في مفترق الطرق التاريخي الذي تتبلور فيه ملامح المغرب الجديد، حيث تتلاحق الأوراش الكبرى وتتقاطع الرهانات الاستراتيجية على الواجهتين الإقليمية والدولية، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه بقوة وإلحاح لدى الشارع المغربي والنخبة الواعية على حد سواء:
إلى متى ستظل المؤسسة التشريعية بمعزل عن نبض الشارع الحقيقي، ودون المستوى المطلوب لمواكبة حجم التحديات الجسام التي تواجهها المملكة؟
المواطن المغربي اليوم، بكل وعيه ووطنيته، لم يعد يتقبل أو يرضى بأن تقتصر مخرجات العمل البرلماني على استنساخ مشاهد مكررة من المناوشات السياسية السطحية والجدال العقيم بين الأغلبية والمعارضة تحت قبة الأسبوع التشريعي.
فما عاد يخفى على أحد أن ذلك “الاحتقان الظاهري” الذي يطبع جلسات المساءلة والتشريع، ينتهي فور إسقاط الستار ليتحول إلى مشهد مناقض تماماً، حيث تذوب الخلافات في كواليس الاستقبالات ومناسبات العقيقة والأعراس واللقاءات الخاصة، بل وأكثر من ذلك، إبان محطات تقاسم الحقائب الوزارية ومشاورات الاستوزار، حيث تتوارى الشعارات الحزبية وتتلاشى التباينات الأيديولوجية أمام لغة المصالح الضيقة والمحاصصة.
- نهاية عصر “المسرحيات التشريعية” وملل المواطن
إن الشعب المغربي، الذي راكم وعيا سياسيا ناضجا ومتقدما، مل تماما من مشاهدة ما يشبه “المسرحيات الهزلية” المكررة مع إشراقة كل دورة برلمانية جديدة،فحين تكون البلاد محاطة بتحديات إقليمية دقيقة، ومناورات خصوم الوحدة الترابية، وتحولات اقتصادية عالمية متسارعة، يترقب المواطن من ممثليه في المؤسسة التشريعية أن يكونوا في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقهم، لا أن يتحول البرلمان إلى منصة للاستعراض الإعلامي الفارغ الذي لا يقدم ولا يؤخر في قضايا الوطن المصيرية.
إن البرلمان المغربي، بوصفه مرآة لإرادة الأمة وحصنا للديمقراطية المؤسساتية، يجب أن يستغل لإبراز جيل جديد من السياسيين الحقيقيين؛ رجالات دولة ونساء وطن، يعكسون
صورة مشرفة ومشرقة عن الشعب المغربي داخليا وخارجيا،سياسيون تتقدم لديهم المصلحة العليا للوطن على أي اعتبار حزبي ضيق، ويؤمنون بأن العمل السياسي هو تكليف عظيم وليس تشريفا أو ريعا.
- العمل بانتظام وجدية: الالتزام بالرؤية الملكية المتبصرة
إن المغرب اليوم، بقيادة عاهل البلاد ورئيس الدولة، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، يسير بخطى ثابتة وواثقة نحو ترسيخ دولة الرقي والتنمية والسيادة الكاملة.
فالرؤية الملكية المتبصرة والمنهج المولوي السامي لا يفتآن يذكران في كل المناسبات بأن “الجدية” هي عنوان المرحلة، وهي البوصلة الأساسية لكل عمل وطني ناجح وفعال.
الجدية التي يطالب بها الملك المفدى تعني بوضوح: الالتزام، والانضباط، والاشتغال بروح الفريق الواحد، ووضع اليد في اليد إلى جانب المؤسسة الملكية السامية، بنظام وانتظام، لخدمة المواطن المغربي وتحسين ظروف عيشه، وصون كرامته في كل ربوع المملكة.
فالمملكة الشريفة لا تحتمل البطء في اتخاذ القرار، ولا تقبل بمن يضع مصالحه الحزبية أو الشخصية فوق مصلحة الوطن العليا.
- جبهة داخلية صلبة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية
إن التحديات الكبرى التي تحيط بالمغرب إقليميا ودوليا ليست خفية على أحد؛ فهي تستوجب رصوصا مرصوصة وتضامنا وطعما لا يلين.
مغرب التحديات اليوم بحاجة ماسة وملحة إلى سياسيين يدافعون باستماتة قوية وغير مبررة بالمهادنة ضد كل من يحاول المساس بثوابت الأمة، أو الإساءة إلى سيادتها الترابية، ووحدتها، ومقدساتها الكبرى.
مغرب الصحراء المغربية، ومغرب الأوراش الكبرى، ومغرب الدبلوماسية الاستباقية، لا يمكنه أن يساير هذا الركب الحضاري السريع ببرلمان تستهلكه صراعات هامشية،إننا بحاجة ماسة إلى ثورة أخلاقية ومؤسساتية داخل الأحزاب السياسية نفسها، لتصفية المشهد من الانتهازيين والباحثين عن الريع، وإفراز نخب وطنية تقوى وطنيتها على كل اعتبار، وتجعل من خدمة المواطن والدفاع عن ثوابت المملكة العقيدة السياسية الوحيدة.
و عليه ،إن رهان المستقبل ليس مستحيلا ، ولكنه يتطلب جرأة في الإصلاح، وشجاعة في تقييم الذات، وتضافرا حقيقيا لجهود كل المغاربة الأوفياء،وحين يرتقي العمل البرلماني والمشهد السياسي إلى مستوى تطلعات جلالة الملك وتضحيات الشعب المغربي الأبي، وحين تصبح الوطنية الحقة هي المعيار الفيصل في تقلد المسؤوليات، وحينها فقط، سنرى مغرب التحديات يكتسح الصعاب، ويحقق طموحاته المشروعة في الريادة والسيادة الشاملة.


