسانيًا — مفتاحًا للعنوان، وخلاصة لتجربة بأكملها: اختلاط الألم بالجمال، والدهشة بالمحبة، والانتماء بالمفاجأة.

اللغة والبنية السردية

أسلوب الرواية بسيط في ظاهره، لكنه عميق في مقاصده. لا يعتمد الأحمدي على زخرفة لغوية، بل على الصدق والعاطفة، ما يمنح النص خفةً وجمالًا، ويجعله قريبًا من القارئ. اللغة هنا ليست فقط وسيلة نقل، بل كائن حيّ، يشارك في خلق الجو الروائي.

يكتب الكاتب بعين المحبّ، لا بعين السائح. لذلك جاءت الصور حيّة، والمواقف صادقة، والمشاهد نابضة بروح التجربة، لا بخيال منفصل عنها.

الشخصيات… مرآة الإنسان البسيط

ما يمنح الرواية بعدها الإنساني الأعمق هو الحضور اللافت للشخصيات المغربية، تلك التي نلتقي بها في الحياة اليومية: النادل، البائع، الجار، العابر في الزقاق. كلها شخصيات تفيض بالطيبة، والحكمة الشعبية، والكرم الفطري. هذه الوجوه لم تكن مجرد أدوات في السرد، بل أبطال حقيقيون، شكّلوا ذاكرة الكاتب، وجعلوا من تجربته تجربة انتماء أكثر منها اغتراب.

أثر أنيس منصور… وعي الكتابة

أشار الكاتب إلى تأثره الواضح بأدب أنيس منصور، خاصة في طريقته في التقاط المفارقات، وربط اليومي بالفلسفي، والهامشي بالجوهري. وهذا التأثر بدا جليًا في خفة السرد، وفي طريقة تحويل المشهد البسيط إلى لحظة تأملية، تحمل درسًا إنسانيًا أو قيمة روحية.

خاتمة

قطة تطوان ليست مجرد رواية عن الغربة، أو دفتر ملاحظات لمغترب، بل عمل أدبي صادق، يروي لحظة تماسّ بين الإنسان والمكان، بين الذكرى والواقع. بأسلوب دافئ، ونظرة عميقة، نجح الأحمدي في منح القارئ نافذة على المغرب، كما رآه بعين القلب. إنها رواية عن السفر الداخلي، عن كيف نُغيَّر ونُغيّر حين نمنح الأماكن والناس فرصة أن يسكنونا.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا