- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةالجزائر: أزمة الداخل المنكوب وعقيدة العداء العابر للحدود.

الجزائر: أزمة الداخل المنكوب وعقيدة العداء العابر للحدود.

إن قراءة المشهد الجزائري الراهن من منظور سياسي ودبلوماسي رصين تتطلب قدرا عاليا من المكاشفة والمصارحة التاريخية، بعيداً عن البريق المخادع والشعارات الفضفاضة التي يتربح منها إعلام الوصاية العسكرية، اذ لطالما استمر النظام العسكري الحاكم في فرض سيطرته الاستعمارية الداخلية، وتعميق قبضته الحديدية على مفاصل الدولة لمنع الشعب الجزائري العظيم من المطالبة بحريته المسلوبة وحقه المشروع في إقامة حكم مدني حر ومطلق.

هذا التعنت المنهجي لم يقتصر أثره المدمر على المصادرة السياسية وتكميم الأفواه فحسب، بل امتد لينحر جسد التنمية ويدمر البنيات التحتية في مختلف ولايات الجزائر التي أضحت تعاني من أوضاع كارثية ترقى إلى مصاف المناطق المنكوبة.

ومن المؤسف حقا أن نرى ولايات بأسرها، رغم غناها الفاحش بالثروات والمقدرات الطبيعية، تئن تحت وطأة التهميش الممنهج والاختناق التنموي غير المسبوق، بينما تهدر مقدرات الأمة بلا حسيب أو رقيب في تمويل آلة القمع والترهيب والبروباغندا العرجاء.

إن هذا الواقع المأساوي هو النتيجة الطبيعية لحكم عسكري غاشم يعتقد أن بقاءه الوجودي مرتبط ارتباطا وثيقا بإبقاء المواطن رهينة للخوف والعوز، حيث تتراجع أولويات الإنسان لتصبح في ذيل اهتمامات سلطة الأمر الواقع التي أدمنت الإثراء غير المشروع على حساب كرامة ومستقبل الأجيال.

وعند الانتقال إلى المشهد الخارجي، يظهر بوضوح تام أن هذا النظام بعيد كل البعد عن دبلوماسية العقلاء وأعرافها الراسخة؛ إذ طالما سن سياسات العداء الممجوج والمجاني مع العديد من الدول الشقيقة، والأمثلة على ذلك متعددة ومعلنة ولا تحتاج إلى برهان.

 إن هذا السلوك الدبلوماسي الأبكم، القائم على افتعال الأزمات ورفض منطق التعاون والتعايش، لا يحمل سوى معنى واحد لا جدال فيه: وهو أن عقلية النظام العسكري الشمولي في الجزائر لا تفكر مطلقا بعقلية الحكماء العقلاء الباحثين عن الاستقرار وبناء الجسور، بل تفكر بعقلية أخرى غارقة في هواجس التآمر والعداء وإدارة الثكنات المغلقة.

ولم يكتفِ هذا النظام بانتهاك حقوق شعبه وتجويع ولاياته وتكريس سياسات الإلهاء والفقر وصناعة العداء الخارجي، بل تجاوزت عقيدته الظلامية حدود الجغرافيا لتغدو الدبلوماسية العسكرية الجزائرية واجهة لتصدير الأزمات ورعاية شبكات الموت والإرهاب الإقليمي.

لقد أثبتت التقارير والدراسات الصادرة عن العديد من المنظمات الدولية الموثوقة تورط أجهزة هذا النظام المفضوح في احتضان وتوفير الملاذات الآمنة وتمويل عصابات عابرة للحدود، ومليشيات مسلحة طالما تورطت في إنعاش حروب العصابات، والمافيات، وعمليات التهريب، وتغذية بؤر التوتر الإقليمي والقاري.

إن رعاية الإرهاب وتوظيفه كأداة ضغط استراتيجية في الأجندة الدبلوماسية المأزومة أصبحت العقيدة غير المعلنة للجنرالات؛ فبدلا من بناء جسور التعاون وحسن الجوار واحترام السيادة الوطنية للدول، تخصص النظام في تصريف أزماته الداخلية عبر تصدير الفوضى الممنهجة وزعزعة استقرار محيطه الإقليمي.

 إن تمويل هذه المليشيات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة يعكس بوضوح طبيعة هذا الكيان الموبوء الذي يتغذى على الأزمات ويقتات على دمار الآخرين، مما يجعله خطرا جسيما لا يقتصر ضرره على الداخل الجزائري فحسب، بل يهدد الأمن والسلم الدوليين بأسرهما ويقوض كافة الجهود الدبلوماسية الرامية لتحقيق الاستقرار والرخاء في المنطقة.

إن التاريخ السياسي والدبلوماسي يعلمنا أن الأنظمة التي تقوم على الحديد والنار، وتقمع شعوبها في الداخل وتؤجج العداء وتمول الإرهاب في الخارج، هي أنظمة هشة بطبيعتها ومحكومة حتما بالسقوط تحت وطأة تناقضاتها البنيوية وعزلتها المتصاعدة.

 إن استمرار تدهور الأوضاع في الولايات الجزائرية، بالتوازي مع فضائح التورط الإقليمي والدولي الثابتة بالأدلة، يضع المجتمع الدولي والدوائر الدبلوماسية الحرة أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية لكشف حقيقة هذا النظام العسكري المأزوم ومحاسبته على سياساته المدمرة.

وإن الشعب الجزائري، بتاريخه النضالي العريق وتوقه الدائم للحرية والكرامة، لن يقبل إلى الأبد أن يظل أسيرا لهذه الوصاية البغيضة،وستظل أصوات الأحرار عالية تنادي بالخلاص الشامل، واضعة نصب أعينها حتمية بناء دولة مدنية حرة، سيادية، ومستقلة، تُعيد للجزائر مكانتها الطبيعية كدولة تنبض بالحياة والسلام، لا ثكنة عسكرية تدار بعقلية المافيات وعصابات الموت، مما يستدعي التفافا وطنيا ودوليا صارما لدعم تطلعات الشعب الجزائري نحو الانعتاق والسيادة المطلقة.

الكاتب

  • فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية من المغرب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا