- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةعلوم وتكنولوجيامن المطيع  إلى الامر : هل يبدأ الذكاء الاصطناعي عصرًا جديدًا من...

من المطيع  إلى الامر : هل يبدأ الذكاء الاصطناعي عصرًا جديدًا من الاستقلالية؟

مقدمة

شهد الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة تحولًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة. فقد بدأت الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي التوليدي مع نماذج قادرة على إنتاج النصوص والصور والبرمجيات والإجابة عن الأسئلة، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: أنظمة قادرة ليس فقط على تقديم الإجابة، بل على التخطيط وتنفيذ سلسلة من الإجراءات واستخدام الأدوات ومراجعة نتائجها وتصحيح مسارها.

وتكشف مادة صحفية منشورة في صحيفة الحياة بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2026 حول تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، ومنها Claude Code، عن هذا التحول من نموذج المحادثة إلى ما بات يعرف بـ«الوكيل الذكي». وتطرح المادة، في الوقت نفسه، سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بالحدود التي يمكن أن يصل إليها هذا النوع من الذكاء الاصطناعي، ومتى تتحول قدرته على تنفيذ الأوامر إلى مصدر للمخاطر.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في كونه تحسينًا تقنيًا آخر لنماذج اللغة، بل في أنه يعيد تعريف وظيفة الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد والمجتمع. فالنموذج التقليدي ينتظر سؤال الإنسان ثم يقدم إجابة، بينما يستطيع الوكيل الذكي أن يستقبل هدفًا عامًا، ويحدد الخطوات اللازمة للوصول إليه، ويستخدم أدوات رقمية، وينفذ الأوامر، ثم يختبر النتائج ويعيد المحاولة عند الحاجة.

وقد أصبح هذا الاتجاه واضحًا في أدوات البرمجة الوكيلة؛ فوثائق Anthropic الرسمية تصف Claude Code بأنه أداة قادرة على قراءة قاعدة الشيفرة، وتعديل الملفات، وتشغيل الأوامر والاختبارات، والبحث داخل المشروع، والعمل مع أدوات التطوير. كما تعتمد بنيته على دورة متكررة تجمع بين جمع السياق، واتخاذ الإجراء، والتحقق من النتيجة.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من إشكالية أساسية: هل يمثل الذكاء الاصطناعي الوكيلي مجرد مرحلة أكثر تطورًا من الذكاء الاصطناعي التوليدي، أم أنه يؤسس لنموذج جديد في علاقة الإنسان بالحاسوب، تصبح فيه الآلة قادرة على الانتقال من إنتاج المعرفة إلى تنفيذ الأفعال؟

وتفترض الدراسة أن التطور الحالي يمثل تحولًا نوعيًا، لكنه لا يعني استقلال الذكاء الاصطناعي بصورة مطلقة؛ إذ تظل فعاليته مرتبطة بالأهداف التي يحددها الإنسان، والأدوات التي يسمح له باستخدامها، والبيئة الرقمية التي يعمل داخلها، وآليات الرقابة الموضوعة حوله.

وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا يستند إلى قراءة التحولات التقنية الحديثة في أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيلي، مع الاستفادة من وثائق تقنية ومؤسساتية حديثة، خصوصًا أعمال المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا (NIST)، إلى جانب تحليل دلالات الانتقال من المحادثة إلى التنفيذ.

. من روبوت المحادثة إلى الوكيل الذكي

كان النموذج التقليدي للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي يقوم على علاقة بسيطة نسبيًا: سؤال → معالجة → إجابة.

يكتب المستخدم طلبًا، ويقوم النموذج اللغوي بتحليل المدخلات وتوليد استجابة مناسبة. وقد شكل هذا النموذج قفزة هائلة في مجال معالجة اللغة الطبيعية، لكنه ظل في جوهره نظامًا استجابيًا.

أما الوكيل الذكي فيضيف طبقة جديدة إلى هذه العلاقة. فهو لا يكتفي بإنتاج النص، وإنما يمكن أن يمتلك مجموعة من الأدوات تسمح له بالوصول إلى الملفات، وتشغيل البرامج، والبحث، وتنفيذ الأوامر، واستخدام خدمات خارجية، ثم العودة إلى نتائج هذه العمليات لاتخاذ الخطوة التالية.

ويعرف NIST الوكلاء الأذكياء باعتبارهم أنظمة تستطيع التخطيط واتخاذ إجراءات ذاتية تؤثر في أنظمة أو بيئات واقعية، وهو ما يميزها عن النماذج التي يقتصر دورها على إنتاج المحتوى.

وبذلك يمكن تمثيل الفارق على النحو الآتي:

الذكاء الاصطناعي التوليدي:
سؤال ← تحليل ← إجابة.

الذكاء الاصطناعي الوكيلي:
هدف ← تخطيط ← استخدام أدوات ← تنفيذ ← اختبار ← تصحيح ← نتيجة.

وهذا الفارق يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه يحمل نتائج اقتصادية ومؤسسية واسعة.

2. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تنفيذ المهمة

تكمن النقلة الأساسية في أن الوكيل يستطيع تقسيم المهمة المعقدة إلى مجموعة من المهام الفرعية.

فإذا طلب المستخدم مثلًا إصلاح مشكلة في برنامج، فإن النظام الوكيلي لا يحتاج بالضرورة إلى أن ينتظر تعليمات منفصلة لكل خطوة. يمكنه قراءة الملفات، تحديد مصدر الخطأ، تعديل الشيفرة، تشغيل الاختبارات، تحليل النتيجة، ثم إجراء تعديل جديد إذا فشل الاختبار.

وتوضح وثائق Claude Code هذه العملية بوضوح من خلال ما تسميه الحلقة الوكيلة (Agentic Loop): يجمع النظام السياق، ويتخذ إجراءً، ويتحقق من النتيجة، ثم يكرر الدورة عند الحاجة.

وهنا يظهر اختلاف جوهري في مفهوم “المساعدة”.

فالمساعد التقليدي يخبر المستخدم كيف ينفذ المهمة، بينما يستطيع الوكيل تنفيذ جزء كبير من المهمة بنفسه.

وهذا يفسر لماذا أصبحت كلمة “Agent” من أكثر الكلمات حضورًا في النقاش التقني حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

3. نموذجًا لتحول البرمجة . Claude Cod

تمثل أدوات البرمجة الوكيلة إحدى أكثر ساحات هذا التحول وضوحًا.

فبدل أن يكتب المبرمج تعليمات برمجية سطرًا بعد آخر، يمكنه التعامل مع النظام باستخدام اللغة الطبيعية لتحديد الهدف. وتوضح Anthropic أن Claude Code يستطيع فهم قاعدة الشيفرة، وتعديل الملفات، وتشغيل الاختبارات والأوامر، والتعامل مع أدوات التطوير المختلفة.

ولا يعني ذلك اختفاء البرمجة التقليدية، بل يعني تغير موقع الإنسان داخل عملية البرمجة.

فالمبرمج قد ينتقل تدريجيًا من دور كاتب الشيفرة إلى دور المخطط والمراجع والمصمم والمشرف على الوكيل.

وهذه النقلة بدأت بالفعل تثير اهتمامًا بحثيًا. ففي دراسة نشرتها Anthropic عام 2026 اعتمادًا على تحليل نحو 400 ألف جلسة Claude Code، خلص الباحثون إلى أن البشر يتخذون في الجلسات النموذجية معظم قرارات التخطيط المتعلقة بما ينبغي إنجازه، بينما يتولى Claude جانبًا كبيرًا من قرارات التنفيذ المتعلقة بكيفية إنجاز المهمة.

وبالتالي فإن السؤال المستقبلي قد لا يكون: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المبرمج؟ وإنما: كيف سيتغير تعريف المبرمج نفسه؟

4. اللغة الطبيعية تتحول إلى واجهة للحوسبة

من أكثر جوانب التحول أهمية أن اللغة الطبيعية بدأت تتحول من وسيلة للتواصل إلى وسيلة للتحكم في العمليات الحاسوبية.

في النموذج التقليدي، يحتاج المستخدم إلى معرفة لغة برمجة أو أوامر محددة حتى يتمكن من التعامل مع الحاسوب في مستويات متقدمة.

أما مع الوكلاء الأذكياء، فيصبح بالإمكان صياغة الهدف بلغة بشرية، بينما يتولى النظام ترجمة هذا الهدف إلى سلسلة من العمليات التقنية.

وهذا لا يعني أن اللغة الطبيعية أصبحت بديلًا كاملًا للبرمجة، لكنه يعني أنها أصبحت طبقة جديدة للتفاعل مع الحوسبة.

وقد نشرت NIST في يوليو/تموز 2026 دراسة حول البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، أشارت إلى تطور ما يسمى “vibe coding” إلى أنماط أكثر اكتمالًا من تطوير البرمجيات الوكيلي، حيث يضع الإنسان الخطة ويقوم النظام الوكيلي بتنفيذها.

ومن هنا يمكن أن نتصور تحولًا مهمًا:

من البرمجة بلغة الآلة → إلى البرمجة بلغات البرمجة → إلى توجيه الآلة باللغة الطبيعية.

لكن هذا التطور يطرح سؤالًا مهمًا: إذا أصبح الوصول إلى القوة الحاسوبية أسهل عبر اللغة، فهل يصبح فهم اللغة وحده كافيًا؟ الجواب بالنفي.

فاللغة قد تسهّل الوصول إلى الأدوات، لكنها لا تلغي الحاجة إلى المعرفة المتخصصة. وكلما ازدادت قدرة النظام على التنفيذ، ازدادت أهمية قدرة الإنسان على تحديد الهدف، واكتشاف الخطأ، وتقييم النتيجة.

5. من الاستقلالية المحدودة إلى “الاستقلالية الوظيفية

ينبغي الحذر من استخدام مفهوم “الاستقلالية” بصورة مطلقة.

فالوكيل الذكي لا يمتلك استقلالًا بشريًا بالمعنى الفلسفي؛ وإنما يمتلك استقلالية وظيفية داخل بيئة محددة.

يمكن للإنسان أن يمنحه هدفًا وصلاحيات وأدوات، ثم يترك له اختيار سلسلة الخطوات التي يراها مناسبة لتحقيق الهدف.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه السلسلة طويلة ومعقدة، ويصبح من الصعب على الإنسان مراقبة كل خطوة.

فقد ينتج عن خطأ صغير في مرحلة مبكرة سلسلة من القرارات الخاطئة في مراحل لاحقة.

وهنا تظهر أهمية مفهوم قابلية التدخل البشري.

فإذا كان النظام يستطيع اتخاذ عشرات أو مئات الإجراءات دون مراجعة، فإن الخطأ لم يعد مجرد “إجابة خاطئة”، وإنما يمكن أن يتحول إلى فعل خاطئ داخل نظام حقيقي.

وهذا فرق جوهري بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي الوكيلي.

6. أين تبدأ المخاطر؟

تزداد المخاطر عندما تنتقل النماذج من إنتاج المعلومات إلى التعامل مع أنظمة حقيقية.

وقد خصص NIST في 2026 مبادرة كاملة لأمن الوكلاء الأذكياء، موضحًا أن هذه الأنظمة تجمع بين مخرجات النماذج اللغوية ووظائف البرمجيات، وهو ما يخلق مخاطر جديدة، من بينها حقن التعليمات غير المباشرة، واستخدام نماذج غير آمنة، وسوء استخدام الأدوات، والسعي إلى أهداف لا تتوافق تمامًا مع المقصود من المهمة.

وتشير وثائق NIST كذلك إلى مجموعة من المخاطر الخاصة بالأنظمة الوكيلية، مثل إساءة استخدام الأدوات، واستغلال الهوية والصلاحيات، ومشكلات الذاكرة، والهجمات متعددة الوكلاء، وصعوبة توسيع الرقابة البشرية عندما تتعدد العمليات المستقلة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية:

كلما أصبح الوكيل أكثر قدرة، ازدادت قيمته الاقتصادية؛ وكلما أصبح أكثر قدرة، ازدادت أيضًا تكلفة الخطأ.

فإذا أخطأ نموذج محادثة في إجابة، يستطيع المستخدم تجاهلها.

أما إذا أخطأ وكيل يمتلك صلاحية تعديل قاعدة بيانات أو إرسال رسالة أو تشغيل برنامج أو تغيير ملفات، فقد يصبح الخطأ ذا أثر واقعي.

7. مشكلة “الثقة الزائدة” في الآلة

لا يكمن الخطر في أخطاء الذكاء الاصطناعي وحدها، بل في احتمال أن يثق الإنسان بالآلة أكثر مما ينبغي.

فالقدرة على تنفيذ المهام بسرعة وبشكل مقنع قد تجعل المستخدم يفترض أن النظام يفهم دائمًا ما يفعله.

لكن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يظل نظامًا حسابيًا يعمل وفق نماذج احتمالية وأهداف وتعليمات وسياقات محددة.

ولهذا فإن نجاحه في مهمة معينة لا يعني بالضرورة أنه يمتلك فهمًا عامًا أو حكمًا بشريًا.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تعمل الوكلاء في بيئات غير متوقعة، حيث توجد معلومات ناقصة أو تعليمات متعارضة أو بيانات ضارة.

ومن هنا لا ينبغي قياس تطور الوكلاء بسرعة تنفيذ المهمة فقط، بل كذلك بقدرتهم على:

  • معرفة حدود معرفتهم.
  • طلب التوضيح عند الغموض.
  • رفض الأوامر الخطرة.
  • اكتشاف الأخطاء.
  • إيقاف المهمة عند ظهور مؤشرات غير طبيعية.
  • توثيق الإجراءات التي قاموا بها.
  • السماح للإنسان بالتدخل في الوقت المناسب.

8. من الأمن السيبراني إلى أمن الوكلاء

يمثل الذكاء الاصطناعي الوكيلي تحديًا جديدًا للأمن السيبراني.

فالأمن التقليدي يتعامل عادة مع مستخدم أو برنامج أو خدمة تمتلك صلاحيات محددة.

أما الوكيل فقد يجمع بين القدرة على فهم التعليمات والقدرة على استخدام الأدوات والقدرة على اتخاذ قرارات متتابعة.

ولهذا بدأت المؤسسات التقنية تبحث في مسألة هوية الوكلاء وصلاحياتهم.

وقد طرحت NIST في فبراير/شباط 2026 تصورًا يتعلق بهوية الوكلاء الأذكياء وآليات التفويض، مؤكدة أن منح الوكلاء إمكانية الوصول إلى البيانات والأدوات والتطبيقات يفرض الحاجة إلى ضوابط واضحة للهوية والتفويض.

وهذا يقود إلى قاعدة أساسية في المرحلة المقبلة:

لا ينبغي أن يمتلك الوكيل صلاحيات أكثر مما يحتاج إليه لإنجاز المهمة.

كما ينبغي أن تكون الإجراءات الحساسة قابلة للمراجعة والتتبع والإيقاف.

9. ماذا سيحدث لسوق العمل؟

لن يكون تأثير الوكلاء الأذكياء مقتصرًا على قطاع البرمجيات.

فإذا تمكن الوكيل من البحث، وتحليل الوثائق، وإعداد التقارير، وإدارة البريد، وتنظيم البيانات، وتنفيذ عمليات إدارية، فإن قطاعات واسعة من العمل المعرفي ستشهد تحولًا.

لكن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف بصورة مباشرة.

الأرجح أن المرحلة الأولى ستشهد إعادة توزيع للمهام داخل الوظيفة الواحدة.

فالموظف الذي كان يقضي ساعات في جمع المعلومات قد يستخدم وكيلًا لإنجاز هذه المهمة، ثم يركز على التحليل واتخاذ القرار.

والمبرمج الذي كان يكتب جزءًا كبيرًا من الشيفرة يدويًا قد ينتقل إلى تصميم البنية ومراجعة النتائج.

والباحث قد يستخدم وكلاء لجمع المصادر وتصنيفها، ثم يحتفظ لنفسه بالتحليل النقدي وبناء الحجة العلمية.

وبذلك قد يصبح العامل الأكثر قيمة ليس من يستطيع تنفيذ أكبر عدد من المهام الروتينية، بل من يمتلك الخبرة التي تمكنه من تحديد المشكلة وتقييم الحل.

10. هل يستطيع الوكيل أن “يصحح نفسه”؟

تتطلب الإجابة التمييز بين نوعين من التصحيح.

الأول هو التصحيح داخل المهمة: يكتشف النظام أن الاختبار فشل، فيعدل الشيفرة ويعيد الاختبار.

والثاني هو التصحيح الذاتي العام، أي أن يطور النظام قدراته وأهدافه بصورة مستقلة عن مطوريه.

الأول أصبح جزءًا من أنظمة الوكلاء الحديثة؛ فالحلقة الوكيلة تقوم على جمع المعلومات، واتخاذ الإجراء، ثم التحقق من النتيجة وتكرار الدورة عند الحاجة.

أما الثاني فهو مسألة مختلفة تمامًا، ولا ينبغي الخلط بين قدرة النظام على إعادة المحاولة داخل مهمة محددة وبين امتلاكه قدرة مستقلة على إعادة تصميم نفسه.

وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول المناقشة العلمية إلى مبالغات حول “آلة تفكر مثل الإنسان”.

11. الإنسان لن يختفي من الحلقة

رغم التطور الكبير في قدرات الوكلاء، فإن الاتجاه الأكثر واقعية في المدى المنظور هو التعاون بين الإنسان والآلة وليس الاستقلال الكامل للآلة.

فالإنسان يحدد الهدف والسياق والأولويات والقيود، بينما يتولى الوكيل عددًا متزايدًا من أعمال التنفيذ.

وهذا النموذج يمكن وصفه بـ:

الإنسان يحدد ماذا ولماذا، والوكيل يساعد في تحديد كيف وتنفيذ الخطوات.

لكن نجاح هذا النموذج يتطلب إعادة تصميم العلاقة بين الإنسان والآلة بحيث لا يكون الإنسان مجرد مراقب شكلي.

فإذا أصبح الوكيل قادرًا على تنفيذ عدد كبير من العمليات، يجب أن يمتلك الإنسان أدوات واضحة لفهم ما يحدث والتدخل وإلغاء العملية عند الضرورة.

12. نحو حوكمة جديدة للذكاء الاصطناعي الوكيلي

تكشف التطورات الحالية أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لم تعد تستطيع الاكتفاء بقضايا المحتوى والتحيز والخصوصية.

فقد أصبح السؤال الآن:

ماذا يستطيع النظام أن يفعل؟

وليس فقط:

ماذا يستطيع النظام أن يقول؟

وهذا فرق بالغ الأهمية.

وقد أطلقت NIST في فبراير/شباط 2026 مبادرة خاصة بمعايير الوكلاء الأذكياء بهدف دعم أنظمة تستطيع العمل بصورة مستقلة مع الحفاظ على الأمن وقابلية التشغيل البيني.

ومن ثم يمكن تحديد مجموعة من المبادئ الضرورية لحوكمة المرحلة المقبلة:

  1. تحديد الصلاحيات وفقًا للمهمة.
  2. قابلية التدخل والإيقاف البشري.
  3. تسجيل الإجراءات التي يقوم بها الوكيل.
  4. الفصل بين المهام منخفضة وعالية الخطورة.
  5. اختبار الوكلاء في بيئات معزولة قبل إطلاقهم.
  6. مراقبة استخدام الأدوات الخارجية.
  7. تحديد المسؤولية القانونية عن الأفعال التي ينفذها الوكيل.
  8. عدم منح الوكيل استقلالية غير ضرورية.

خاتمة

تكشف مسيرة الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة عن انتقال تدريجي من آلة تجيب إلى آلة تساعد ثم إلى آلة تنفذ.

وهذا الانتقال هو جوهر الثورة الحالية في مجال الوكلاء الأذكياء.

فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة النموذج على إنتاج نص أفضل أو كتابة شيفرة أكثر دقة، وإنما بقدرته على الدخول في دورة كاملة من التخطيط والتنفيذ والتحقق والتصحيح.

وتقدم أدوات مثل Claude Code مثالًا واضحًا على هذه النقلة؛ فهي لا تكتفي بإنتاج شيفرة، وإنما تستطيع قراءة الملفات وتعديلها وتشغيل الأوامر والاختبارات والعمل ضمن حلقة متكررة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.

لكن هذه القدرة تحمل وجهين متناقضين.

فالوجه الأول اقتصادي وعلمي وإبداعي: زيادة الإنتاجية،تسريع البحث والتطوير، خفض تكلفة البرمجة، وأتمتة عدد متزايد من الأعمال المعرفية.

أما الوجه الثاني فهو أمني ومؤسسي: زيادة احتمال الخطأ، واتساع نطاق الضرر، وصعوبة الرقابة، وخطر منح النظام صلاحيات تتجاوز ما يستطيع الإنسان مراقبته بصورة فعالة.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون مجرد بناء وكلاء أكثر ذكاءً، بل بناء وكلاء يمكن الوثوق بهم، ويمكن فهم حدودهم، ويمكن التحكم في صلاحياتهم وإيقافهم عندما يصبح استمرارهم خطرًا.

وقد يكون التحول الأكبر الذي نشهده اليوم ليس أن الآلة أصبحت أكثر قدرة على الكلام، وإنما أنها أصبحت تدريجيًا أكثر قدرة على الفعل.

وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الأكثر حساسية في تاريخ الذكاء الاصطناعي: المرحلة التي يصبح فيها السؤال المركزي ليس “ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقول؟” وإنما “ماذا نسمح له أن يفعل؟”

    الكاتب

    • رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات IFGICT-U.S.A  - من فلسطين

    مقالات ذات صلة

    ترك تعليق

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا