- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونالتطوع - استثمار الإنسان في الإنسان.

التطوع – استثمار الإنسان في الإنسان.

د. علاء أحمد*

يبقى التطوع واحدًا من أقوى مؤشرات النضج الحضاري في زمنٍ تتسابق فيه المجتمعات على الموارد والتقنية والنمو الاقتصادي. فهو ليس مجرد عمل خيري أو نشاط موسمي، لكنه استثمار مباشر في الإنسان، في قدرته على العطاء وفي قدرته على أن يصبح شريكًا في بناء مجتمعه.  ومع تنامي التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في العالم، تزداد الحاجة إلى تحويل التطوع من مبادرات فردية متفرقة إلى ثقافة وطنية مستدامة.

تعريف التطوع

لغةً، يُشتق التطوع من «الطوع»، أي الفعل الصادر عن الإرادة والاختيار لا الإكراه. أما اصطلاحًا، فهو نشاط يقدّمه الفرد أو الجماعة بإرادة حرة، دون مقابل مادي مباشر، لخدمة الآخرين أو تعزيز الصالح العام. ويشمل ذلك العمل داخل منشآت والمشاركة في حملات مجتمعية والتدريس والتوجيه ودعم الفئات الهشة والمساهمة في حماية البيئة أو الاستجابة للكوارث.

ويختلف التطوع عن العمل الخيري في كونه لا يقتصر على تقديم المساعدات المالية أو العينية، بل يقوم على تخصيص الوقت والمعرفة والمهارة والجهد. كما يختلف عن المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، إذ قد تمارس الشركة مسؤوليتها عبر تمويل مبادرات أو برامج مجتمعية، بينما يقوم التطوع على مشاركة إنسانية مباشرة، وإن كانت المؤسسات قادرة على دعمه وتنظيمه وتوسيع أثره.

وللتطوع صور متعددة منها حضوري في المدارس والمستشفيات والمراكز المجتمعية، ورقمي عبر الترجمة والتدريب والدعم النفسي والتصميم والبرمجة عن بُعد، وتخصصي يستثمر خبرات الأطباء والمهندسين والمحاسبين والمعلمين والمترجمين، ومؤسسي داخل الجمعيات والمنشآت، إضافة إلى التطوع البيئي والصحي والتعليمي.

بعد إنساني ونفسي

يمنح التطوع المتطوع شعورًا بالرضا والمعنى، لأنه ينقل الإنسان من موقع المتلقي أو المتفرج إلى موقع الفاعل الإيجابي. وتشير أدبيات علم النفس الاجتماعي إلى أن مساعدة الآخرين ترتبط بارتفاع مشاعر الكفاءة الذاتية والانتماء وتحسين الحالة المزاجية، خصوصًا عندما يكون العمل التطوعي منتظمًا ومرتبطًا بقيم شخصية واضحة.

كما يساعد التطوع على تقليل العزلة الاجتماعية، لا سيما لدى الشباب وكبار السن والفئات التي قد تفتقر إلى شبكات علاقات واسعة. فالمتطوع يتعلم العمل ضمن فريق، ويكتسب مهارات التواصل والقيادة وإدارة الوقت وحل المشكلات، وهي مهارات تخدمه في حياته الشخصية والمهنية. وبهذا المعنى، لا يعطي المتطوع وقته فقط، بل يستثمره في تنمية ذاته.

رأس مال اجتماعي وتضامن

على المستوى الاجتماعي، يعزز التطوع التكافل والتضامن، ويحوّل التعاطف من شعور فردي إلى سلوك جماعي منظم. فهو يدعم الفئات الأكثر احتياجًا، ويقوّي الثقة بين أفراد المجتمع، ويرفع ما يُعرف في العلوم الاجتماعية بـ(رأس المال الاجتماعي)، أي شبكات الثقة والتعاون التي تجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

وتؤكد تقارير برنامج المتطوعين التابعين للأمم المتحدةUN Volunteers أن التطوع يمثل قناة مهمة للمشاركة المدنية وبناء علاقات أكثر إنصافًا بين المواطن والمؤسسات العامة، وأنه يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة عندما تجري إدارته بشراكة فعلية بين المتطوعين والجهات الحكومية والمجتمعية. كما يبرز التطوع في أوقات الأزمات والكوارث، حين تتحول روح التضامن إلى قدرة عملية على الإنقاذ والإغاثة وإعادة التأهيل.

التطوع كرافعة تنموية

لا يقتصر أثر التطوع على الجانب الإنساني، بل له بعد اقتصادي وتنموي واضح. فالمتطوعون يسهمون في رفع كفاءة الخدمات المجتمعية، وتوسيع نطاق البرامج الصحية والتعليمية، ودعم المشاريع البيئية، وإعداد الشباب لسوق العمل من خلال الخبرة العملية والتدريب الميداني.

وتقدّر بيانات برنامج المتطوعين الأممي أن نحو 862 مليون شخص في العالم يتطوعون شهريًا، أي ما يقارب 15 في المئة من السكان في سن العمل، وأن معظم هذا التطوع يتم بصورة غير رسمية بين الأفراد والمجتمعات. وهذه الأرقام تكشف أن التطوع ليس هامشًا اجتماعيًا، لكنه قوة إنتاجية واسعة تحتاج إلى تنظيم وقياس وتطوير كي تتحول طاقته إلى أثر تنموي مستدام.

تحديات لا ينبغي إغفالها

رغم أهمية التطوع، يواجه هذا القطاع تحديات حقيقية. فبعض الفئات ما زالت تنظر إليه بوصفه نشاطًا ثانويًا لا مسارًا للتعلم والإنجاز. كما تعاني كثير من المبادرات من محدودية التدريب والتأهيل، وضعف التخطيط، وصعوبة الاستمرار بعد انتهاء الحملات أو الفعاليات. كما أن غياب التنسيق بين الجهات قد يؤدي إلى تكرار الجهد أو توزيعه بشكل غير متوازن بين المدن والأرياف والفئات المستفيدة. ولذلك، يحتاج التطوع إلى بنية مؤسسية واضحة من تدريب متخصص ومعايير أخلاقية وحماية للمتطوع وتقييم دوري للأثر وربط بين المبادرات الصغيرة والمنظمات والجهات الحكومية.

يُجسّد التطوع في المملكة المغربية قيم التضامن والتكافل، ويمنح الشباب فرصًا للمشاركة في خدمة مجتمعاتهم واكتساب مهارات جديدة، كما يتضح في برنامج (متطوع) الذي أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل، جامعًا بين التكوين والممارسة الميدانية في مجالات تشمل البيئة والتربية والصحة والتراث والثقافة. وقد تعزّز الإطار المنظّم لهذا النشاط بصدور القانون رقم 06.18 المتعلق بالتطوع التعاقدي، الذي يؤطّر العمل الطوعي غير المأجور بموجب عقد مكتوب بين المتطوع والجهة المنظّمة .ومن الأمثلة أيضًا مبادرة (دير يديك) التابعة لشركة (إنوي)، التي تربط المتطوعين بالجمعيات وتتيح لهم التبرع بوقتهم وخبراتهم، ومن مشاريعها «الأقسام المتصلة» لدعم التعليم الرقمي في المدارس الابتدائية بالمناطق القروية. وفي المجال البيئي، تتيح مؤسسة الأطلس الكبير مشاركة المتطوعين في غرس الأشجار ومبادرات التنمية المحلية، بما يربط حماية البيئة بتحسين ظروف عيش المجتمعات الريفية. وتُبرز هذه النماذج تنوّع العمل التطوعي المغربي، وقدرته على تحويل روح التضامن إلى أنشطة ملموسة تخدم الإنسان والمكان.

نحو ثقافة تطوع مستدامة

لتعزيز ثقافة التطوع، ينبغي أن يبدأ العمل من التعليم والإعلام. فإدراج التطوع في الأنشطة المدرسية والجامعية، ومنحه اعترافًا أكاديميًا ومهنيًا، يشجع الشباب على اعتباره جزءًا من تكوينهم لا نشاطًا إضافيًا. كما يمكن للشركات دعم المبادرات عبر منح موظفيها وقتًا تطوعيًا، وتمويل التدريب، وتبنّي قضايا مجتمعية وبيئية محددة.

ويبقى التقدير والتكريم عنصرًا مهمًا، لا لمجرد الاحتفاء بالأسماء، بل لإبراز قصص النجاح التي تلهم الآخرين. كما تفتح المنصات الرقمية آفاقًا واسعة للتطوع الذكي، إذ يمكن للمتطوع أن يشارك من بيته في الترجمة أو التدريب أو الدعم النفسي أو تطوير المحتوى، ما يوسع دائرة العطاء خارج حدود المكان والزمن.

التطوع ليس عملاً هامشيًا ولا ترفًا اجتماعيًا؛ إنه ركيزة من ركائز التنمية المستدامة وبناء المجتمعات المتماسكة. فهو يربط الفرد بمجتمعه، ويحوّل التعاطف إلى فعل، ويجعل من المشكلة الاجتماعية مسؤولية مشتركة يمكن العمل على حلها. يقاس تقدم الأمم اليوم بما تمتلكه من موارد مادية، ولكن يقاس نضجها الحضاري أيضًا بقدرتها على تحويل روح العطاء إلى سلوك يومي. فالمتطوع لا يغير حياة الآخرين فحسب، بل يشارك في إعادة تشكيل المجتمع وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا وتماسكًا للجميع.

Passer à Plus

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا