- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةمن المشاركة إلى القيادة: المرأة المغربية في قلب صناعة القرار.

من المشاركة إلى القيادة: المرأة المغربية في قلب صناعة القرار.

د. رانيا عابدين الشوبكي

يشكل تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية محطة تاريخية في مسيرة المرأة المغربية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة، وثاني امرأة عربية تصل إلى هذا الموقع بعد التونسية نجلاء بودن رمضان.

غير أن أهمية هذا الحدث، من منظور دراسات المرأة والنوع الاجتماعي، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إنجازًا فرديًا لامرأة وصلت إلى قمة الهرم الحكومي فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من مسار أوسع يتعلق بمكانة المرأة المغربية وانتقالها التدريجي من المشاركة إلى القيادة، ومن الحضور في المؤسسات إلى المساهمة الفعلية في صناعة القرار.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالدور الذي اضطلعت به القيادة المغربية، وفي مقدمتها جلالة الملك محمد السادس، في دعم مسار النهوض بأوضاع المرأة وتعزيز حضورها في الحياة العامة. فمنذ اعتلاء جلالته العرش، احتلت قضايا المرأة والأسرة والمساواة موقعًا بارزًا في مسار الإصلاح، وتُرجم جانب من ذلك في إصلاحات تشريعية ومؤسساتية ودستورية متراكمة، وصولًا إلى دستور عام 2011 الذي نص على تمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، وعلى سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة.

ويكتسب تعيين امرأة لرئاسة الحكومة اليوم رمزية خاصة في هذا السياق؛ فهو يبعث برسالة مهمة مفادها أن سقف طموح المرأة المغربية يمكن أن يمتد إلى أعلى مواقع المسؤولية السياسية والتنفيذية في الدولة، وأن القيادة ليست حكرًا على جنس دون آخر، وإنما يجب أن تكون مجالًا للكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية.

وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن هذا الإنجاز لا يكتمل دون الإشادة بالمرأة المغربية نفسها. فقد أثبتت النساء المغربيات حضورهن في مجالات متعددة: في الحكومة والبرلمان، وفي الجماعات الترابية، وفي القضاء والإدارة والدبلوماسية والجامعة والاقتصاد والمجتمع المدني. واستطاعت أجيال متعاقبة من المغربيات أن توسع دائرة المشاركة، وأن ترفع سقف الطموح نحو حضور أكبر في مواقع القيادة وصناعة القرار.

إن ما يميز التجربة المغربية هو وجود نساء لم يكتفين بالمطالبة بالمشاركة، بل راكمن الخبرة السياسية والمهنية والمؤسساتية، وخضن العمل الحزبي والانتخابي والمدني، وأثبتن قدرتهن على تحمل مسؤوليات عامة متقدمة. ومن هنا فإن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة يمكن النظر إليه أيضًا بوصفه ثمرة لمسار طويل ساهمت في بنائه نساء مغربيات كثيرات، كل من موقعها ومجال عملها.

ومن منظور أكاديمي، علينا التمييز بين التمثيل العددي للمرأة والتمكين السياسي الحقيقي. فالتمكين لا يعني فقط زيادة عدد النساء داخل المؤسسات، على أهمية ذلك، وإنما يعني قدرتهن على الوصول إلى المواقع التي تُصنع فيها السياسات، وتُحدد فيها الأولويات، وتُتخذ فيها القرارات المؤثرة في حياة المجتمع.

ولذلك فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة يحمل دلالة تتجاوز شخص رئيسة الحكومة نفسها، لأنه يقدم للفتيات والشابات المغربيات نموذجًا واقعيًا يقول إن الطموح السياسي للمرأة يمكن أن يصل إلى أعلى مستويات المسؤولية.

كما أن هذا الإنجاز يضع مسؤولية إضافية على المؤسسات والأحزاب والمجتمع لمواصلة توسيع الفرص أمام النساء، حتى لا يبقى وصول المرأة إلى المناصب العليا حدثًا استثنائيًا، بل يتحول إلى ممارسة طبيعية داخل الدولة والمجتمع.

اليوم، ونحن نشهد امرأة مغربية تتولى للمرة الأولى رئاسة الحكومة، فإن الإشادة تستحقها المرأة المغربية الطموحة والمثابرة، والمؤسسات التي فتحت أمامها مساحات المشاركة، والمسار الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك محمد السادس في قضايا المرأة والأسرة وتعزيز حضور النساء في الحياة العامة.

إن المجتمعات لا تستفيد من كامل طاقتها ما لم تكن النساء شريكات في صنع مستقبلها. والتمكين الحقيقي يبدأ بالحقوق وتكافؤ الفرص، لكنه يبلغ معناه الأعمق عندما تصبح المرأة شريكًا كاملًا في القرار والقيادة وصياغة السياسات العامة.

وما حدث اليوم في المغرب يمثل محطة جديدة تستحق الدراسة والمتابعة، ليس فقط باعتبارها سابقة تاريخية مغربية، وإنما بوصفها فرصة لطرح سؤال أكبر على مجتمعاتنا العربية: كيف نحول وصول النساء إلى مواقع القيادة من الاستثناء إلى مسار مؤسسي مستدام؟

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا