- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونموسم أصيلة الثقافي 2026: الدورة الخريفية من 2 إلى 18 أكتوبر.. الثقافة...

موسم أصيلة الثقافي 2026: الدورة الخريفية من 2 إلى 18 أكتوبر.. الثقافة فضاءً للحوار والإبداع.

ليس موسم أصيلة الثقافي مجرد تظاهرة فنية أو موعد سنوي للاحتفاء بالأدب والفنون، بل يمثل، منذ انطلاقه، تجربة ثقافية مغربية استطاعت أن تحول مدينة أصيلة إلى فضاء مفتوح للحوار بين الثقافات والأفكار والتجارب الإبداعية. وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، تبلورت حول الموسم هوية خاصة تجمع بين الندوة الفكرية، والاحتفاء بالمبدعين، والفن التشكيلي، والشعر، والموسيقى، وورشات الأطفال، بما جعله أحد النماذج المغربية اللافتة في إدارة الفعل الثقافي خارج المؤسسات التقليدية.

وتكتسب الدورة السابعة والأربعون من موسم أصيلة الثقافي الدولي أهمية خاصة بالنظر إلى تنوع برنامجها، الذي يجمع بين قضايا استراتيجية ذات أبعاد إقليمية ودولية، ولقاءات أدبية وفكرية، ومعارض تشكيلية، وورشات موجهة إلى الأطفال والشباب. كما أن امتداد الموسم على دورات ربيعية وصيفية وخريفية يعكس انتقاله من مفهوم “المهرجان” المحدود زمنياً إلى مشروع ثقافي متواصل يرتبط بالمدينة وفضاءاتها ومؤسساتها وسكانها.

ومن هنا تبرز أهمية قراءة موسم أصيلة لا باعتباره سلسلة من الأنشطة المتفرقة، وإنما باعتباره تجربة ثقافية تراكمية أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين المدينة والثقافة، وبين المغرب ومحيطه العربي والدولي.

أصيلة والثقافة بوصفها مشروعاً للمدينة

تكمن إحدى خصوصيات تجربة أصيلة في أن الثقافة لم تُطرح فيها باعتبارها نشاطاً موسمياً منفصلاً عن المجال الحضري، وإنما تحولت تدريجياً إلى عنصر من عناصر هوية المدينة. فالأحياء القديمة والجدران والساحات والمرافق الثقافية أصبحت جزءاً من المشهد الإبداعي، بينما تحولت المدينة نفسها إلى فضاء للمعارض والورشات واللقاءات.

وقد ساعد هذا الارتباط بين الثقافة والمكان على إنتاج نموذج مختلف للتنمية الثقافية، يقوم على استثمار الخصوصية التاريخية والجمالية للمدينة وربطها بالحركة الفنية والفكرية.

وبذلك لم يعد المتلقي يأتي إلى أصيلة لمشاهدة نشاط ثقافي فحسب، بل أصبح يعيش تجربة ثقافية مرتبطة بالمكان نفسه.

الندوة الفكرية والحوار مع قضايا العصر

احتلت الندوات الفكرية موقعاً مركزياً في تجربة الموسم، وهو ما يظهر بوضوح في برنامج دورته السابعة والأربعين. فالندوة المتعلقة بالرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية تضع الثقافة في تماس مباشر مع قضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي يشهدها العالم.

كما يتضمن البرنامج ندوة حول العالم العربي في أفق 2030، بما تحمله من أسئلة مرتبطة بمستقبل المنطقة وتحدياتها وتحولاتها.

وتكشف طبيعة هذه الموضوعات عن اتساع مفهوم الثقافة الذي يتبناه الموسم؛ فالثقافة هنا لا تنحصر في الأدب والفنون، وإنما تشمل التفكير في التحولات الكبرى التي تؤثر في المجتمعات والدول.

ومن هذه الزاوية، تشكل الندوة الفكرية إحدى أهم آليات الموسم في إنتاج الحوار بين المثقف والباحث والسياسي والإعلامي والفنان، وفي إتاحة المجال لتعدد الرؤى حول القضايا العربية والإفريقية والدولية.

التكريم واستعادة الذاكرة الثقافية

يمثل التكريم أحد المكونات الأساسية في فلسفة موسم أصيلة. فهو لا يقتصر على الاحتفاء بشخصية ثقافية، وإنما يربط الحاضر بالذاكرة ويعيد تقديم التجارب الإبداعية للأجيال الجديدة.

وتتضمن الدورة الخريفية تكريماً للباحثة الإيطالية ـ اليابانية طوني مارياني، التي ارتبط اسمها بتاريخ الفن التشكيلي المغربي الحديث، إلى جانب استحضار تجربة الأديب التونسي الراحل حسونة المصباحي.

وتكتسب هذه المبادرات أهمية تتجاوز الجانب الاحتفائي، لأنها تسهم في حفظ الذاكرة الثقافية العربية والمتوسطية وإعادة إدماجها في النقاش الثقافي المعاصر.

وفي السياق نفسه، يمثل استحضار الشخصيات الراحلة نوعاً من الوفاء الثقافي الذي يحول الموسم إلى فضاء للذاكرة، وليس فقط إلى منصة لإنتاج الجديد.

الأدب والشعر وتجديد التعبير

يحضر الأدب في موسم أصيلة من خلال الندوات واللقاءات وتوقيع الكتب والاحتفاء بالتجارب الإبداعية.

وتشكل “خيمة الإبداع” إحدى المساحات التي تمنح الكتابة موقعاً خاصاً داخل الموسم، من خلال تناول تجربة مبارك ربيع ومسارات الكتابة والإبداع.

كما يحظى الشعر بمكانة واضحة من خلال اللقاء الشعري الرابع، الذي يناقش تحولات الشعراء الجدد في العالم العربي، وانتقال الشعر من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط.

وهذا الموضوع يعكس التحولات التي يعرفها المشهد الأدبي العربي، حيث لم تعد القصيدة مرتبطة حصراً بالشكل التقليدي للنشر والتلقي، بل أصبحت تتفاعل مع الوسائط الرقمية والفنون البصرية والأداء والتقنيات الجديدة.

كما تندرج جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب ضمن هذا التوجه، باعتبارها وسيلة لفتح المجال أمام الأجيال الجديدة وتعزيز حضورها في المشهد الشعري العربي.

الكتاب بين التأليف والحضور العمومي

لا تكتمل علاقة موسم أصيلة بالكتاب من خلال الندوات وحدها، إذ تمنح حفلات التوقيع للإصدارات الجديدة فرصة للانتقال من الكتاب بوصفه منتجاً فردياً إلى الكتاب بوصفه موضوعاً للحوار العمومي.

وتتنوع الإصدارات المبرمجة بين الأدب والسيرة والتجربة السياسية والشهادة الثقافية، وهو تنوع يعكس تعدد الاهتمامات التي يستقطبها الموسم.

ومن هذه الزاوية، فإن حضور الكتاب في أصيلة لا يقتصر على عرض الإصدارات، بل يربط المؤلف بالقارئ وبالنقاش الثقافي العام.

الفن التشكيلي وتحويل المدينة إلى فضاء إبداعي

يظل الفن التشكيلي أحد أكثر المكونات ارتباطاً بهوية موسم أصيلة. فقد راكمت المؤسسة منذ عقود تجربة في الحفر والصباغة والليثوغرافيا والجداريات، ووفرت للفنانين المغاربة والعرب والأجانب فضاءً للعمل والتجريب والتفاعل.

وتكشف الدورات الربيعية والصيفية والخريفية عن استمرار هذا المسار من خلال الورشات والمعارض ومشاركة فنانين من تجارب ومدارس مختلفة.

وتكتسب الجداريات أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها لا تبقى محصورة داخل قاعات العرض، وإنما تنتقل إلى الفضاء العام، فتتحول المدينة إلى لوحة مفتوحة، ويصبح الفن جزءاً من الحياة اليومية للسكان والزوار.

ومنذ انطلاق تجربة الجداريات، أصبح هذا اللون من الإبداع مرتبطاً بصورة أصيلة الثقافية والبصرية، بما أتاح للمدينة أن تطور لنفسها هوية فنية مميزة.

الطفل وصناعة جيل جديد من المتلقين

من الجوانب التي تمنح تجربة أصيلة بعداً مستقبلياً اهتمامها بالأطفال والناشئة.

فورشات “مواهب الموسم” ومشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل لا تتعامل مع الطفل باعتباره متلقياً للثقافة فحسب، وإنما باعتباره مبدعاً قادراً على الرسم والكتابة والتجريب.

وقد استفاد عشرات الأطفال من هذه الورشات، التي أفضت إلى إنتاج نصوص سردية وشعرية وأعمال فنية، بما يؤكد أن الاستثمار الثقافي الحقيقي لا يقتصر على استضافة الأسماء المعروفة، بل يشمل كذلك اكتشاف المواهب الجديدة وتنمية قدراتها.

وهنا يبرز أحد الأبعاد التربوية لموسم أصيلة، إذ تتحول الثقافة من فرجة إلى ممارسة، ومن مشاهدة إلى مشاركة.

البعد العربي والدولي

منذ بداياته، ارتبط موسم أصيلة بانفتاح واضح على التجارب العربية والدولية. ويظهر ذلك في مشاركة فنانين ومبدعين من بلدان عربية وأجنبية، وفي تنوع اللغات والمدارس الفنية والخلفيات الفكرية التي تلتقي داخل المدينة.

ويمنح هذا الحضور المتعدد للموسم وظيفة تتجاوز المجال الثقافي المغربي الداخلي، إذ يتيح لأصيلة أن تصبح نقطة التقاء بين المغرب والعالم العربي والفضاء المتوسطي والإفريقي والدولي.

كما أن هذا التنوع يرسخ مفهوم الحوار الثقافي القائم على التفاعل بين التجارب، بدلاً من تقديم الثقافة في صورة مغلقة على الحدود الوطنية.

من التظاهرة إلى المؤسسة الثقافية

ربما تكمن إحدى أهم سمات تجربة أصيلة في قدرتها على الاستمرار والتراكم.

فالمؤسسات الثقافية تستطيع أن تنظم مهرجاناً أو معرضاً في سنة معينة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء تقليد ثقافي مستمر يستطيع أن يحتفظ بذاكرته، ويطور برامجه، ويجدد جمهوره، ويستقطب أجيالاً جديدة من المبدعين.

ومن خلال تعدد الدورات والورشات والمعارض والندوات والجوائز، يبدو موسم أصيلة أقرب إلى مشروع ثقافي مؤسسي منه إلى فعالية عابرة.

وهذه الاستمرارية تمنحه قيمة خاصة في المشهد الثقافي المغربي، لأنها تسمح بتراكم التجارب وتحويل المبادرات الفردية إلى ذاكرة جماعية للمدينة.

موسم أصيلة والدبلوماسية الثقافية

لا تنحصر نتائج الحضور العربي والدولي في الجانب الفني، إذ يمكن قراءة موسم أصيلة أيضاً ضمن مفهوم الدبلوماسية الثقافية، بمعنى استخدام الثقافة والفنون والحوار الفكري لبناء جسور التواصل بين المجتمعات.

فاجتماع مفكرين وفنانين وكتاب وإعلاميين وشخصيات من بلدان مختلفة في مدينة مغربية صغيرة نسبياً يخلق فضاءً للتعارف والحوار وتبادل التجارب.

ومن هذه الزاوية، تصبح الثقافة أداة للتواصل الدولي، ليس عبر الخطاب السياسي المباشر، وإنما من خلال الكتاب والفن والندوة والمعرض واللقاء الإنساني.

الدورة السابعة والأربعون: استمرار المسار وتجدد المضامين

تأتي الدورة السابعة والأربعون في سياق يؤكد تعدد مسارات موسم أصيلة.

فالبرنامج الخريفي يجمع بين قضايا الطاقة والمياه في إفريقيا، ومستقبل العالم العربي، والتجارب الأدبية، والشعر، والفنون التشكيلية، والموسيقى، وتوقيع الكتب، إلى جانب الأنشطة الموجهة للأطفال.

أما الدورة الربيعية فقد ركزت بصورة أكبر على الفنون التشكيلية وورشاتها، بينما حملت الدورة الصيفية تجربة الجداريات والأنشطة الفنية المرتبطة بالمدينة.

ويكشف هذا التوزيع عن تصور ثقافي متعدد المستويات، يجمع بين الفكر والفن والأدب والتربية الثقافية، ويمنح الموسم قدرة على التواصل مع شرائح مختلفة من الجمهور.

موسم أصيلة من التظاهرة الثقافية إلى المشروع الحضاري

بعد أكثر من أربعة عقود على انطلاق تجربة موسم أصيلة الثقافي، تبدو القيمة الأساسية لهذا المشروع في قدرته على تحويل الثقافة إلى ممارسة مرتبطة بالمكان والإنسان والمدينة.

فأصيلة لم تصبح مجرد موقع يستضيف أنشطة ثقافية، وإنما تحولت تدريجياً إلى جزء من التجربة الثقافية نفسها؛ فالجداريات ارتبطت بذاكرة المدينة، والورشات أصبحت فضاءً لاكتشاف المواهب، والندوات منصة للحوار، والمعارض مجالاً للتفاعل بين التجارب الفنية، فيما أسهم الحضور العربي والدولي في توسيع دائرة التواصل الثقافي.

وتكتسب الدورة السابعة والأربعون دلالتها من استمرار هذا المسار مع تجديد موضوعاته وأدواته. فالقضايا التي تناقشها ندواتها، والأسماء التي تستضيفها، والأعمال الفنية التي تعرضها، والاهتمام الذي تمنحه للأطفال والناشئة، كلها عناصر تجعل من الموسم تجربة تتجاوز حدود الاحتفال السنوي لتطرح سؤالاً أوسع حول دور الثقافة في بناء المدينة، وتعزيز الحوار، وصناعة الذاكرة، وفتح المجال أمام الإبداع.

وهكذا تظل أصيلة مثالاً على إمكانية أن تتحول الثقافة، حين تتوافر لها الاستمرارية والمؤسسة والانفتاح، من نشاط موسمي إلى مشروع طويل الأمد يشارك في صياغة صورة المدينة ومكانتها داخل المشهد الثقافي المغربي والعربي والدولي.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا