لم تعد قضية الصحراء المغربية محصورة في المواقف الدبلوماسية التقليدية، بل باتت تتقاطع مع تحولات سياسية داخل دول إفريقية مؤثرة، وفي مقدمتها جنوب إفريقيا، التي دأب حزب المؤتمر الوطني الإفريقي على تبني موقف داعم لجبهة البوليساريو. غير أن صعود حزب «أومخونتو وي سيزوي» (MK)، بقيادة الرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، وإعلانه دعم السيادة المغربية على الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية للمملكة، يفتح مجالًا جديدًا أمام الدبلوماسية المغربية، ويطرح تساؤلات بشأن مستقبل المقاربة التقليدية لبريتوريا.
وقد اكتسب هذا التطور أهمية إضافية بعد استطلاع للرأي أجرته مؤسسة MarkData ونشرت نتائجه قناة «eNCA» الجنوب إفريقية في 25 أكتوبر 2026. وأظهر الاستطلاع تقدم حزب MK في نوايا التصويت بمنطقة إيثيكويني، التي تضم مدينة ديربان، بنسبة 48 في المائة، مقابل 25.2 في المائة للتحالف الديمقراطي و14.5 في المائة للمؤتمر الوطني الإفريقي. وأُجريت المقابلات خلال الفترة الممتدة من 10 أغسطس إلى 14 سبتمبر 2026، ضمن استطلاع شمل ست بلديات كبرى، مع هامش خطأ يقارب ثلاث نقاط مئوية لكل بلدية. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه النتائج باعتبارها مؤشرًا على نوايا التصويت، لا نتيجة انتخابية محسومة.
وتعكس هذه الأرقام تحولات في المشهد الحزبي الجنوب إفريقي، لكنها لا تكفي وحدها لاستنتاج تغير السياسة الخارجية للبلاد. ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي: هل يستطيع حزب زوما تحويل حضوره الانتخابي إلى نفوذ سياسي يؤثر في موقف جنوب إفريقيا من الصحراء المغربية، ويعيد تشكيل حسابات الجزائر والبوليساريو؟
من إرث التحرر إلى اختبار المصالح
جمعت المغرب وجنوب إفريقيا خلفية من التضامن الإفريقي ومناهضة الاستعمار والتمييز العنصري. غير أن هذا الإرث لم يؤسس لشراكة مستقرة بين البلدين؛ إذ تبنت بريتوريا موقفًا داعمًا للبوليساريو، واعترفت بما يسمى «الجمهورية الصحراوية»، الأمر الذي أسهم في توتر العلاقات الثنائية وأضعف فرص التعاون السياسي والاقتصادي.
ومن منظور المغرب، ترتبط قضية الصحراء بوحدته الترابية وحقوقه التاريخية، وبضرورة التوصل إلى حل سياسي يضمن الاستقرار والتنمية. وترى المملكة أن استمرار دعم الأطروحة الانفصالية يطيل أمد النزاع، ويحد من فرص التكامل المغاربي والإفريقي، في وقت تحتاج فيه القارة إلى شراكات عملية لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
وفي هذا السياق، يمثل بروز حزب زوما بموقف مغاير مؤشرًا على أن المقاربة التقليدية للمؤتمر الوطني الإفريقي ليست الوحيدة داخل المشهد السياسي الجنوب إفريقي. وتكمن أهمية ذلك بالنسبة إلى المغرب في انتقال النقاش من مستوى الخلاف بين حكومتين إلى مستوى أوسع تتعدد فيه القوى السياسية القادرة على التأثير في اتجاهات السياسة الخارجية مستقبلًا.
فقد أعلن حزب «أومخونتو وي سيزوي» (MK)، بقيادة جاكوب زوما، دعمه للمقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. وتأكد هذا الموقف خلال زيارة زوما إلى الرباط في 15 يوليو 2025، حيث التقى وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة.
ووفق التصريحات التي أعقبت اللقاء، رأى زوما أن مبادرة الحكم الذاتي تتيح للسكان تدبير شؤونهم المحلية، مع ضمان سيادة المغرب على الصحراء، كما أكد حزبه اعترافه بالسياق التاريخي والقانوني الذي يستند إليه الموقف المغربي.
ويختلف هذا التوجه عن الموقف الرسمي الذي تبنته حكومة جنوب إفريقيا، وهو ما يكشف وجود تباين سياسي داخل البلاد بشأن القضية. ومع ذلك، فإن موقف حزب MK، مهما بلغت أهميته، لا يمثل في حد ذاته تغييرًا في السياسة الخارجية للدولة، التي تتحدد عبر مؤسساتها الحكومية والدبلوماسية وتوازناتها السياسية.
الحكم الذاتي: جوهر المقاربة المغربية
يستند الموقف المغربي إلى اعتبار الصحراء جزءًا لا يتجزأ من التراب الوطني، وإلى الروابط التاريخية التي جمعت المنطقة بالمملكة. وقد قدم المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارًا لتدبير سكان الأقاليم الجنوبية شؤونهم المحلية في ظل السيادة المغربية، مع الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية.
وتكمن أهمية المبادرة في جمعها بين السيادة والوحدة الترابية من جهة، وإمكانات التدبير المحلي والمشاركة في إدارة الشؤون الإقليمية من جهة أخرى. فالحكم الذاتي، وفق الرؤية المغربية، يتيح للسكان إدارة شؤونهم المحلية عبر مؤسسات وصلاحيات محددة، بينما تظل السيادة الوطنية ووحدة المملكة أساسًا للحل المقترح.
وقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، محطة مهمة في المسار الأممي المتعلق بالصحراء المغربية، إذ تناول الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، وأكد استمرار العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة. وينبغي قراءة القرار في سياقه الكامل، بما يتضمنه من تأكيد مبادئ التسوية السياسية والتوافق، دون اعتباره إعلانًا عن انتهاء النزاع.
ولا ينفصل هذا المسار الدبلوماسي عن التنمية في الأقاليم الجنوبية؛ فالبنية التحتية والاستثمارات ومشروعات الربط الاقتصادي تعزز اندماج المنطقة في محيطها الوطني، وتفتح فرصًا جديدة أمام سكانها. ومن هنا، فإن عرض المبادرة على القوى السياسية في جنوب إفريقيا ينبغي أن يستند إلى مضمونها المؤسساتي والتنموي، لا إلى تبادل المواقف السياسية وحده.
وبالنسبة إلى حزب زوما، يوفر هذا الموقف أساسًا مختلفًا للتعامل مع القضية، يقوم على دعم السيادة المغربية وتأييد حل سياسي عملي. وإذا تطور هذا التوجه إلى حوار مؤسسي وبرامج تعاون ملموسة، فقد يسهم في توسيع دائرة النقاش داخل جنوب إفريقيا بشأن مستقبل علاقاتها بالمغرب.

لماذا تهم هذه التحولات الجزائر والبوليساريو؟
تمنح مساندة جنوب إفريقيا للبوليساريو الأطروحة الانفصالية سندًا سياسيًا مهمًا داخل القارة الإفريقية. ولذلك، فإن بروز حزب مؤثر يتبنى موقفًا مغايرًا قد يضعف قدرة الجزائر والبوليساريو على تقديم الدعم الجنوب إفريقي باعتباره ثابتًا لا يتأثر بتغير موازين القوى.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على التصريحات الحزبية؛ إذ إن انتقال الموقف المؤيد للمغرب إلى نقاش سياسي أوسع قد يدفع القوى المنافسة إلى إعادة تقييم كلفة استمرار الاصطفاف التقليدي، خصوصًا إذا ارتبطت القضية بمصالح جنوب إفريقيا الاقتصادية والدبلوماسية ومكانتها داخل القارة.
وإذا كان صعود حزب جاكوب زوما لا يعني بالضرورة قطع العلاقات بين جنوب إفريقيا والبوليساريو، ولا يفضي تلقائيًا إلى إنهاء التقارب بين بريتوريا والجزائر، فإنه قد يشكل عامل ضغط سياسي على التحالفات القائمة، ويحد من قدرة الجزائر والبوليساريو على التعويل على الموقف الجنوب إفريقي باعتباره دعمًا ثابتًا لا يتأثر بالتحولات الداخلية.
فتعاظم نفوذ حزب يؤيد السيادة المغربية على الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي من شأنه أن يفتح نقاشًا داخل المؤسسات السياسية الجنوب إفريقية حول جدوى استمرار الموقف التقليدي، وأن يطرح تساؤلات بشأن مدى انسجامه مع المصالح الوطنية وعلاقات البلاد الإقليمية.
وبذلك، حتى إن لم يحدث تحول فوري في السياسة الخارجية، فإن بروز هذا البديل يوسع نطاق النقاش السياسي حول القضية، ويمنح المغرب فرصة لتكثيف حضوره الدبلوماسي داخل جنوب إفريقيا، فيما تواجه الجزائر والبوليساريو بيئة سياسية أكثر تنوعًا وأقل قابلية لافتراض استمرار المواقف السابقة دون تغيير.
غير أن قياس هذا الأثر يظل مرتبطًا بحجم التمثيل الذي سيحصل عليه حزب MK، وقدرته على بناء تحالفات سياسية، ومدى انتقال موقفه من مستوى الخطاب الحزبي إلى مستوى التأثير في القرارات والمؤسسات.
فرصة للمغرب تتجاوز الحسابات الحزبية
تتيح هذه التطورات للرباط فرصة لتعزيز حضورها في جنوب إفريقيا من خلال حوار منفتح على مختلف القوى السياسية والاقتصادية، بدلًا من حصر التواصل في جهة واحدة. فالمطلوب هو تحويل التقارب في المواقف إلى علاقات عملية ومستدامة، تقوم على المصالح المشتركة واحترام الوحدة الترابية للمغرب.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة جاكوب زوما إلى الرباط في يوليو 2025 أهمية بوصفها مؤشرًا على وجود قنوات للتواصل يمكن البناء عليها. لكن ترجمة هذا التواصل إلى تقارب استراتيجي تحتاج إلى متابعة مؤسسية وبرامج تعاون واضحة، تتجاوز التصريحات السياسية واللقاءات الظرفية.
ويمتلك المغرب إمكانات لتعزيز الشراكة في مجالات الزراعة والأسمدة والتكوين والبنية التحتية والخدمات المالية. كما تتيح المبادرة الأطلسية المغربية، الهادفة إلى تعزيز ارتباط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، مجالًا أوسع للتعاون الإفريقي القائم على الربط الاقتصادي وتسهيل الوصول إلى الأسواق.
ولا تضمن المصالح الاقتصادية تغيير المواقف السياسية بصورة آلية، لكنها توفر أرضية عملية للحوار، وتساعد على نقل العلاقات من الاصطفاف الأيديولوجي إلى حسابات المنفعة المتبادلة. ومن المهم أن يحافظ المغرب على هذا المسار باعتباره شراكة إفريقية قائمة بذاتها، لا مجرد أداة لمواجهة الجزائر أو الرد على دعمها للبوليساريو.
كما أن التواصل مع القوى السياسية الجنوب إفريقية المختلفة يتيح للمغرب شرح مبادرته للحكم الذاتي وتقديم معطياته التاريخية والقانونية والتنموية، بما يساعد على بناء نقاش أكثر استنادًا إلى مضمون المقترح وتداعياته العملية.
هل يتغير موقف بريتوريا؟
يتوقف تأثير حزب «رمح الأمة» على حجم تمثيله السياسي، وقدرته على بناء التحالفات، ومدى نجاحه في تحويل مواقفه إلى ضغط مؤثر في المؤسسات. فإذا توسع نفوذه، فقد يصبح ملف الصحراء المغربية جزءًا من نقاش أوسع بشأن أولويات السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا وعلاقاتها بالقوى الإفريقية.
أما إذا ظل تأثيره محدودًا، فقد يقتصر أثره المباشر على إثارة النقاش داخل المجتمع السياسي، دون تغيير سريع في الموقف الرسمي. وفي الحالتين، فإن وجود تيار مؤيد للمغرب داخل دولة طالما عُرفت بدعم البوليساريو يمثل تطورًا يستحق المتابعة، لأنه يفتح المجال أمام مراجعة المواقف التقليدية على المدى المتوسط.
لكن السياسة الخارجية لا تتحدد بنتائج استطلاع انتخابي محلي وحدها. فهي تتأثر أيضًا بمواقف الحزب الحاكم، وبنية الائتلافات الحكومية، ومصالح الدولة الاستراتيجية، واستمرارية المؤسسات الدبلوماسية. لذلك، فإن أي تغيير محتمل في موقف بريتوريا من الصحراء المغربية سيحتاج إلى مؤشرات سياسية ومؤسسية إضافية، تتجاوز تقدم حزب MK في إيثيكويني.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: صعود حزب زوما في المنافسة الانتخابية، واتساع تأثيره في المؤسسات السياسية، ثم احتمال انعكاس ذلك على السياسة الخارجية. فهذه مستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة، ولا يؤدي أحدها بالضرورة إلى تحقق الآخر.
تحول محتمل في موازين الدعم
لا يعني تقدم حزب جاكوب زوما في استطلاعات الرأي أن جنوب إفريقيا حسمت مراجعة موقفها من الصحراء المغربية، لكنه يطرح تساؤلًا بشأن مدى استمرار ثبات الاصطفافات السياسية التقليدية في ظل التحولات الداخلية. فالتنافس الحزبي قد يفتح المجال أمام مقاربات جديدة، ويجعل الموقف من القضية جزءًا من النقاش حول مصالح البلاد وخياراتها الخارجية.
وبالنسبة إلى الجزائر والبوليساريو، يتمثل التحدي في احتمال تراجع القدرة على الاعتماد على المواقف التاريخية بوصفها ضمانة دائمة لاستمرار الدعم. أما المغرب، فتكمن فرصته في توسيع الحوار، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، والتعريف بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها مقترحًا سياسيًا يهدف إلى التوفيق بين السيادة المغربية والتدبير المحلي للأقاليم الجنوبية.
الخلاصة أن صعود حزب جاكوب زوما لا يعني أن السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا ستتغير بين ليلة وضحاها، لكنه يفتح مجالًا لاحتمال إعادة النظر في بعض موازين الدعم السياسي للبوليساريو، ويضع حسابات الجزائر أمام متغير داخلي يستحق المتابعة. ولن يكون التحدي بالنسبة إلى المغرب في قراءة استطلاع انتخابي باعتباره انتصارًا نهائيًا، بل في استثمار التحولات المحتملة لبناء دعم سياسي أوسع، وترسيخ موقعه الإفريقي، والدفاع عن وحدته الترابية عبر الدبلوماسية والتنمية والشراكات طويلة الأمد.
المصادر الأساسية
- eNCA، eNCA MarkData Election Survey: eThekwini Results Are In، 25 أكتوبر 2026: https://www.enca.com/news-shows-top-stories/enca-markdata-election-survey-ethekwini-results-are
- SNRT News، Le parti MK d’Afrique du Sud soutient la proposition marocaine d’autonomie، 15 يوليو 2025: https://snrtnews.com/fr/article/le-parti-mk-dafrique-du-sud-soutient-la-proposition-marocaine-dautonomie-et-estime-quelle
- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار رقم 2797 (2025)، 31 أكتوبر 2025: https://digitallibrary.un.org/record/4093660


