ملخص الدراسة
أحدث التحول الرقمي تغيرًا عميقًا في طرائق إنتاج المعلومات وتداولها وتلقيها، فلم تعد وسائل الاتصال الحديثة مجرد قنوات لنقل الأخبار، بل تحولت إلى فضاءات تتنافس داخلها جهات متعددة على تشكيل التصورات العامة وتوجيه الاهتمامات والتأثير في الثقة بالمؤسسات والقضايا الوطنية. وقد أتاح الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانات واسعة لإنتاج النصوص والصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو، بما في ذلك المحتويات المفبركة التي يصعب على الجمهور غير المتخصص التمييز بينها وبين المواد الحقيقية.
تنطلق هذه الدراسة من بحث انعكاسات هذه التحولات على المغرب، في سياق يتسم بتزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، وتسارع تداول الأخبار، واحتدام التنافس على تشكيل الصور والسرديات المرتبطة بالدول ومصالحها الاستراتيجية. وتتناول الدراسة آليات التضليل الرقمي، وعلاقته بصناعة الإدراك العام، وانعكاساته المحتملة على التماسك الاجتماعي والثقة المؤسسية والصورة الخارجية للمملكة، مع إيلاء أهمية خاصة للقضايا الوطنية التي تتطلب تداولًا دقيقًا للمعلومات، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.
وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مع توظيف المقاربة الاستراتيجية والاستفادة من الأدبيات الدولية ذات الصلة بنزاهة المعلومات وحوكمة المنصات الرقمية. وتخلص إلى أن مواجهة التضليل لا تتحقق بمجرد نفي الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، بل تتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على سرعة التواصل المؤسساتي، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتطوير آليات التحقق المستقل، ورفع مستوى الشفافية، وتنمية القدرات الوطنية في رصد المحتوى المصطنع، ضمن إطار يحترم القانون وحرية التعبير والتعددية.
مقدمة
لم تعد المنافسة بين الدول محصورة في امتلاك الموارد الاقتصادية أو التفوق التكنولوجي أو القدرات العسكرية والدبلوماسية؛ فقد أصبحت المعلومات نفسها أحد الموارد الاستراتيجية التي تتحدد من خلالها صورة الدول، وتتأثر بها اتجاهات الرأي العام، وتُبنى على أساسها مواقف الأفراد والمؤسسات. وفي بيئة الاتصال الرقمي، لا تكمن أهمية المعلومة في مضمونها وحده، بل أيضًا في توقيت نشرها، وطريقة تقديمها، ومدى انتشارها، والجهات التي تعيد تداولها، والسياق الذي توضع فيه.
وقد أتاح الانتشار الواسع للمنصات الاجتماعية للأفراد والمؤسسات الوصول إلى جمهور كبير دون المرور بالضرورة عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. وأسهم ذلك في توسيع إمكانات التعبير والمشاركة، وتسهيل الوصول إلى المعرفة، لكنه أوجد في الوقت نفسه بيئة يمكن أن تنتشر فيها المعلومات غير الدقيقة والمحتويات المضللة بسرعة تفوق قدرة الجمهور على التحقق منها.
وازداد هذا التحدي تعقيدًا مع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي خفّضت كلفة إنتاج المحتوى، وأتاحت إنشاء صور وتسجيلات وأصوات ومقاطع مرئية تحاكي الواقع بدرجات متفاوتة من الإقناع. ولم يعد التضليل يتطلب بالضرورة شبكة واسعة من المحترفين؛ إذ يمكن لأفراد أو مجموعات محدودة إنتاج مواد كثيرة، وتكييفها مع شرائح مختلفة من الجمهور، ثم توزيعها عبر حسابات متعددة.
وفي هذا السياق، يواجه المغرب تحديًا يتجاوز التعامل مع الأخبار الكاذبة بوصفها أخطاء صحفية أو شائعات عابرة. فالمسألة ترتبط أيضًا بقدرة المجتمع على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين النقد المشروع والتلاعب المتعمد، وبقدرة المؤسسات على توفير معلومات موثوقة في الوقت المناسب، وبمدى استعداد الفضاء الإعلامي الوطني للتعامل مع المحتوى المصطنع والتأثيرات الرقمية العابرة للحدود.
وتتضاعف أهمية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية والاستراتيجية، أو بالسياسات العامة، أو بصورة المملكة في محيطها الإقليمي والدولي. فالمعلومات المتداولة في هذه المجالات قد تُستخدم لتفسير الأحداث أو تضخيمها أو إخراجها من سياقها، وقد تؤثر في تصورات الجمهور حتى عندما لا تستند إلى أدلة كافية.
ولا يعني ذلك أن كل نقد للمغرب أو اختلاف في تقييم سياساته يمثل تضليلًا، كما لا يجوز افتراض أن كل رواية مخالفة للموقف الوطني صادرة عن حملة منظمة. فالتقييم العلمي يقتضي التمييز بين الاختلاف المشروع، والخطأ غير المقصود، والمحتوى المضلل، والعمليات المنسقة التي تستهدف التأثير في الجمهور. ويقتضي كذلك عدم نسبة أي حملة إلى جهة داخلية أو خارجية من دون قرائن موثوقة.
من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مغربية تجمع بين حماية المجتمع من التلاعب المعلوماتي، وتطوير قدراته على التحقق، وتعزيز حضور المعلومات الدقيقة، وصون الحقوق والحريات. فالمناعة المعلوماتية لا تُبنى بمنع تداول الآراء، وإنما بتهيئة بيئة يستطيع فيها المواطن الوصول إلى الحقائق ومقارنتها ومساءلة مصادرها.

أولًا: الإطار المنهجي للدراسة
.1.1 إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي:
كيف يستطيع المغرب تعزيز مناعة مجتمعه المعلوماتية وصون وعيه العام ومصالحه الاستراتيجية في مواجهة التضليل الرقمي المتطور، ولا سيما في ظل الإمكانات الجديدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، مع ضمان حرية التعبير والتعددية وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من التساؤلات:
- ما الفروق بين المعلومات الخاطئة والتضليل المتعمد والمعلومات الصحيحة المستخدمة في سياقات مضللة؟
- كيف تسهم الخوارزميات والعوامل النفسية والاجتماعية في انتشار السرديات الرقمية؟
- ما أبرز المجالات التي يمكن أن يتأثر فيها الوعي العام المغربي بالمحتوى المضلل؟
- كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أدوات إنتاج المحتوى المفبرك وأساليب كشفه؟
- ما الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها المؤسسات الإعلامية والتعليمية والبحثية والجهات العامة والمنصات الرقمية؟
- كيف يمكن تطوير مفهوم السيادة المعلوماتية دون تحويله إلى مبرر للرقابة غير المتناسبة أو تقييد النقد المشروع؟
.1.2 فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من أربع فرضيات أساسية:
- الفرضية الأولى: يتوقف أثر التضليل الرقمي على تفاعل مضمون الرسالة مع سرعة انتشارها، ومصداقية مصدرها الظاهر، واستعداد الجمهور لتصديقها، وليس على كذب محتواها وحده.
- الفرضية الثانية: يزيد الذكاء الاصطناعي من قدرة الجهات المختلفة على إنتاج محتويات مضللة بسرعة وكلفة أقل، لكنه يوفر في المقابل أدوات يمكن استخدامها للتحقق والرصد والتحليل.
- الفرضية الثالثة: لا تكفي الاستجابة التصحيحية بعد انتشار الشائعة؛ إذ تتطلب المواجهة الفعالة مؤسسات موثوقة، وتواصلًا استباقيًا، وتربية إعلامية، وتعاونًا بين مختلف مكونات المجتمع.
- الفرضية الرابعة: ترتبط السيادة المعلوماتية بقدرة المغرب على إنتاج المعرفة الموثوقة، وتطوير الخبرات الوطنية، وفهم بيئته الرقمية، والتعامل مع المنصات العابرة للحدود، مع احترام القانون والحقوق الأساسية.
.1.3 أهمية الدراسة وأهدافها
تنبع أهمية الدراسة من اتصال الموضوع بالأمن المجتمعي، والثقة العامة، وجودة النقاش العمومي، وصورة المغرب، وقدرة مؤسساته على التواصل في أوقات الأزمات. كما تتصل بالحاجة إلى تطوير مقاربة وطنية لا تختزل التحدي في الجانب التقني، بل تشمل التربية والإعلام والحكامة والبحث العلمي.
وتهدف الدراسة إلى توضيح طبيعة التضليل الرقمي وآلياته، وتحليل علاقته بتشكيل الإدراك العام، وقراءة انعكاساته المحتملة على البيئة المغربية، ثم اقتراح مسارات عملية لتعزيز النزاهة المعلوماتية والقدرات الوطنية على المواجهة.
ثانيًا: التضليل الرقمي من اضطراب المعلومات إلى توجيه الإدراك
.2.1. التمييز بين الخطأ والتضليل
يُعد ضبط المفاهيم شرطًا ضروريًا لأي سياسة فعالة. فالمعلومات الخاطئة هي معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة قد يتداولها أصحابها من دون قصد الخداع. أما التضليل المتعمد، فيقوم على إنتاج معلومات كاذبة أو محرّفة أو تقديمها بطريقة مضللة بهدف التأثير أو الخداع أو الإضرار. وهناك أيضًا معلومات صحيحة قد تُستخدم بصورة مؤذية عندما تُنتزع من سياقها أو تُعرض بطريقة تخفي جوانب أساسية منها.
وتساعد هذه التفرقة على تجنب الخلط بين الخطأ البشري والاختلاف في الرأي والعملية التضليلية المنظمة. فليس كل خطأ خبرًا زائفًا متعمدًا، وليس كل محتوى مثير للجدل دليلًا على وجود حملة منسقة.
وقد شددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها Facts not Fakes الصادر عام 2024 على أن الاستجابة الفعالة ينبغي أن تعزز نزاهة البيئة المعلوماتية وتنوع مصادرها وشفافيتها، بدل اختزال المشكلة في التحكم في محتويات منفردة. [1]
.2.2 كيف تُصنع الرواية المضللة؟
لا يعتمد التضليل دائمًا على اختلاق واقعة كاملة. فقد يبدأ بصورة حقيقية تُرفق بتعليق غير صحيح، أو تصريح قديم يُقدَّم بوصفه جديدًا، أو رقم صحيح يُحذف سياقه، أو مقطع مرئي مجتزأ يوحي بمعنى مختلف عن مضمونه الأصلي.
وقد يُبنى التضليل كذلك على تكرار ادعاء غير مثبت عبر حسابات متعددة، بما يمنحه مظهر الانتشار الواسع أو القبول الاجتماعي. وقد تستخدم الرسالة لغة انفعالية حادة، أو تستند إلى الخوف والغضب والشعور بالتهديد، بهدف دفع المتلقي إلى المشاركة قبل التحقق.
ومن هنا، لا يكفي فحص الجملة منفردة؛ بل ينبغي النظر في مصدرها وتاريخها وسياقها والأدلة التي تسندها، وكذلك في الطريقة التي تُقدَّم بها للجمهور.
2.3 . من نقل المعلومات إلى صناعة التصورات
تتجاوز بعض أشكال التضليل نشر معلومة خاطئة، لتعمل على بناء تصور متكامل عن شخص أو مؤسسة أو دولة. وقد يتحقق ذلك من خلال انتقاء وقائع معينة، وتكرارها، وربطها بإيحاءات عاطفية، وتجاهل المعطيات التي قد تغيّر تفسيرها.
وفي هذه الحالة، لا يكون التأثير مرتبطًا برسالة واحدة، بل بتراكم رسائل صغيرة تسهم في تشكيل انطباع عام. وقد تُستخدم وقائع صحيحة جزئيًا، أو آراء، أو تكهنات، أو محتويات مصطنعة في بناء سردية تبدو متماسكة رغم ضعف أدلتها.
ولهذا، فإن مواجهة التضليل تتطلب فهم السياق الذي تتشكل فيه التصورات، وليس الاقتصار على نفي كل ادعاء على حدة. كما تستلزم تجنب المبالغة في وصف كل تأثير إعلامي بأنه عملية تلاعب؛ فالتأثير في الرأي العام قد يحدث أيضًا من خلال الإعلام المشروع والنقاش السياسي والتجارب الاجتماعية الطبيعية.

ثالثًا: الخوارزميات والذكاء الاصطناعي وتحولات التأثير
3.1 . اقتصاد الانتباه وسرعة الانتشار
تتنافس المنصات الرقمية على جذب انتباه المستخدمين وإبقائهم متفاعلين. وفي هذا السياق، قد تحظى المواد المثيرة أو الصادمة أو المثيرة للجدل بمشاركة واسعة، لا لأنها أكثر دقة، بل لأنها تستثير مشاعر قوية وتدفع إلى التعليق وإعادة النشر.
وتستخدم المنصات أنظمة توصية تختلف في تصميمها وأهدافها، وقد تؤثر هذه الأنظمة في ترتيب المحتوى الذي يظهر للمستخدم. غير أن انتشار مادة ما لا يثبت وحده وجود تلاعب منظم، كما لا يصح افتراض أن جميع الخوارزميات تعمل بالطريقة نفسها.
وتكمن المشكلة حين تتفاعل آليات الانتشار السريع مع ضعف التحقق، فتصل المعلومة المضللة إلى جمهور واسع قبل أن تتمكن الجهات المختصة أو المؤسسات الإعلامية من توضيح حقيقتها.
3.2 .العوامل النفسية والاجتماعية
لا يتلقى الناس المعلومات بوصفهم متلقين محايدين دائمًا. فقد يميل الفرد إلى تصديق ما ينسجم مع قناعاته السابقة، أو ما يصدر عن مجموعة يثق بها، أو ما يؤكد مخاوفه وتوقعاته. وقد يؤدي التكرار إلى زيادة الألفة مع الادعاء، بما يجعل بعض الأشخاص أكثر استعدادًا لقبوله حتى في غياب أدلة جديدة.
وتزداد صعوبة التحقق عندما تكون الرسالة مرتبطة بالهوية أو الانتماء أو قضية وطنية أو خلاف سياسي. فالمتلقي قد يتعامل مع المعلومة التي تؤيد موقفه بقدر أقل من التدقيق، بينما يشكك في المعلومة المخالفة له.
ولا تعني هذه الملاحظات أن الجمهور عاجز عن التفكير النقدي، بل تؤكد أهمية بناء عادات عملية للتحقق: التوقف قبل المشاركة، والعودة إلى المصدر الأصلي، والبحث عن تأكيد مستقل، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات والاستنتاجات.
3.3 الذكاء الاصطناعي: اتساع الإمكانات وتعقد التحقق
أدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولًا مهمًا في صناعة المحتوى الرقمي. فقد أصبح بالإمكان إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مرئية اصطناعية خلال وقت قصير، وتعديلها وفق لغة الجمهور أو اهتماماته. كما يمكن استخدام أدوات آلية للمساعدة في إدارة الحسابات أو تلخيص الأخبار أو إنشاء رسائل متعددة الصيغ.
وتشمل المخاطر المحتملة:
- إنشاء صور أو تسجيلات صوتية أو مقاطع مرئية تنسب أقوالًا أو أفعالًا إلى أشخاص لم تصدر عنهم.
- تقليد أسلوب المؤسسات الإعلامية أو استخدام هويات بصرية مشابهة لمصادر موثوقة.
- إنتاج كميات كبيرة من التعليقات والرسائل التي تمنح انطباعًا بوجود تأييد أو رفض واسع.
- ترجمة السرديات المضللة وتكييفها مع جماهير تتحدث لغات مختلفة.
- إعادة تدوير مواد قديمة وإخراجها من سياقها مع إضافة عناصر مصطنعة.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتضليل حصرًا؛ إذ يمكن توظيفه أيضًا في رصد أنماط الانتشار، ومقارنة نسخ المحتوى، وتحليل البيانات، ودعم التحقق اللغوي والبصري. غير أن أدوات الكشف الآلي ليست معصومة من الخطأ، ولا تكفي وحدها لإثبات أن مادة معينة مصطنعة أو أن جهة بعينها تقف وراء نشرها.
وتتطلب المواجهة لذلك الجمع بين الأدوات التقنية والتحقق البشري والمصادر الأصلية والخبرة الصحفية والقانونية.
رابعًا: التضليل الرقمي في التنافس الجيوسياسي
4.1 . المعلومات مورد من موارد النفوذ
أصبحت المعلومات والسرديات الرقمية أحد الموارد المؤثرة في تشكيل النفوذ داخل العلاقات الدولية؛ فلم يعد تأثير الدول مرتبطًا فقط بقدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، بل بات مرتبطًا أيضًا بقدرتها على بناء صورتها العامة، والتأثير في تصورات الرأي العام، وتوجيه النقاشات المتعلقة بأدوارها الإقليمية والدولية. فالصورة الرقمية للدولة تؤثر في فهم سياساتها، وفي مواقف المستثمرين والشركاء، وفي طبيعة التفاعل معها داخل الفضاءين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، قد تسعى جهات مختلفة إلى إبراز جوانب محددة من سياسات دولة ما، أو التقليل من شأن إنجازاتها، أو تقديم مواقفها ضمن سياقات انتقائية تخدم أهدافًا سياسية أو استراتيجية. ولا يُعد هذا السلوك، في حد ذاته، تضليلًا بالضرورة؛ إذ يمكن أن يندرج ضمن التنافس الإعلامي وتعدد وجهات النظر. غير أنه يتحول إلى تضليل عندما يقوم على اختلاق الوقائع، أو تحريف الأدلة، أو اجتزاء المعلومات بصورة متعمدة، أو ترويج ادعاءات كاذبة بهدف التأثير في الإدراك العام وصناعة مواقف مبنية على معلومات غير صحيحة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتقاطع مع المصالح الجيوسياسية، إذ يمكن للمحتوى المضلل أن يتجاوز حدود الخبر الكاذب ليصبح وسيلة للتشكيك في سياسات الدول، وإضعاف الثقة بمؤسساتها، والتأثير في صورتها الخارجية. ومع ذلك، فإن إثبات وجود حملة تضليل منظمة يستلزم أدلة تتجاوز مجرد انتشار محتوى سلبي أو متكرر؛ ويقتضي فحص مضمون الرسائل، وتوقيت ظهورها، وأنماط تداولها، والعلاقات بين الحسابات الناشرة، وما يتوافر من قرائن موثوقة بشأن التنسيق والجهات المسؤولة.
4.2 .دروس من التجارب الدولية
تُظهر التجارب الدولية أن التضليل الرقمي يتخذ أشكالًا متعددة في سياقات الانتخابات والأزمات الصحية والكوارث والنزاعات المسلحة. فقد تُعاد مشاركة صور قديمة باعتبارها توثق أحداثًا جارية، أو تُنسب تصريحات إلى مسؤولين لم يدلوا بها، أو تُقدَّم تقديرات أولية وغير مؤكدة على أنها حقائق نهائية. كما أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي إمكان إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية يصعب على الجمهور غير المتخصص التحقق من صحتها بمجرد المشاهدة.
وتكشف هذه التجارب عن ثلاثة دروس أساسية. أولها أن الفراغ المعلوماتي، الناجم عن غياب التوضيح أو تأخره، يوفر بيئة ملائمة لانتشار الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة. وثانيها أن التصحيح اللاحق لا يضمن الوصول إلى الجمهور نفسه الذي تلقى المحتوى الأصلي، ولا يضمن تراجع أثره في الوعي العام. أما الدرس الثالث، فيتمثل في محدودية الردود التي تكتفي بالنفي المجرد، من دون تقديم الأدلة وتوضيح مصادر المعلومات والفصل بين الوقائع المؤكدة والمسائل التي لا تزال قيد التحقق.
ومن ثم، فإن مواجهة التضليل لا تتحقق بمجرد إصدار بيانات التصحيح، بل تتطلب منظومة متكاملة تقوم على الشفافية، وسرعة التواصل، وتعدد مصادر التحقق، والتعاون مع وسائل الإعلام والجامعات ومراكز البحث، إلى جانب تطوير التربية الإعلامية والرقمية. فكلما امتلك الجمهور أدوات أفضل لتمييز الخبر الموثوق من المحتوى المضلل، تراجعت قابلية استغلاله في حملات التأثير والتلاعب.

4.3 . التضليل الرقمي في المحيط الإقليمي للمغرب: إسبانيا والجزائر نموذجًا
يكتسب التضليل الرقمي أهمية خاصة في المحيط الإقليمي للمغرب، حيث تتداخل القضايا السياسية والدبلوماسية والهجرة والحدود مع التنافس على تشكيل الروايات الإعلامية وصورة الدولة لدى الرأي العام. وقد برزت هذه الإشكالية بصورة ملموسة خلال صيف 2026، في سياق أحداث سبتة أواخر يوليوز، عندما انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي رسائل مضللة تزعم أن الحدود الإسبانية أصبحت مفتوحة أمام المهاجرين، مستندة إلى تأويلات غير دقيقة لحكم قضائي إسباني. ووفق تقارير إعلامية وتصريحات رسمية إسبانية، أسهم تداول هذه الرسائل في حشد أعداد كبيرة من الأشخاص نحو سبتة.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير استخباراتي مفتوح المصدر نقلته وسائل إعلام مغربية إلى وجود مجموعات على تطبيق واتساب، استُخدمت فيها أرقام ذات مفتاح الاتصال الجزائري، ضمن شبكات تداولت معلومات وتوجيهات مرتبطة بمحاولات العبور. غير أن وجود هذه الأرقام أو تداول المحتوى عبر مجموعات مرتبطة بها لا يكفي، بمفرده، لإثبات مسؤولية الدولة الجزائرية أو وجود قيادة مركزية رسمية للحملة؛ وهو تمييز ضروري بين الوقائع المتعلقة بانتشار المحتوى وبين الاستنتاجات الخاصة بالجهات التي قد تكون وراءه.
وتتجاوز أهمية هذه الحالة تفاصيل الواقعة نفسها، لأنها تكشف كيف يمكن للمعلومة المضللة أن تتحول إلى عامل مؤثر في السلوك الجماعي، وأن تنتقل من المجال الافتراضي إلى تداعيات ميدانية تمس تدبير الحدود والهجرة والعلاقات بين الدول. كما تبرز الحاجة إلى التعامل النقدي مع المحتوى المتداول بشأن المغرب في بعض المنابر والحسابات الجزائرية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالقضايا السيادية أو العلاقات الثنائية؛ إذ ينبغي إخضاع الادعاءات للفحص والتحقق، بدل اعتبار كل انتقاد للمغرب تضليلًا، أو افتراض أن تكرار رواية معينة يثبت صحتها أو يثبت وجود تنسيق وراء نشرها.
وتوضح هذه الحالة أن التحدي الذي يواجه المغرب لا يقتصر على الرد على الأخبار الكاذبة بعد انتشارها، بل يشمل أيضًا القدرة على اكتشافها مبكرًا، وتوفير معلومات دقيقة بشأنها، وتقديم التوضيحات بالسرعة واللغات المناسبتين، وتعزيز حضور المصادر الموثوقة في الفضاء الرقمي. كما تفرض تطوير آليات للرصد والتحليل تميز بين التفاعل الطبيعي للمستخدمين والتضخيم المنسق للمحتوى، وبين النقد الإعلامي المشروع ومحاولات التلاعب المتعمد بالوقائع.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي اختزال السيادة المعلوماتية في مواجهة روايات الدول الأخرى، بل في بناء قدرة وطنية مستدامة على إنتاج المعلومات الموثوقة، وتفسير الوقائع، وتفنيد الادعاءات بالأدلة، وحماية المجال العام من التلاعب، مع احترام حرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.

4.4 .حدود المقارنة مع التجارب الأخرى
على الرغم من أهمية الاستفادة من التجارب الدولية والإقليمية، فإن نقل نماذج مكافحة التضليل إلى المغرب بصورة آلية قد يؤدي إلى نتائج محدودة؛ ذلك أن طبيعة البيئة الإعلامية، والتعدد اللغوي، وأنماط استخدام المنصات الرقمية، ومستويات الثقة في المؤسسات، والخصوصيات السياسية والاجتماعية، كلها عوامل تؤثر في أشكال التضليل وفي سبل مواجهته.
لذلك، ينبغي أن تقوم المقاربة المغربية على الاستفادة من المبادئ التي أثبتت أهميتها، مثل تعددية المصادر، والتحقق المستقل، وشفافية المنصات، والتربية الإعلامية، والتواصل الاستباقي، مع تكييفها وفق الحاجات الوطنية. كما يتطلب نجاح هذه المقاربة وضع مؤشرات واضحة لتقييم فعاليتها، لا الاكتفاء بحجم الموارد المرصودة أو عدد البيانات الصادرة، بل قياس سرعة تصحيح المعلومات، ومدى وصول التصحيحات إلى الجمهور المعني، وتحسن قدرات التحقق، ومستوى الثقة في المصادر الموثوقة.
وخلاصة هذا القسم أن التنافس الجيوسياسي في العصر الرقمي لم يعد يدور حول السيطرة على تدفق المعلومات فحسب، بل حول القدرة على التأثير في تفسيرها وتوجيه دلالاتها. ومن ثم، فإن تعزيز موقع المغرب في هذا المجال يقتضي الانتقال من الاستجابة الظرفية للأخبار المضللة إلى بناء منظومة متكاملة للوعي الرقمي والسيادة المعلوماتية، قوامها المعرفة الدقيقة، والسرعة في التواصل، والتحقق المستقل، والتمييز الصارم بين الوقائع المثبتة والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة.
خامسًا: المغرب والبيئة المعلوماتية الوطنية
5.1 .التحول الرقمي وتحدي الثقة
يتيح اتساع استخدام المنصات الرقمية في المغرب فرصًا مهمة لتبادل المعرفة، وتوسيع النقاش العام، والتعريف بالمبادرات الوطنية، وتقريب المعلومات من المواطنين. لكنه يجعل البيئة المعلوماتية أكثر تعقيدًا، لأن المحتوى ينتقل بين الحسابات الشخصية والمجموعات والمنصات والمؤسسات الإعلامية، وقد يُعاد نشره بعيدًا عن مصدره الأول.
ويصعب تقدير حجم التضليل الوطني من خلال الأمثلة المتداولة أو الانطباعات الشخصية وحدها. فالتقييم الدقيق يحتاج إلى بيانات عن أنماط الانتشار، وأنواع المحتوى، واللغات المستخدمة، والفئات المتأثرة، ومصادر التحقق، ومدى وصول التصحيحات إلى الجمهور.
ومن هنا، فإن الخطوة الأولى في بناء سياسة وطنية فعالة تتمثل في فهم الظاهرة محليًا: ما الموضوعات الأكثر تعرضًا للشائعات؟ ما الفترات التي يرتفع فيها تداول المعلومات غير الدقيقة؟ وما القنوات التي يعتمد عليها الجمهور للحصول على الأخبار؟ وكيف تختلف هذه الأنماط بين الفئات العمرية والمناطق واللغات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب تعاونًا بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإعلامية والجهات المعنية، مع احترام الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.
5.2 .القضايا الوطنية والصراع على السرديات
تكتسب المعلومات المرتبطة بالقضايا الوطنية والاستراتيجية أهمية خاصة، لأن طريقة عرضها قد تؤثر في فهم الجمهور للأحداث وفي صورة المغرب خارج حدوده. وتبرز في هذا السياق قضية الصحراء المغربية، إلى جانب القضايا المرتبطة بالدبلوماسية والتنمية والشراكات الاقتصادية والأدوار الإقليمية للمملكة.
وقد تتعرض هذه الموضوعات لتداول معلومات مجتزأة أو ادعاءات غير موثقة أو صور ومقاطع قديمة يعاد تقديمها بوصفها حديثة. كما قد تظهر تفسيرات متباينة للحدث الواحد، بعضها يستند إلى مصادر معلنة، وبعضها الآخر إلى تكهنات أو روايات لا تتوافر لها أدلة كافية.
لكن التعامل العلمي مع هذه الحالات لا يقتضي افتراض أن كل رواية مخالفة للموقف المغربي مضللة، ولا أن كل نقد لسياسة وطنية جزء من حملة معادية. فالتمييز بين النقد والتضليل شرط لمصداقية الخطاب الوطني نفسه.
وتستند المواجهة الأكثر فاعلية إلى توفير معلومات موثقة يسهل الوصول إليها، وتقديم السياق التاريخي والقانوني والسياسي عند الحاجة، وتصحيح الادعاءات غير الدقيقة بسرعة، والاستعانة بمصادر متعددة ومستقلة، وتجنب المبالغة أو استخدام معلومات لا يمكن إثباتها.
كما أن تعزيز حضور المغرب في الفضاء الرقمي لا يتحقق من خلال الرد على كل منشور، بل عبر إنتاج معرفة رصينة بلغات متعددة، وإتاحة الوثائق والمعلومات ذات الصلة، وتطوير المحتوى الإعلامي والثقافي والعلمي الذي يساعد الجمهور الداخلي والخارجي على فهم المملكة بصورة أعمق.

5.3 .الصورة الدولية بين الاتصال الاستراتيجي والمصداقية
تتكون صورة الدول من مصادر متعددة، تشمل السياسات الفعلية، والتجارب التي يمر بها الأفراد، والتغطيات الإعلامية، والمنتجات الثقافية، والتواصل الدبلوماسي، والمحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية.
ولهذا، فإن تحسين صورة المغرب لا ينبغي أن يُختزل في مواجهة المحتوى السلبي أو زيادة الرسائل الترويجية. فالمصداقية تتطلب تقديم معلومات دقيقة، والإقرار بالوقائع المثبتة، وتوضيح السياسات والنتائج، والإجابة عن التساؤلات المشروعة.
وقد تؤدي الرسائل المبالغ فيها أو غير المسندة إلى نتائج عكسية، لأنها تضعف الثقة في المصدر وتمنح منتقديه فرصًا إضافية للتشكيك فيه. أما التواصل المبني على الأدلة، فيتيح تصحيح المعلومات الخاطئة من دون إنكار الحقائق أو التقليل من أهمية النقد.
ومن ثم، فإن الاتصال الاستراتيجي الأكثر فاعلية هو الذي يجمع بين وضوح الرسالة وجودة الأدلة، وبين القدرة على التفاعل مع الجمهور والاستماع إلى تساؤلاته.
5.4 .الأزمات والكوارث والسياسات العامة
يمكن أن تصبح الأزمات بيئة خصبة لانتشار الشائعات، لأن الجمهور يبحث عن معلومات عاجلة في ظل عدم اليقين. وينطبق ذلك على الكوارث الطبيعية، والأزمات الصحية، والحوادث الكبرى، والاضطرابات الاقتصادية، وغيرها من الأحداث التي تؤثر في الحياة اليومية.
وقد تنتشر في مثل هذه الظروف معلومات غير مؤكدة عن حجم الأضرار أو أسبابها أو المسؤولية عنها، أو نصائح غير موثوقة قد تؤثر في قرارات الأفراد.
وتتطلب الاستجابة الفعالة تحديد جهة اتصال واضحة، ونشر المعلومات المؤكدة بانتظام، والإشارة صراحة إلى ما لم تتضح تفاصيله بعد، وتحديث البيانات عند ظهور أدلة جديدة. كما ينبغي تصحيح المعلومات الخاطئة في القنوات التي انتشرت فيها، وبصياغة واضحة يمكن للجمهور فهمها ومشاركتها.
ولا يعني ذلك أن كل تأخر في الإعلان دليل على وجود تضليل؛ فقد تكون هناك اعتبارات مهنية أو قانونية أو تقنية تفسر عدم توافر المعلومات فورًا. غير أن التواصل الواضح بشأن حدود المعرفة المتاحة يساعد على الحد من الفراغ الذي قد تملؤه الشائعات.
سادسًا: نحو مفهوم عملي للسيادة المعلوماتية المغربية
6.1 .ما السيادة المعلوماتية؟
تُستخدم السيادة المعلوماتية هنا بوصفها مفهومًا تحليليًا يشير إلى قدرة الدولة والمجتمع على فهم بيئتهما المعلوماتية، وإنتاج المعرفة الموثوقة، والوصول إلى البيانات ذات الصلة، وحماية الأنظمة والبنى الرقمية، والتعامل مع مخاطر التلاعب بالمعلومات.
ولا تعني السيادة المعلوماتية السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات، أو احتكار تفسير الأحداث، أو منع الآراء المخالفة. كما لا تعني أن كل محتوى ضار يمكن حذفه بقرار إداري أو تقني.
بل تتعلق ببناء قدرات مستدامة تشمل الخبرة الوطنية، والبنية التكنولوجية، والبحث العلمي، والإعلام المهني، والشفافية المؤسسية، والتعاون الدولي، والقدرة على تقييم المخاطر والاستجابة لها وفق القانون.
ومن هذا المنظور، فإن السيادة المعلوماتية ليست جدارًا يعزل المجتمع عن العالم، وإنما قدرة على التعامل مع تدفق المعلومات بوعي واستقلالية وكفاءة.
6.2 .السيادة المعلوماتية ونزاهة البيئة الإعلامية
تُظهر الأدبيات الدولية أن مواجهة التضليل تصبح أكثر استدامة عندما تركز على جودة البيئة المعلوماتية ككل، لا على المحتوى المنفرد فقط. ويقترح تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2024 ثلاثة اتجاهات مترابطة: تعزيز شفافية مصادر المعلومات ومساءلتها وتعددها، وبناء قدرة المجتمع على مقاومة التضليل، وتطوير الحوكمة والمؤسسات ذات الصلة. [1]
وتنسجم هذه المقاربة مع الحاجة إلى تطوير البيئة المعلوماتية المغربية من خلال:
- تشجيع الإعلام المهني القادر على إنتاج معلومات دقيقة ومستقلة.
- تسهيل وصول المواطنين إلى المعلومات العامة الموثوقة.
- تعزيز التواصل المؤسساتي في القضايا التي تهم الجمهور.
- تطوير مهارات التحقق لدى الصحفيين والباحثين والمواطنين.
- دعم البحث العلمي في أنماط التضليل والانتشار الرقمي.
- تعزيز الشفافية في السياسات المتعلقة بالمنصات والمحتوى الرقمي.
ولا يمكن أن تنجح هذه العناصر بصورة منفصلة؛ إذ إن ضعف أحدها قد يقلل من أثر العناصر الأخرى. فالتربية الإعلامية، مثلًا، تصبح أقل فاعلية عندما يصعب على المواطن الوصول إلى معلومات موثوقة، كما أن التواصل الرسمي يفقد تأثيره عندما يتأخر أو يفتقر إلى الأدلة.
6.3 .التوازن بين حماية المجتمع وحرية التعبير
يمثل التمييز بين مكافحة التضليل وتقييد التعبير إحدى أهم المسائل التي ينبغي أن تراعيها أي سياسة عامة في هذا المجال. فالتعريف الواسع أو الغامض للمحتوى المضلل قد يؤدي إلى الخلط بين الادعاءات الكاذبة والآراء المخالفة، أو بين النقد المشروع والإضرار المتعمد.
وتؤكد إرشادات اليونسكو بشأن حوكمة المنصات الرقمية أهمية المقاربة متعددة الأطراف التي تشمل الدول والمنصات والإعلام والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، مع جعل حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات جزءًا أساسيًا من الحل. [2]
وعليه، ينبغي أن تتسم التدابير الرامية إلى الحد من التضليل بالوضوح والتناسب، وأن تستند إلى معايير قابلة للفحص، مع توفير آليات للطعن والمراجعة عند اتخاذ قرارات تؤثر في المحتوى أو الحسابات.
كما ينبغي عدم التعامل مع التصحيح بوصفه أمرًا يقتصر على النفي الرسمي؛ فالمعلومات التي يمكن للجمهور فحصها ومقارنتها تكون أكثر قدرة على بناء الثقة من الرسائل التي تطلب التصديق من دون إظهار الأدلة.
سابعًا: إطار مقترح لتعزيز المناعة المعلوماتية في المغرب
لا تقدم الدراسة هذا الإطار بوصفه برنامجًا حكوميًا قائمًا أو وصفًا لإجراءات نُفذت بالفعل، بل بوصفه مقترحًا تحليليًا يمكن دراسته وتطويره بالتعاون بين الجهات المعنية.
7.1 .إنشاء آلية بحث ورصد متعددة الأطراف
يمكن دراسة إمكانية تطوير شبكة وطنية للبحث ورصد التضليل الرقمي، تجمع الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإعلامية وخبراء التقنية والجهات المعنية، وفق اختصاصات واضحة وضمانات تحمي الاستقلالية والحقوق.
ولا ينبغي أن تتحول هذه الآلية إلى جهاز يصنف الآراء السياسية أو يراقب المواطنين على أساس مواقفهم. بل يكون تركيزها على تحليل الظواهر العامة، ورصد أنماط انتشار المحتوى المشكوك فيه، ودراسة أساليب التلاعب، ونشر تقارير منهجية تستند إلى الأدلة.
ومن المفيد أن تتضمن أعمالها تقارير دورية عن أنواع المحتوى المضلل، والموضوعات التي تكثر حولها الادعاءات غير الدقيقة، ومدى سرعة تصحيحها، وأنماط استخدام المحتوى المصطنع. وينبغي نشر المنهجية وحدود البيانات، حتى يستطيع الباحثون تقييم النتائج ومناقشتها.

7.2 .تعزيز التربية الإعلامية والرقمية
لا يمكن بناء المناعة المعلوماتية بالاعتماد على المؤسسات وحدها؛ فالمواطن هو الحلقة اليومية التي تصل إليها المعلومات وتنتقل عبرها. لذلك، ينبغي أن تشمل التربية الإعلامية والرقمية مهارات عملية، من بينها:
- التحقق من المصدر الأصلي وتاريخ النشر.
- البحث عن أدلة مستقلة تؤكد الادعاء.
- استخدام البحث العكسي عن الصور متى كان متاحًا.
- التمييز بين الخبر والرأي والتحليل والإعلان.
- التعرف إلى علامات الاجتزاء والتلاعب بالسياق.
- إدراك أن كثرة المشاركات لا تثبت صحة المحتوى.
- التعامل بحذر مع التسجيلات والأصوات والصور التي تبدو واقعية بصورة لافتة.
ويمكن إدماج هذه المهارات تدريجيًا في الأنشطة التعليمية والتكوينية، وفي برامج تدريب الصحفيين، وورشات الجمعيات، والمبادرات الموجهة إلى الفئات الأقل خبرة بالتقنيات الرقمية.
ويجب ألا تقتصر هذه البرامج على التحذير من الأخبار الكاذبة، بل أن تعلم الجمهور كيفية التحقق بنفسه، وألا تجعل الشك في كل معلومة بديلًا عن التفكير النقدي.
7.3 تطوير التواصل المؤسساتي الاستباقي
قد تنشأ الشائعات في بعض الحالات بسبب غياب المعلومات أو تأخرها أو صعوبة الوصول إليها. ولذلك، فإن تطوير التواصل المؤسساتي يمثل عنصرًا أساسيًا في الاستجابة.
ويشمل ذلك نشر البيانات الأساسية في الوقت المناسب، وتوضيح ما هو مؤكد وما يزال قيد التحقق، وتقديم الوثائق والأرقام كلما أمكن، وتحديث المعلومات عند تغير المعطيات. كما ينبغي إعداد آليات اتصال واضحة للأزمات، مع تحديد المسؤوليات وقنوات النشر المعتمدة.
ويُستحسن أن تتضمن الرسائل التصحيحية عرض الادعاء محل التحقق، وبيان الأدلة المتاحة، وشرح مصدرها، وتحديد ما لا يمكن الجزم به. فالتصحيح الذي يفسر سبب الخطأ أكثر فائدة من نفي مقتضب لا يتيح للجمهور تقييم الوقائع.
7.4 . بناء قدرات وطنية في التحقق من المحتوى المصطنع
يستدعي تطور الذكاء الاصطناعي تدريب مختصين في التحقق من الصور والفيديو والتسجيلات الصوتية، وتحليل البيانات الرقمية، وتوثيق الأدلة. كما يتطلب تطوير بروتوكولات واضحة للتعامل مع المواد المشكوك فيها قبل نشرها أو اعتمادها في التقارير.
ومن المهم أن تُستخدم أدوات الكشف الآلي بوصفها مؤشرات مساعدة، لا أحكامًا نهائية. فقد تخطئ هذه الأدوات في تصنيف محتوى حقيقي على أنه مصطنع، أو تفشل في اكتشاف مادة جرى تعديلها بمهارة.
ولذلك ينبغي الجمع بين الفحص التقني والعودة إلى المصدر الأصلي، ومقارنة النسخ المتاحة، والتحقق من التاريخ والمكان والسياق، والاستعانة بخبراء مستقلين عندما تكون المسألة ذات أثر كبير.
7.5. . تعزيز التعاون مع المنصات الرقمية
تنتشر كثير من المواد عبر منصات تعمل على نطاق دولي، الأمر الذي يجعل معالجة بعض الحالات أكثر تعقيدًا من حيث الوصول إلى البيانات أو فهم أنماط الانتشار أو الإبلاغ عن المحتوى المخالف للسياسات المعلنة.
ويمكن للمغرب، عبر الأطر القانونية والمؤسساتية المناسبة، تعزيز الحوار مع المنصات بشأن شفافية سياسات الإشراف على المحتوى، وسرعة التعامل مع البلاغات الموثقة، ووضوح آليات الاعتراض، وتوفير معلومات مجمعة تساعد الباحثين على فهم المخاطر.
ويجب أن يقوم هذا التعاون على معايير معلنة وإجراءات قابلة للمراجعة، لا على مطالب عامة بحذف كل محتوى ينتقد المؤسسات أو يختلف مع توجهاتها. فالمعيار ينبغي أن يكون طبيعة المخالفة والأدلة المتاحة، لا مجرد موقف صاحب المحتوى.
7.6 . دعم الإعلام المهني والبحث العلمي
يشكل الإعلام المهني أحد أهم مصادر التحقق العام، لكنه يحتاج إلى بيئة تسمح له بالعمل بكفاءة واستقلالية، وإلى تدريب مستمر على الأدوات الرقمية الجديدة.
كما تستطيع الجامعات ومراكز البحث تقديم إسهام نوعي من خلال دراسات ميدانية حول عادات استهلاك الأخبار، ومستويات الثقة بالمصادر، وأنماط انتشار الشائعات، وتأثير المحتوى الاصطناعي في الجمهور المغربي.
ويُستحسن تشجيع دراسات تراعي تنوع البيئة اللغوية والثقافية للمغرب، بما يشمل العربية والأمازيغية والفرنسية وغيرها من اللغات المستخدمة في المجال العام، بدل افتراض أن أنماط التضليل واحدة في جميع البيئات.
ويمكن للمؤسسات الإعلامية والمنصات البحثية المستقلة، ومنها MAROCINSIGHT، أن تسهم في هذا المجال عبر نشر مواد تفسيرية موثقة، وتقديم ملفات تحقق، واستضافة متخصصين، وتوضيح الفروق بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المؤكدة.
7.7 .اعتماد مؤشرات لتقييم النتائج
لا يكفي إطلاق مبادرات للتوعية أو إنشاء وحدات للرصد من دون قياس أثرها. ويمكن اعتماد مؤشرات تساعد على تقييم التقدم، مثل:
- الوقت المستغرق لتصحيح الادعاءات المؤثرة بعد التحقق منها.
- نسبة المواد التصحيحية التي تتضمن مصادر أصلية وأدلة قابلة للفحص.
- مستوى معرفة الجمهور بمهارات التحقق الأساسية.
- عدد الدراسات المنشورة حول التضليل الرقمي في المغرب وجودتها المنهجية.
- مدى تنوع مصادر المعلومات الموثوقة وسهولة الوصول إليها.
- مستوى التعاون بين الإعلام والجامعات والمؤسسات ذات الصلة.
- قدرة المؤسسات على توضيح المعلومات أثناء الأزمات.
ويجب تحديد خطوط أساس لهذه المؤشرات قبل الحكم على التحسن، وتجنب استخدام عدد البلاغات أو المحتويات المحذوفة وحده معيارًا للنجاح؛ إذ قد يعكس ارتفاعها زيادة في الوعي أو توسعًا في نطاق الرصد، ولا يدل بالضرورة على زيادة التضليل أو انخفاضه.
ثامنًا: التحديات والقيود التي ينبغي أخذها في الحسبان
8.1 .صعوبة قياس الظاهرة
لا يمكن قياس التضليل الرقمي من خلال عدد المنشورات المتداولة فقط، لأن الانتشار لا يساوي التأثير، كما أن بعض المحتويات لا تُشاهد إلا من قبل عدد محدود من الأشخاص رغم أهميتها في سياق معين.
وتتطلب الدراسة الدقيقة التمييز بين حجم المحتوى، وعدد من وصل إليهم، ومدى تصديقهم له، وما إذا كان قد غيّر مواقفهم أو سلوكهم. وهذه مستويات مختلفة تحتاج إلى أدوات بحثية متنوعة، من تحليل المحتوى إلى الاستبيانات والمقابلات ودراسات الانتشار.

Morocco, vector 3d flag on blue background with hud interfaces
8.2 .خطر المبالغة في تفسير النوايا
قد يكون المحتوى خاطئًا بسبب الجهل أو الاستعجال أو سوء الفهم، وليس نتيجة خطة منظمة. وقد تنشر حسابات عديدة المادة نفسها لأنها نقلتها من مصدر مشترك، لا لأنها تعمل بتنسيق متعمد.
ولهذا، ينبغي أن يتطلب وصف نشاط ما بأنه عملية تضليل منسقة أدلة تتجاوز مجرد التشابه في الخطاب أو التزامن في النشر. كما ينبغي التمييز بين ثبوت خطأ الادعاء وثبوت نية الخداع، فالأول لا يثبت الثاني تلقائيًا.
8.3 .محدودية أدوات الكشف التقني
تتطور تقنيات إنشاء المحتوى الاصطناعي وتعديله باستمرار، بينما تتغير أدوات الكشف وأساليبها. وقد يؤدي الاعتماد الحصري على مؤشر تقني واحد إلى نتائج مضللة.
لذلك، فإن أفضل الممارسات تجمع بين عدة أنواع من الأدلة، وتعلن مستوى الثقة في النتيجة، وتتيح المراجعة عندما تكون المخاطر مرتفعة. كما ينبغي تصحيح الأحكام الخاطئة علنًا عندما يتبين أن مادة ما صُنفت بصورة غير دقيقة.
8.4 .التوازن بين الأمن والحقوق
إن حماية المجال المعلوماتي هدف مشروع، لكنها لا تلغي الحاجة إلى ضمانات قانونية واضحة. فالتدابير غير المتناسبة قد تضعف الثقة، وتحد من النقاش العام، وتخلط بين النقد والتضليل.
ويقتضي النهج المتوازن أن تكون القواعد محددة، وأن تتناسب الإجراءات مع الضرر المثبت، وأن تتوافر سبل للاعتراض والمراجعة. كما ينبغي أن تكون الشفافية والمساءلة جزءًا من منظومة المواجهة، لا اعتبارات ثانوية يمكن تجاوزها باسم الحماية.
خاتمة
أصبح التضليل الرقمي أحد التحديات المرتبطة بتحولات البيئة الإعلامية العالمية، لا بسبب انتشار المعلومات غير الدقيقة وحده، بل بسبب قدرة بعض الرسائل على التأثير في تصورات الجمهور وثقته وأولوياته، وبسبب الإمكانات التي أتاحها الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مقنعة يصعب التحقق منها بالوسائل التقليدية وحدها.
وبالنسبة إلى المغرب، تبرز أهمية الموضوع في علاقته بجودة النقاش العام، والثقة بالمؤسسات، والتعامل مع الأزمات، والصورة الدولية للمملكة، والقضايا الوطنية والاستراتيجية. غير أن هذه الأهمية لا تبرر افتراض وجود حملة تضليل في كل حالة خلاف أو نقد، ولا تسمح بنسبة أنشطة منسقة إلى جهات محددة من دون أدلة موثوقة.
وتبين الدراسة أن المواجهة الفعالة تبدأ من فهم طبيعة الظاهرة، وتحديد مصادر المعلومات، والتمييز بين الخطأ والتضليل، وتحليل السياق الذي تنتشر فيه الرسائل. كما تتطلب الانتقال من منطق رد الفعل إلى بناء منظومة طويلة الأمد تعزز قدرة المجتمع على التحقق، وتوفر معلومات موثوقة، وتدعم الإعلام المهني والبحث العلمي، وتطور الخبرات الوطنية في التعامل مع المحتوى الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، لا ينبغي النظر إلى السيادة المعلوماتية باعتبارها احتكارًا للرواية أو تحكمًا شاملًا في الفضاء الرقمي، بل باعتبارها قدرة وطنية ومجتمعية على إنتاج المعرفة والوصول إليها، وفهم آليات التأثير، وحماية الأنظمة الرقمية، والتعامل مع المعلومات على أساس الأدلة. وهي بذلك تتكامل مع حرية التعبير والتعددية، ولا ينبغي أن تتحول إلى نقيض لهما.
وتؤكد الدراسة أهمية تطوير تعاون مؤسساتي يجمع الجهات العامة والإعلام والجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني والمنصات الرقمية، مع توزيع واضح للمسؤوليات وآليات شفافة لتقييم النتائج. كما تبرز الحاجة إلى دراسات ميدانية مغربية تقيس حجم الظاهرة وخصائصها وآثارها، بدل الاكتفاء بالانطباعات أو استيراد استنتاجات من تجارب مختلفة.
وفي المحصلة، لا تُقاس قوة المجتمع المعلوماتية بقدرته على إسكات الأصوات المخالفة، وإنما بقدرته على تمييز الحقيقة من الادعاء، وتصحيح الخطأ، ومساءلة مصادر المعلومات، ومقاومة التلاعب من دون التضحية بحقوق المواطنين. فالمجتمع الذي يمتلك المعرفة وأدوات التحقق والثقة القائمة على الشفافية يكون أكثر قدرة على مواجهة التضليل، وأكثر استعدادًا للتعامل مع التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
إن تعزيز السيادة المعلوماتية للمغرب يبدأ من المواطن الواعي، والمؤسسة الشفافة، والإعلام المهني، والبحث العلمي الرصين، والتكنولوجيا المسؤولة. ومن تفاعل هذه العناصر تتكون مناعة معلوماتية مستدامة تساعد المملكة على حماية مصالحها، وتعزيز حضورها في الفضاء الرقمي، والتعامل مع المنافسة على السرديات بالمعرفة والحجة والمصداقية.
المراجع
- منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). (2024). Facts not Fakes: Tackling Disinformation, Strengthening Information Integrity. OECD Publishing, Paris. DOI: https://doi.org/10.1787/d909ff7a-en.
- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO). (2023). Guidelines for the Governance of Digital Platforms: Safeguarding Freedom of Expression and Access to Information through a Multi-stakeholder Approach. UNESCO, Paris. ISBN: 978-92-3-100620-3.
- Wardle, Claire, and Hossein Derakhshan. (2017). Information Disorder: Toward an Interdisciplinary Framework for Research and Policy Making. Council of Europe, Strasbourg.
- Lazer, David M. J., et al. (2018). “The Science of Fake News.” Science, Vol. 359, No. 6380, pp. 1094–1096. DOI: https://doi.org/10.1126/science.aao2998.
- Allcott, Hunt, and Matthew Gentzkow. (2017). “Social Media and Fake News in the 2016 Election.” Journal of Economic Perspectives, Vol. 31, No. 2, pp. 211–236. DOI: https://doi.org/10.1257/jep.31.2.211.
- Castells, Manuel. (2009). Communication Power. Oxford University Press, Oxford.
- Pariser, Eli. (2011). The Filter Bubble: What the Internet Is Hiding from You. Penguin Press, New York.
- Sunstein, Cass R. (2017). #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media. Princeton University Press, Princeton.
- World Economic Forum (WEF). (2026). The Global Risks Report 2026. World Economic Forum, Geneva.


