اعترافاتُ الشاعر المجري أتيلا جوزيف *
أ. اسعد الجبوري *
رأيناهُ وحيداً وهو يرعى الوعول في أعالي الجبال ويغني على صوت بزق كان يرافقه في رحلاته بين الغابات والجبال والوديان.ومع كلّ أغنية يحملها صوته الجهوري،كانت الوعول تثملُ وتدك الصخور بقوائمها نشوة واحتفالاً بالطبيعة.
وما أن اقتربنا من الشاعر المجري أتيلا جوزيف حتى توقف عن العزف مستلاً من جيب سرواله مجموعة أوراق ،حيث يممَ وجههُ صوب الشمس، وراح يقرأ منها قصائده باكياً.
لم نندهش من ذلك الحال،فنحن نعرف كم من القسوة وكم من الآلام مرت بحياة هذا الشاعر.

أتيلا جوزيف
فجأة يهدأ كل شيء.تحيط الوعول بالشاعر دائرياً،فيجلس على صخرة في مركز الدائرة وندخل معه الحوار التالي
س:من أي مكانٍ جئتَ للشعر يا أتيلا جوزيف؟
ج-من التراب البروليتاري بالضبط.
س:وهل كان لذلك التراب رَحِماً مُنتِجاً للمخلوقات؟
ج-الماركسية –اللينينية أكبر من رَحِم وأكثر من مولود.ربما لأنها كان شفيعي بمواجهة الظلام.
س:عن أي ظلام تتحدث يا أتيلا؟
ج- أقصدُ ظلام العقول والنزعات المسلّحة التي جعلت وجودنا محض فرائس في غابات .
س:كيف للمرء أن يكون شاعراً بمعزل عن تأثير الإيديولوجيات ؟
ج-ربما لا يتمكن المرء من إنجاز شعر بغياب الخيال والمخيّلة.
س:وماذا سيحدث بغيابهما؟
ج- إن سوء الفهم والتجاهل والقمع الذاتي لابتكارات الأفراد الأدبية،يُعد قتلاً لمشروع الكتابة وإنهاكاً للأنّفس المشغولة بتطوير أدوات التأليف،وبخاصة الشعري منه.
س:ألا تعتبر السياسة جداراً عازلاً ما بين الإبداع والشعبوية ؟
ج-كنت مؤمناً بوحشية السياسة في الشعر حتى ما بعد الموت.
س:هل كانت وحشيتكَ باطنية أم ظاهرية يا أتيلا ؟
ج- لم أستعمل وسيلةً للفصل ما بين الظاهر والباطن،فالشعر مرضٌ لا يمكن الحجر عليه أو السيطرة عليه في منطقة بعينها.
س:ما السببُ . أو لِمَ توعزُ فعل ذلك؟
ج-أنا ملحدٌ بما يأتي من الباطن للظاهر،لأنهما أصبحا معملين لإنتاج البكتريا .من هنا نرى كيف يتفاعل الاثنان وصولاً إلى لحظة الذّرْوة.
س:تقصد ذّرْوة الفعل الجنسي؟
ج-نعم. فللجنس من الذُرُوات ذراتٌ وذراتٌ.ولا تظن أن شيئاً دون الجنس يصلح للعيش أو للتعايش ما بين التماسيح والأسماك.
س:كيف يَسدّ الشعرُ حاجته من الجنس برأيك؟
ج- يُمكنكَ طرح هذا السؤال على أية موجة عالية في البحر.
س:هل الإيروسية ماء برأيكَ ؟
ج-نعم. هي ماءٌ بجوف فُرن على ما أظنُ.لذا أراها أبعد من إلاه الحب في الميثولوجيا اليونانية.
س:هل سبق وأن قرأتكَ النارُ ذات يوم مضى؟
ج-كلّ شيء يخضع لحركة تلك الوحشية الشعرية التي تتلبسها الكلماتُ في أثناء تفكك حواس الجسم بحواس اللغة.
س:ما الذي يعوّل عليه الشاعرُ في الدنيا ؟
ج- أن لا يموت ببطء .
س:ذلك فقط؟!!
ج- عندما يصبح الشاعرُ على حافة القبر،يستصرخ قصائده كي تقدم له النجدةَ بتسريع رحلته من فوق الأرض إلى جوفها.
س:وماذا عن الشاعرة ؟
ج- لا بدّ وأن تفكر بعيادة صالون التجميل قبل الاستجابة للموت. المرأة والعدم ضدّان متحابان متناقضان في الوجود،مثلما يرتدي إحداهما قناع الآخر بهدوء ودُونَ لكمات.
س:هل تقول ذلك لأنك عشتَ يتيماً مدقعاً يا آتيلا ؟
ج- لقد أدركت ذلك بشكل مبكر،وهو ما دفع بي إلى التوحش بعض الشيء.
س:هل يصح للشاعر أن يكون متوحشاً برأيك؟
ج- ومنْ يحول دون ذلك في الغابة أو في السرير أو على السبورة السوداء التي تستوعب أقسى الجمل المُنكلّة بوجود الجَمال الستاتيكيي داخل ثلاجات الموتى؟
س:إلى من تعزي كثرة الحديث عن الموت يا آتيلا جوزيف؟
ج- ذلك يعود إلى موت الحبّ وانعدام الجنس كحارس لبوابات الأجساد.
س:كم كانت مساحة الحبّ بقلبكَ؟
ج- بحجم نقطة يتوسطها ثقبٌ ضيق. لقد أفنتْ الأيامُ السوداء
أحوالي، حتى صار الرغيف هو الغرام اليومي في حياتي.
س:قرأت إنك بدأت العمل صغيراً !
ج- نعم.لقد بدأت صغيراً من الاثنين والثلاثين سنة من عمري وأنا أكدحُ من أجل لقمة العيش بعد وفاة ثلاثة من أخوتي ورحيل والدي يوم كنت بعمر الأعوام الثلاثة.كنتُ مساعداً لأمي التي تحملت إعالتنا بما كانت تجمعهُ من الخدمة في منازل البرجوازيين.
س:ما الذي يفعله الفقر بالشعر يا أتيلا ؟
ج- يفعل الكثير.
س:مثلاً ؟
ج- لقد فتح الفقرُ جمجمة اللغة لتفيض برأسي .وأعتقد بأن تلك الحركة مهمة لتحريك كائنات الشعر داخل كهوف رأسي بمخيلته الحارقة.
س:هل تعتبر المخيّلة منزلاً شعرياً وحسب؟
ج- لا أبداً. المخيّلة بنظري هي من يقوم بتموين الدماغ بمستحضرات السحر والبلاغة والجمال.
س:هل تعتبرها مستودع للتموين فقط؟
ج- أظن أن الشعر يفقد ريش أجنحته دون خيال.
س:ولكنك شيوعي ،مما لا تبرّر لك النظريات الأيديولوجية تجاوز الخطوط الواقعية التي صِيغتْ للآداب الاشتراكية الماركسية!
ج-لقد ضحيتُ بتلك النظريات لصالح بناء نصوص شعرية تقوم على أعمدة الدهشة والخيال من خلال خرق الخطوط الحمراء.
س:تقصد إنك خرجت من القن الأيديولوجي سالماً ؟
ج- ليس تماماً.لقد أخذتُ قرباناً لسوء الفهم السياسي والحزبي في المجر.أنا تأذيتُ كثيراً.وسُحقتُ بما لا يُطاق.
س: لذلك أهديتَ جسدكَ للموت بتلك الطريقة البالغة الفظاعة يا أتيلا؟!!
ج- لم أجد استراحةً لنفسي ،إلا لحظة وجودي تحت عجلات قطار الشحن في محطة سكة حديد ((بالاتونزازو)). كانت لحظة تفوق كلّ التصوّرات.
س:هل كنت في حالة ذهنية من الانفصام ؟
ج- كلّ حزب هو قطار شحن أيديولوجي،إمّا أن يدفعك بك لرمي ما تبقى من لحم جسمك تحت عجلاته،أو يأخذك معه مجنوناً ورقياً إلى الهاوية أو الأرشيف الحزبي.
س:كأنني أشعر بأنكَ انتحرتَ مُتَزَحْلِقاً على الصابون الذي كان يصنعه والدك آرون جوزيف لتذهب ميتاً بتلك الرياضة ؟
ج- ربما. فطالما فكرتُ أن أكون صانع صابون مثل أبي لغسل العالم من الظلام والأدران والقسوة.
س:ولكن القدر الأعمى دفع بك إلى أعمال أخرى كما قلت عن ذلك في السيرة الذاتية : ((لقد كان لي نصيبي العادل من الوقوف أمام المتاجر – كانت هناك أوقات أقف فيها في الطابور أمام محل البقالة في الساعة التاسعة مساءً، وفي الساعة الثامنة والنصف صباحًا، عندما كنت لقد أعلنوا بالفعل أمام أنفي أنه لم يعد هناك المزيد من الدهون. لقد ساعدت والدتي بقدر ما أستطيع. لقد بعت الماء في سينما فيلاج . لقد سرقت الخشب والفحم من محطة سكة حديد فيرينتسفاروش حتى نتمكن من التدفئة. لقد صنعت مغازلًا ورقية ملونة وقمت ببيعها للأطفال الذين يعيشون في وضع أفضل. كنت أحمل السلال والطرود في قاعة السوق)).
ج- نعم. لم أصل لمرحلة الصابون. ذلك ما حدث.
س:لقد سبق لك وأن أشرت إلى والدك بقصيدة ((أبي)) .هل كان النص من كتاب ((بعيداً على البيانو)) ؟
ج- لم أكتب مقطوعات منفصلة عن أخرى.اعتبرت شعري كلاً واحداً
إلى أن جاء الفصام واختلس نفسي من رأسي.
س:هل حصل لك ذلك التشويش بعد تهمة التجديف التي أثارتها قصيدتكَ (( قصيدة المسيح المتمرد)) التي حُكمت بسببها ثمانية شهور سجناً ،أم ثمة أسباب سياسية من وراء تلك العقوبة؟!
ج- كانت تلك التهمة جنائية كهنوتية سياسية شعرية .ولكن المحكمة برأتني من تهمة التجديف لاحقاً.
س:وهل برأت رأسك بعد المحكمة من تهمة التشويش الشيزوفريني ؟
أم أن المحلل النفسي أخطأت بالفحص حينما قام بتشخيص حالك ضمن حالات “الاضطراب العقلي الانقسامي” ( الفصام )؟
ج- لا أملك جواباً عن صحة ذلك التشخيص.المهم أنني حققتُ رغبتي بأن أكون لحماً بالحديد .
س:لماذا لم تفكر بحبيبتك مارتا فاجو عندما تخلّيتَ عنها وقرّرت الموت؟
ج- اللعنة. أنت تذكّرني الآن بتلك الفتاة التي قطعَ والدها خيوط العلاقة ما بيننا قبل أن يكتمل النسيج الغرامي .أبعدها إلى لندن للتخصص بدراسة علوم الرعاية الاجتماعية 1928.
س: يبدو أن رأس المال هو من حلّ برأسك عوضاً عن الحبّ يا آتيلا ؟
ج- ذلك هو ما حدث بالضبط.أن تستبدل اللغةُ ثيابها الأنيقة بالرثة.وأن يصبح الغرامُ مُثقلاً بالعقاقير والتشتت ومجلّدات الألم.
_____________________________________________________________________
لمحة
*أتيلا يوزيف هو كاتب وشاعر مجري، ولد في 11 أبريل 1905 في بودابست في المجر، وتوفي في 3 ديسمبر 1937 في Balatonszárszó في المجر. ويكيبيديا
تاريخ ومكان الميلاد
11 أبريل 1905، District IX.، بودابست، المجر
تاريخ ومكان الوفاة
3 ديسمبر 1937 (العمر 32 سنة)، Balatonszárszó، المجر
الجوائز
Kossuth Prize، Baumgarten Prize
الألبومات
Én, József Attila
أسماء شركات التسجيلات
Hungaroton، Vindex Records، 10630970 Records DK2
مكان الدفن
Fiumei Road Graveyard، بودابست، المجر
_____________________________________________________________________
الكتاب السابع عشر
من موسوعة بريد السماء الافتراضي
وسم_شيطلائكة #أتيلا_جوزيف #الشعر_المجري #الفلسفة_والشعر #الخيال_والإبداع #الفقر_والاغتراب



