- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونالأدب الشعبي .. من ابداع المهمشين الى ذاكرة العالم.

الأدب الشعبي .. من ابداع المهمشين الى ذاكرة العالم.

ا. اسامة كمال ابو زيد

لعل أعظم ما يميز الأدب الشعبي أنه لا يسكن في الكتب وحدها، وإنما يسكن بين الناس وداخل أرواحهم، فهو الذاكرة الحية لثقافة الشعوب،  التي لم تحفظها المؤسسات الرسمية، وإنما حملتها القلوب من جيل إلى جيل. ففي الحكاية التي ترويها جدة لحفيدها، وفي المثل الذي يختزل فيه  فلاح فقير أسرار حياته وتجربة عمره، وفي الأغنية التي ينبع لحنها من فرح الناس أو حزنهم، شيء لا يمكن العثور عليه في الكتب، شيء من روح الجماعة وهي ترى العالم وتفسره وتقاوم قسوته بالسخرية والحكمة والخيال.

الأدب الشعبي هو التاريخ الذي لم تكتبه كتب التاريخ. ففيه صورة الإنسان العادي كما عاش تفاصيل يومه وحياته، لا كما أرادت السلطة أو النخبة أن تراه؛ فيه أحلام الفقراء ومخاوفهم، حيلهم وانكساراتهم، ونظرتهم إلى الحب والموت والفقر والغنى والعدل والظلم. ولذلك فإن الحكاية الشعبية ليست حكاية مجانية للتسلية، والمثل الشعبي ليس مجرد عبارات  محفوظة، والأغنية الشعبية ليست لحنا محلقا في الفراغ ، فهى وثائق إنسانية، وإن كانت من نوع مختلف، وثائق كتبها الزمن على ألسنة البشر.

والمفارقة أن هذا الفن الأقرب إلى حياة الناس ظل زمنا طويلا بعيدا عن اهتمام النخبة. عشنا قرونا ونحن نرفع أدب النخبة والخاصة ونهمل أدب المهمشين والمنسيين، وكأن الثقافة لا تكتسب قيمتها إلا إذا خرجت من قلم مثقف أو شاعر أو أديب تعترف به الصفوة . لذلك كان طبيعيا حينها أن يكون أبطال الأدب ملوكا وأمراء وفرسانا، أما الإنسان العادي فمجرد عابر على بلاط أصحاب السلطة، وكأن الحياة التي يعيشها السواد الأعظم ليس لها علاقة بالفن .

ولم تكن الرواية في بداياتها، بعيدة عن هذه النظرة. يكفي أن نتذكر أن السير والتر سكوت أخفى اسمه حين نشر «ويفرلي» سنة 1814، في زمن لم تكن فيه كتابة الرواية قد بلغت مكانة الشعر، وكانت الكتابة القصصية تبدو أقل ملاءمة لرجل في مكانته الاجتماعية والمهنية. وفي مصر أيضا نشر محمد حسين هيكل «زينب» سنة 1914 موقعة باسم «فلاح مصري»، قبل أن يضع اسمه عليها، في واحدة من العلامات الكاشفة عن النظرة التي كانت تحيط بفن القصة آنذاك.

ولم يكن كتاب العربية الأشهر «ألف ليلة وليلة» نفسه بمنأى عن هذا المصير. فقد ظل الكتاب زمنا طويلا أقل مكانة من الشعر والنثر الرسمي، ونظر إليه بعض المثقفين بوصفه حكايات للتسلية، أو مادة موجهة للنساء والأطفال، بينما كان الكتاب يختزن بين طياته طبقات واسعة من المجتمع، ويجمع بين أصوات وحكايات ومخيلات تعبر عن حاجة العاديين من البشر لكنها لا تنتمي أو تعبر عالم القصور.

و من أغرب مفارقات الثقافة العربية: أن ما أهملناه نحن، حمله الآخرون إلى العالم. فمنذ ترجمة أنطوان جالان الفرنسية في أوائل القرن الثامن عشر، بدأت «ألف ليلة وليلة» رحلة طويلة في الأدب الأوروبي، ثم تحولت إلى جزء من الأدب العالمي، وتأثرت بها الرواية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، قبل أن تعود في القرن العشرين لتدخل في حوار واسع مع الرواية العربية الحديثة.

ولم يكن التأثير مجرد اقتباس حكاية من هنا أو شخصية من هناك؛ فقد اكتشف الأدباء والمثقفون في «ألف ليلة وليلة» شيئا أعمق،  اكتشفوا كيف توالد الحكايات من الحكايات، وكيف تصبح القصة إطارا لقصة أخرى، وكيف يظل السرد مفتوحا على احتمالات بلا نهاية . هذا  البناء القصصي أو السردي  كان واحدا من أسرار الكتابة التي أثرت في أجيال من الروائيين.

من هنا يمكن أن نفهم لماذا وجدنا ظلال «ألف ليلة وليلة» عند عدد كبير من الأدباء في الشرق والغرب. فهناك غوته، وفلوبير، وديكنز، وبوشكين، وتولستوي، وكونان دويل، وبروست، وإيتالو كالفينو، وجون بارث،  وغيرهم،

وفي الأدب العربي الحديث تبدو الصلة أكثر وضوحا. فقد استعاد توفيق الحكيم شهرزاد في مسرحيته «شهرزاد»، وكتب طه حسين «أحلام شهرزاد»، ثم جاء نجيب محفوظ ليعيد بناء عالم «ألف ليلة وليلة» في «ليالي ألف ليلة»، محولا الشخصيات والحكايات القديمة إلى أسئلة حديثة عن السلطة والحرية والإنسان. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن «ألف ليلة وليلة» لم تكن مجرد تراث يعاد انتاجه، وإنما أداة فنية يستخدمها الروائي العربي لإعادة قراءة الواقع نفسه.

ثم عبرت الحكاية إلى مكان أبعد، إلى أمريكا اللاتينية، حيث وجدت عالما أدبيا شديد التعلق بالأسطورة والحكايات العجائبية التي تختبئ فى ظلال  الحياة اليومية. ويأتي خورخي لويس بورخيس في مقدمة هؤلاء؛ فقد كان «ألف ليلة وليلة» جزءا من ذاكرته الأدبية، وظهرت إشاراتها بصورة صريحة أو ضمنية في عدد من قصصه، من «حديقة المسالك المتشعبة» إلى «الزهير» و«تقرير برودي» و«كتاب الرمل». ولم يكن بورخيس ينظر إلى الليالي باعتبارها حكايات شرقية بعيدة عن ثقافته، بل باعتبارها جزءا من الذاكرة الإنسانية التي تعيد تشكيل وعي الكاتب بالعالم.

ومن بورخيس يمكن أن نمد الخيط إلى عالم الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، فقد وجدت الدراسات صلات واضحة بين تقنيات «ألف ليلة وليلة» وبين بعض الأعمال التي أعادت تقديم العجيب بوصفه جزءا طبيعيا من الحياة، وهو ما يظهر بصورة خاصة في قراءة أثر الليالي في عالم جابرييل جارثيا ماركيز. فعوالمه السردية ليس فيها حدود بين الممكن والمستحيل، وتتعامل مع العجائب باعتبارها جزء أصيل من الحياة ، وجدنا ذلك في عوالم روايته الأشهر «مئة عام من العزلة» حيث تحولت  الذاكرة والأسطورة والتاريخ والحياة اليومية الى طبقات متجاورة في عالم واحد.

ولم يتوقف الأمر عند بورخيس وماركيز؛ فقد اتسع حضور الليالي في أدب أمريكا اللاتينية، وظهر في سياقات مختلفة لدى كتاب مثل الروائية التشيلية إيزابيل الليندي، والروائى الفنزويلى أرتورو أوسلار بييتري  .. حتى البرازيلى  باولو كويلو قدم شهادة مباشرة لا تحتاج إلى تأويل؛ حين أكد ان روايته المعروفة «الخيميائي»  ليست متأثرة بالكتاب المقدس كما يظن البعض لكنها خرجت من ظلال « ألف ليلة وليلة». وهكذا يصل أثر الحكاية الشعبية إلى أعمال حديثة حققت انتشارا عالميا واسعا.

وهذه الرحلة الطويلة تكشف شيئا أهم من مجرد تأثير أعمال أدبية  فى أخرى: تكشف أن الحكاية الشعبية قادرة على عبور الحدود، ولا تعرف  لغة واحدة، ولا وطنا واحدا، ولا زمنا واحدا. تتغير وتتبدل لكنها تحتفظ في رحلة مكانية أو زمانية بشيء من روحها وسحرها .

وربما لهذا ظلت «ألف ليلة وليلة» قادرة على أن تدخل في الرواية الأوروبية، ثم الرواية العربية، ثم الواقعية السحرية، ثم السينما والمسرح والتلفزيون، من دون أن تفقد قدرتها على دهشة المتلقين.

ولم يكن الشعر بعيدا عن سحر الليالي. فقد وجد الشعراء في شخصياتها ورموزها مادة خصبة لإعادة اكتشاف ذواتهم وأسئلتهم؛ فالسندباد لم يعد مجرد بحار يجوب البحار بحثا عن المجهول، وإنما تحول إلى رمز للرحلة والاغتراب والبحث عن الذات، وصارت شهرزاد رمزا للصوت الذي يقاوم الصمت بالحكاية، بينما ظل شهريار في بعض التجارب الشعرية وجها آخر للسلطة والخوف والرغبة في امتلاك الحكاية. وفي الشعر العربي الحديث، حضرت رموز «ألف ليلة وليلة» عند شعراء مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمود درويش، لتدخل الحكاية القديمة في أسئلة الإنسان الحديث عن الوطن والمنفى والموت والحرية. ولم يكن ذلك خاصا بالشعر العربي؛ ففي الشعر الإنجليزي كتب ألفرد تينيسون قصيدته «ذكريات الليالي العربية»، بينما استعاد ووردزورث أثر قراءته المبكرة لليالي في شعره. وهكذا لم تعد الحكاية الشعبية مادة للسرد وحده، وإنما أصبحت لغة شعرية جديدة تستعير من الماضي رموزه لتقول شيئا عن الحاضر.

الحكاية الشعبية أيضا لم تكن يوما حكايات عن الماضي، بل  كانت تجربة روحية لفهم الحاضر وفض الغازه، فحين تحكي الأم لطفلها عن الفقير الذي ينتصر على الغني، أو عن الرجل الذي تنقذه حيلته من ظلم أقوى منه، فهي لا تبغى تسليته فقط، وإنما تمنحه صورة عن العالم، وتقول له، من حيث لا تدري، إن الضعف ليس دائما نهاية الحكاية، وإن الإنسان يستطيع بالذكاء والصبر والخيال أن يجد منفذا في جدار الواقع القاسي.

ولعل هذا هو سر الحياة في الأدب الشعبي : فن خلق ليعيش. لم  يحتاج إلى مؤسسة لتحرسه ، ولا إلى ناقد يمنحه شهادة ميلاده. واكتفى بأن يتناقله الناس حتى صار جزءا منهم. وكلما تغيرت الحياة، أعادوا تشكيله بما يناسبهم ويناسب حياتهم . 

وإذا كان الأدب المكتوب يحفظ لنا أسماء مبدعيه، فإن الأدب الشعبي يحفظ لنا روح الجماعة. وإذا كان الكتاب يحمل توقيع صاحبه، فإن الحكاية الشعبية تحمل توقيع أجيال كاملة.

ولهذا تظل الحكاية التي تقال في بيت فقير، والمثل الذي يولد في قرية بعيدة، والأغنية التي يرددها الناس في العمل، أكثر من مجرد بقايا من زمن مضى. إنها نبض الحياة اليومية وهي تتحول إلى فن، وذاكرة الشعوب وهي تنقب عن طريقة للبقاء فى ذاكرة الأجيال.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا