- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةأمن العرب هو أمن فلسطين.

أمن العرب هو أمن فلسطين.

لا يمكن لفلسطين أن تجد مصلحتها الاستراتيجية خارج الحضن العربي. فالعلاقة بين فلسطين ومحيطها العربي ليست مجرد رابطة تاريخية أو عاطفة قومية، بل حقيقة جغرافية وسياسية تتصل بموقع فلسطين، وطبيعة الصراع الذي تواجهه، وموازين القوى التي تحدد مستقبلها. ومن هنا، فإن استقرار الدول العربية وقوتها وتماسكها واستقلال قرارها ليست شؤونا عربية داخلية فحسب، بل مصالح فلسطينية أصيلة ينبغي أن تكون جزءا من التفكير الاستراتيجي الفلسطيني في الحاضر والمستقبل.

اعتادت المقاربات التقليدية للعلاقة العربية الفلسطينية أن تنطلق من سؤال ما الذي يقدمه العرب لفلسطين، وكيف يمكن حشد الدعم العربي لقضيتها. لكن هذا السؤال، على أهميته، لا يكفي لفهم عمق العلاقة. فثمة حقيقة تتجاوز المواقف السياسية الآنية: فلسطين تحتاج إلى محيط عربي مستقر وقادر على الفعل والتأثير، لأن البيئة التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية لا تتشكل بإرادة الفلسطينيين وحدهم، بل تتأثر بحال الدول العربية، وقدرتها على حماية مصالحها وصيانة استقلال قرارها والمشاركة في صياغة التوازنات الإقليمية.

إن قوة المجال العربي ليست ضمانة تلقائية لتحقيق الحقوق الفلسطينية، كما أن استقرار الدول العربية لا يعني بالضرورة تطابق سياساتها مع الأولويات الفلسطينية. لكن ذلك لا يغير من حقيقة أن الدول التي تستنزفها الصراعات الداخلية، وتثقلها الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتتراجع قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، تصبح أقل قدرة على التأثير في محيطها. وحين ينشغل العرب بأزماتهم، لا يتراجع الدعم السياسي لفلسطين فحسب، بل تتغير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها القضية برمتها.

فالصراع الفلسطيني لا يجري في فراغ. إنه يتأثر بموازين القوى، وطبيعة التحالفات الإقليمية، وقدرة الدول على التنسيق والعمل المشترك، ومدى حضورها في الحسابات الدولية. وكلما تراجع الوزن السياسي للدول العربية أو انشغلت بصراعاتها، ضاقت الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين، وضعفت فرص بناء مواقف إقليمية مؤثرة، وأصبحت القضية أكثر عرضة لضغوط القوى الأخرى وحساباتها. وهكذا، فإن ما يبدو اضطرابا داخليا أو خلافا إقليميا لا يخص فلسطين مباشرة قد يترك أثرا عميقا في قدرتها على حماية مصالحها الوطنية.

ومن الخطأ أن ينظر الفلسطينيون إلى أزمات محيطهم العربي باعتبارها شؤونا بعيدة عنهم، أو أن يتعاملوا مع ضعف الدول العربية وكأنه مجرد تراجع في مستوى التضامن مع قضيتهم. فتفكك الدول واستنزاف مؤسساتها وتعدد مراكز القوة داخلها لا يؤدي بالضرورة إلى واقع أكثر عدالة، بل قد يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، ويضعف استقلال القرار الوطني، ويجعل المنطقة أكثر عرضة للصراعات الممتدة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح القضية الفلسطينية واحدة من الملفات التي تتأثر باختلال التوازن الإقليمي، من دون أن يمتلك الفلسطينيون وحدهم القدرة على تصحيح مساره.

وتكشف المواجهة بين السعودية والحوثيين، في ظل الدعم الإيراني للحوثيين، كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تهدد أمن الدول العربية وتستنزف قدراتها وتربك أولوياتها التنموية. ومن المنظور الفلسطيني، لا يمكن النظر إلى أمن السعودية بوصفه شأنا منفصلا عن المصلحة الوطنية الفلسطينية؛ فاستقرار الدول العربية وقدرتها على حماية مصالحها واستقلال قرارها يعززان البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها القضية الفلسطينية. وليس في ذلك انحياز إلى حروب المحاور، بل إدراك أن استمرار الصراعات واستنزاف الدول العربية لا يخدم فلسطين ولا يوسع خياراتها.

وفي ظل صراع المصالح والنفوذ في المنطقة، قد تسعى أطراف إقليمية إلى استثمار الخلافات العربية الفلسطينية وتعميق الشروخ القائمة، أو تقديم نفسها بوصفها صاحبة الوصاية على القضية الفلسطينية، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها على حساب استقرار الدول العربية واستقلال قراراتها. ويبرز الدور الإيراني في هذا السياق بوصفه جزءا من معادلة إقليمية تتداخل فيها مساندة قوى فلسطينية مع توسيع النفوذ عبر حلفاء وأطراف مسلحة في عدد من الدول العربية. ولا تكمن المشكلة في أن تكون لفلسطين علاقات مع إيران أو غيرها، فالعلاقات الخارجية حق سياسي، بل في أن تتحول القضية الفلسطينية إلى أداة في صراعات إقليمية، أو أن يصبح دعمها مدخلا لإضعاف الدول العربية وتعميق الانقسام بينها وبين الفلسطينيين. فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تكون ورقة في صراع النفوذ، والمصلحة الفلسطينية تقتضي التمييز بين الدعم الذي يعزز القدرة الوطنية الفلسطينية، والسياسات التي تربط هذا الدعم بحسابات تتجاوز الحقوق الفلسطينية ومصالح الشعوب العربية.

ومن هنا، فإن إضعاف العلاقة بين فلسطين ومحيطها العربي لا يمثل مجرد خسارة سياسية أو تراجع في مستوى التضامن، بل قد يؤدي إلى اختلال أوسع في المصالح الاستراتيجية المشتركة. فكلما اتسعت الفجوة بين الفلسطينيين والعرب، ازدادت فرص القوى الإقليمية في استثمارها، وتراجعت إمكانات بناء موقف عربي متماسك قادر على التأثير في مسار الصراع. وليس المطلوب افتراض وجود مخطط موحد لدى جميع الأطراف، بل إدراك أن تنافس القوى على النفوذ يجعل الانقسامات القائمة فرصا قابلة للاستثمار، وأن حماية المصالح الفلسطينية تقتضي الحذر من تحويل القضية إلى أداة في حسابات لا تتطابق بالضرورة مع أهدافها الوطنية.

وليس المطلوب، بناء على ذلك، أن يتخلى الفلسطينيون عن استقلال موقفهم أو أن يصمتوا عن السياسات التي يرونها متعارضة مع حقوقهم، بل أن يميزوا بين نقد المواقف السياسية وبين المساس بالمصلحة الاستراتيجية في استقرار الدول العربية. كما أن التمسك بالحضن العربي لا يعني الانخراط في صراعات المحاور أو تبرير كل ما يصدر عن أي طرف، وإنما يعني رفض الفوضى التي تستنزف الدول والمجتمعات، والتمسك بحق الشعوب في الأمن والسيادة والحياة الكريمة.

إن استقرار العرب ليس مجرد ظرف ملائم للقضية الفلسطينية، بل أحد الشروط المهمة التي تتحدد في إطارها قدرتها على الحركة والتأثير. وحين تنشغل الدول العربية بصراعاتها، تتراجع فرص العمل المشترك وتتقلص إمكانات التأثير في القضايا الإقليمية، بينما يمنحها الاستقرار والتماسك واستقلال القرار مساحة أوسع لحماية مصالحها والمساهمة في صياغة مستقبل المنطقة.

ولا تستطيع فلسطين أن تبني مستقبلها بالاتكال على الآخرين وحدهم، فالوحدة الوطنية وتجديد المؤسسات ووضوح الاستراتيجية الفلسطينية مسؤوليات لا بديل عنها. لكن القوة الذاتية لا تعني الانفصال عن العمق العربي، كما أن استقلال القرار الفلسطيني لا يتعارض مع إدراك المصالح المشتركة. المطلوب علاقة واعية بين مشروع وطني فلسطيني قادر على الفعل ومحيط عربي قادر على التأثير؛ علاقة لا تقوم على التبعية ولا على انتظار الدعم، بل على فهم متبادل بأن استقرار كل طرف يوسع الخيارات المتاحة للطرف الآخر.

إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى محيط عربي منهك، ولا إلى دول منشغلة بحروب تستنزف مواردها وتحد من قدرتها على التأثير، بل إلى مجال عربي مستقر ومتعاون وقادر على حماية مصالحه. ومن هنا، فإن الدفاع عن استقرار الدول العربية ليس خروجا عن الأولوية الفلسطينية، بل جزء من فهمها الاستراتيجي. فالمصلحة الفلسطينية لا تتحقق في فراغ إقليمي، ولا يمكن أن تستند إلى ضعف محيطها أو تفككه، بل إلى علاقة متوازنة مع عالمها العربي، تحفظ استقلال القرار الفلسطيني وتدرك في الوقت نفسه أن مستقبل فلسطين يتأثر بقوة الدول العربية وقدرتها على الفعل.

أمن العرب هو أمن فلسطين، لأن الحضن العربي ليس خيارا عابرا في حسابات السياسة الفلسطينية، بل هو المجال الطبيعي الذي تتصل به مصالحها ومصائرها. واستقرار العرب ليس خدمة ينتظرها الفلسطينيون، بل مصلحة فلسطينية أصيلة. فمن يطلب لفلسطين مستقبلا آمنا لا يمكنه أن يتمنى لمحيطها الفوضى، ومن يدرك قيمة استقلال القرار الفلسطيني لا يستطيع أن يتجاهل أهمية استقلال القرار العربي وقوة الدول العربية وتماسكها. ففلسطين لا تحمي مصالحها بالابتعاد عن عمقها، بل بتعزيزه، ولا تبني مستقبلها بإضعاف محيطها، بل بعلاقة استراتيجية تدرك أن قوة العرب لا تضمن وحدها تحقيق الحقوق الفلسطينية، لكنها توسع المجال الذي يمكن فيه الدفاع عن تلك الحقوق وانتزاعها.


الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا