أ. اسعد الجبوري*
عوالم بيضاء دُوْنَ حدود.وأصواتٌ تمشي على سطور من حرير له رائحة العواطف السينمائية ذات الدموع الزرقاء.إنها الرحلة للسبر والتأمل.لذا فكلما تقدمنا خطوة بذلك الطيران، سرعان ما توالدت فينا الرغبة للامساك بالرياح.
كانت تدور حول نفسها بفستان أحمر أشبه بطائرة مسيرّة منتشية بطاقة فيها الكثير من التجلّي والحزن والهوس بكل ما هو أسطوري يُنعش الأنّفس ويأخذها بعيداً عن مسارها القديم.
هناك التقينا بالشاعرة الأمريكية لويز جلوك.تركت كلّ ما كان بيدها من بصمات أصابع وعطور ومفردات عارية،لتطفئ محرك الطائرة الصغيرة بعد أن هبطت بنا على خارطة تملأها طيور ((الهندورا)) ذات الأجنحة البلورية المُشعة بالأزرق.كانت الكؤوس فارغة مثل النجوم التي كانت تحيط بنا من الجهات العميقة للغات الفناء الحديثة.
لم تمض دقائق حتى فتحت الشاعرة الأمريكية لويز جلوك جسدها بواسطة السَحَاب لتخرج منه وتجلس أمامنا من أجل هذا الحوار. سألنا الشاعرة :
س:ما الذي كان يُسحركِ على تلك الأرض؟
ج- المرآة في الصالون.
س:وكيف كان انطباعك حين رأيت عليها صورة لويز؟
ج-رأيتُ نفسي قطعةً إثر قطعة حتى انتهيت.
س:انتهتِ من أي شيء يا لويز؟
ج-انتهيتُ من قراءة أول فصول حياتي يوم كنت مراهقةً وفي صراع مع الطعام.كنت بلا شهية إطلاقاً.
س:وماذا وجدت في تلك المراهقة ؟
ج- لم تمنح المراهقةُ للشاعر أو للشاعرة شكلها النهائي.بل تمضي باختراع الأشكال لصيرورتها البيولوجية والشوكولاتوية لجسدها.
س:هل كان جسدي يحاكي أشجار الكاكاو يا لويز ؟
ج-نعم.مرةً رأيت في منامي شجرة كاكاو تخرج من فمي وعليها الكثير من العنادل والعصافير والجراد والأغاني.
س:هل كان الجراد يحب الشكولاتو كما تعتقدين؟
ج-لا. كان يخصني بحبه ،وربما فضّلَ العيش على ما في جسدي من حزن .
س:هل يولد الحزن مع الشعر؟
ج- بالتأكيد.ولولاه لكان الشعر اختفى من الوجود.
س:لِمَ تعتقدين ذلك برأيك ؟
ج-لأن الحزن هو الشاحن المستخدم من قبل اللغة لاستجرار الطاقات للشعر والتفاعل مع مراكز قوى التخيل.
س: وما نوع تلك الطاقات المستجرّرة للشعر برأيك؟
ج- أعتقد إنها الطاقة الإيروسية التي تبطن الحواس ورَحِم اللغة.
س:هل يمكن التنبؤ بمسار تلك القوة الإيروسية في القصيدة؟
ج-لا أعتقد ذلك.
س:ولِمَ لا تعتقدين بذلك.هل ثمة أسباب مثلاً؟
ج- نعم. فلا يمكن ضبط مسار تلك القوة المتجدّدة حتى في حالات السكوت أو السبات، لأن البنية الجنسية تحمل بداخلها بذرة مقاومة لفكرة تحوّل الشعر إلى حجر.
س:ألا تعتقدين بأن في العُزلة تدهوراً لفكرة تلك البذّرة المناوئة لتحويل الشعر إلى حجر والشاعر إلى نهر ممنوع من التجفيف؟
ج- العُزلة في الشاعر الذكي أمةٌ من الأحلام والمعارف والجنون والأساطير .كلّ شيء في العُزلة يبدأ ولا يعرف أين ينتهي به المغني الأعظم للوجود.
س:ربما ينتهي به في العدم.ألا تعتقدين بذلك يا لويز؟
ج- الحبُّ في العُزلةِ استكشافٌ باهرٌ لمجاهيل الغرام في غرف الجسد وكهوفه الباطنية.
س:هل مرّرتِ أنتِ بتلك المصيبة الباطنية ؟
ج-نعم. وكانت قاسية على شبكة الأعصاب والأسطر التي تهديها الملائكة للشاعر قبل الكتابة أو الطيران .
س:هل كانت الكتابة عند لويز نوعاً من الطيران ؟
ج- ليس دائماً. كنتُ أفضلُ مصاحبة ملك الروك أند رول ألفيس بريسلي والنزول معه إلى العالم السفلي.
س:هل الموسيقى وعاءٌ للشعر؟
ج-أظنها ذلك الوعاء الأوبرالي المضطرب للجسد بنسخته الشعرية أولاً.
س:كأنكِ تتحدثين عن جسد نيويورك ،تلك المدينة التي ولدت بين أبراجها المعدنية. أليس كذلك يا لويز؟
ج-بالتأكيد. على الرغم من أن رَحِم نيويورك معدني،إلا أنه في الكثير من الأحايين ينزف بمخلوقات من طراز حيويّ من لحم ودم فوّار.
س: هل تأخذ أرواح الشعراء أشكال المدن وتصاميمها الهندسية برأيك؟
ج-كثيراً ما يحدث ذلك التأثير المتبادل ما بين الطرفين وإن بشكل خفي ساكت.
س:لكي تبرز قوة الشعر وتصبح أكثر جاذبية للقارئ،عليها تحمل ذنوب اللغة.ما رأيك بمقولة من هذا النوع؟
ج- نعم. وأول تلك الذنوب المتراكمة تقود إلى فتح باب التسامح مع القراءات العمياء والنزول بالنصوص إلى الهاوية.
س:هل تحملين مصباحاً بصدرك؟
ج- لا. أنا أحب الشموع حين تأخذ معها الليل إلى غابات الأنّفس العميقة.
س:من أجل حرق ما في القلوب من آلام وعواطف وأثاث قديم مثلاً ؟
ج- في الكثير من الأحايين تتحوّل القلوب إلى مداخن تشق طريقها من اللُحوم إلى أعالي الغيوم .
س:من أجل الوصول إلى الله؟
ج-لا شّك بذلك.فالوصول إلى هناك يضمن عودة الوعي إلى الموتى لإنتاج ما يمكن إنتاجه من طاقات روحية تتجسد في النصوص وتتلاقح بالرياح السرمدية التي تستمر بالدوران كتلك الهالات النورانية الخارج من التنقيح الأخير لتراب الوجود الأول.
س:هل تقصدين بالوجود الأول ،هو الضوء الرومانسي الباطني كلقطة عائلية تجمع الحياة والعدم ؟
ج-بالضبط.أنا ورثتُ وعياً من ذلك الطراز وتجذّرتُ بترابه حتى تحققت من وجوده فيما بعد الموت.
س:كيف يموتُ الشعرُ يا لويز؟
ج-حين نستمرُ بالحياة طويلاً .
س:وماذا بخصوص موت الشاعر؟
ج- يحدث ذلك حين يتلبس الشاعرُ الثياب الأخلاقية ولا يخضع لخواص أزياء الخيّاطين في أسواق الشيطلائكة.
س:كمْ من الكتب الفارغة التي مرّرتِ بها في حياتك؟
ج- هناك الكثير من الكتب التي قامت النيرانُ بمعالجتها من أجل راحة الأعين والأذهان ومنصات التاريخ.
س:وكيف تتم عمليات تلك المعالجة ؟
ج- قد تتم بواسطة الرماد لتعبئة الفراغات أو تحويلها إلى رموز يُعوّل عليها في ما يُسمى تفكيك الغموض أو إصلاح النصوص .
س:بقوة من تستطيع الشاعرة النمو في عقل القارئ؟
ج- بقوة الشغف.
س:الشغف بمنْ يا لويز ؟
ج-بالمخلوقات التي لم تفقد شهواتها بالتأكيد. مع إنني تعافيت من نيران الحب ،إلا أنني وقعت لقمة سائغة للحشرات السرطانية ومن ثم لتنتقل العدوى إلى القصائد.
س:وهل فشلت القصائد بمنع المرض من الانتشار في الجسد اللغوي ؟
ج-أنا امرأة وجدت نفسها وشعرها في زجاجة مغلقة رُمي بها إلى المحيطات الشاسعة لأصبح من ملكيات الكون.
س:أكان ذلك الوضع المرضي طبيعياً بالنسبة للشعر ،وأكثر تفرّداً ،كأن ينجب من تلك الآلام لغةً بسيرورة تجعل الموت وعياً دون خوف.
ج-بالضبط. كان المرضُ ظلاً لنسختي الأولى.
س: كيف تنظرين إلى جسدك يوم تنقطع الحرارةُ في حواسه وخلاياه؟
ج-كلما كانت غزوة الموت سريعة نحو الجسد،كلما صار منقذاً ومناوئاً لتخريب الجسد وتفكيكه إلى قطع غيار .
س:كيف كان طعم جائزة نوبل للآداب عام 2020 . هل تذوقت شيئاً من الديناميت الذي نجح الفريد نوبل في اختراعه عام 1867 ؟
ج- هذا سؤال تأنيبي بامتياز .إلا إنني لن أتهرب منه.فذلك الديناميت أذاق البشرية طعم الموت وجعل المدن انقاضاً لا تألفها حتى أعين الوحوش ومفردات القصائد بعد أن التهمت النيرانُ لغة الوجود وأسكتت ما في المعاجم والقواميس من كائنات.
س:ألا تعتقدين بأن ثمة من يستخدم تلك المادة الديناميتية في السموات؟
ج- لا أظن ذلك.ففي هذي الفضاءات لا وجود لنار أو حرائق.فما بعد الموت لا تجد أحداً يستعمل الوقود الأحفوري أو الديناميت.
س:حتى في جهنم ؟
ج- بالتأكيد.فلا وجود لمخلوق وصل إلى هناك، وجاءتنا رائحةُ لحمه المحترق.الدياناتُ كلها مجرّد حكي يتبنى استراتيجية الإخافة والتخويف والخوف لإخضاع البشرية.
س:كأن جمال العالم الآخر أفضل مما كنت عليه في عالم الأرض .أليس كذلك لويز؟
ج-أنا ما زلت في طور الكاميرة .أحدق بذّرات أكوان تدور في حلقات لا نهائية لأكتشف ذاتي كثمرة لسينمائيات الأرواح الميلاتونينية بدعم مناعة الشعر في ساعة الزمن البيولوجية .
س:كمْ من المرّات خرجت من تحت التراب ؟
ج-هي مَرّة واحدة التي غادرت فيها قبري. وجئت إلى هنا لأنتشر .



