- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونالطبيب المزيف ـ قصة قصيرة.

الطبيب المزيف ـ قصة قصيرة.

أ. أمين الساطي*

“أنا لستُ مثلك، ولا مثل الجالسين حولنا. اتسعت حدقتا عينيه وهو يحملق في وجهي وبدا عليه الانزعاج، فتابعتُ حديثي: “أنا طبيب، عملتُ في مديرية صحة دمشق لأكثر من ثلاثين سنة، ومرّ على رأسي آلاف من أمثال هؤلاء الحمقى الجالسين معنا.” فأومأ برأسه موافقاً. ” بعد بلوغي الستين، أحالوني إلى التقاعد، ناسين سنوات خدمتي الطويلة. أصبحتُ أعيش وحدي في بيتٍ كبيرٍ من خمس غرف. انفصلتُ عن زوجتي منذ أكثر من عشر سنوات، وهاجر ابني الوحيد إلى ألمانيا. وبالرغم من نصائح أختي المتكررة بضرورة الزواج من شابة صغيرة، لكي أستعيد شبابي وأستمتع بحياتي، إلا أنني كنتُ خائفاً من التغيير. ولقتل الوحدة والفراغ، افتتحتُ عيادتي الخاصة. ونظراً لخبرتي الطويلة، توقعتُ أن تكتظّ بالمرضى، لكن سوء الحظ بدأ يلازمني. “وقد لا تصدق، لكن عيادتي كانت تمضي يوماً كاملاً من دون أن يدخلها إلا مريض أو مريضان.” فأيقنت أنّ عيناً أصابتني، وأصبح شغلي الشاغل أن أجد صاحب هذه العين. سكتُّ قليلاً، وأنتظرت منه أن يسألني: ومن وجدت؟ لكنه لم يسأل. كان ينظر إلى الباب بتوتر، ثم مال نحوي وهمس: “دكتور، لا تقل هذا بصوت عالٍ، سيغضب الأبطال.” قلت: “أي أبطال؟” قال: “هؤلاء الذين حولنا. كلهم أبطال. هذا الذي يظن نفسه طياراً أسقط مئة طائرة ولم يطِر يوماً، وهذا الذي يظن نفسه نبياً ولم يحفظ آية، وأنا…” قاطعته: “وأنت؟” قال بفخر: “أنا البطل الذي كشفك.” تجمد الدم في عروقي. “كشفني؟” وقف، واتجه نحو الممر وصاح بأعلى صوته: “يا دكتورة! يا دكتورة! لقد وجدتُ الطبيب المزيف!” جاءت الممرضة مسرعة. نظرت إليّ، ثم إليه، ثم قالت له بنبرة حازمة اعتدتُ سماعها: “أحسنت يا أستاذ فؤاد، تفضل إلى غرفتك، انتهى وقت الاستراحة.” ثم التفتت إليّ، وابتسمت تلك الابتسامة التي أحفظها جيداً، وقالت: “وأنت يا دكتور أمين، كفى قصصاً لليوم. موعد حبة الدواء قد حان. وبالمناسبة، عيادتك الخاصة؟ لقد أغلقناها منذ ثلاث سنوات، يوم أحضرتك أختك إلى هنا أول مرة.” . أخذت الحبة من يدها بصمت نظرت إلى المقعد المقابل. كان فارغاً. مددت يدي لأصافح الرجل الذي كنت أحدثه طوال الساعة الماضية… فصافحت الهواء. ابتسمت الممرضة، وأغلقت باب الجناح.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا