- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنونحين أزهر الفجر في عتمتي ـ قصة قصيرة

حين أزهر الفجر في عتمتي ـ قصة قصيرة

أ . لطيفة لبريز *

أشد الليالي عتمة، تلك التي ننسى فيها أن للفجر موعدا.» أمطرت السماء تلك الليلة، وانحدر المطر على زجاج النافذة كأصابع توقظ ذاكرة نائمة. تسلل صوته إلى قلبي، فاستيقظ فيه ما ظننت أن السنوات قد أطفأته. عدت إلى دفتري القديم، ذلك الذي احتفظ بين صفحاته بما عجزت عن قوله، كأنه صندوق صغير أودعت فيه قلبي ومضيت. قلّبت صفحاته، حتى استوقفتني عبارة كتبتها يوما بخط مرتبك: «أحبك اليوم وغدا وكل يوم!» تأملتها طويلا، وشعرت كأن بابا عتيقا انفتح في صدري، فعاد إلي زمن صدقت فيه الكلمات أكثر مما صدقت الأيام. تذكرتك، وتذكرت كيف كان صوتك يبدد وحشتي، وكيف كنت أهرب إليك من قسوة العالم، فأجد في حديثك نافذة للفرح، وفي حضورك أملا بأن الحياة ما زالت تخبئ لي شيئا جميلا. كنت أراك البيت الذي لا أحتاج فيه إلى تبرير تعبي، والمرفأ الذي أطمئن إليه حين تعصف بي الأيام. لم أطلب منك معجزة، بل قلبا لا يجعلني أخاف الغياب، ويدا تمتد إلي حين أتعثر، ووعدا لا يتحول مع الوقت إلى جرح مفتوح. في تلك الأيام، كنت أستعد للسفر. كانت حقيبتي مفتوحة عند قدمي، وثيابي مطوية في قاعها، بينما كانت تحمل في جيوبها الخفية رغبة في بداية جديدة، ومحاولة أخيرة للنجاة من تعب أثقل روحي. ثم جئت أنت، ورسمت بكلماتك صورة لعمر نتقاسم فيه الفرح والتعب، وأقنعتني بأنني لن أكون وحدي ما دمت إلى جوارك. أغلقت حقيبتي، وضغطت على سحابها كأنني أغلق طريقا كاملا، وأجلت الرحيل. لم أكن أعلم أنني حين اخترت البقاء من أجلك، كنت أؤجل لقاء نفسي، وأن الطريق الذي تراجعت عنه ربما كان يقودني إلى حياة لم أكن أراها. ومضت الأيام، وبدأت المسافة تكبر بيننا. صرت أبحث في صوتك عن دفء الأمس، وأختلق الأعذار لغيابك، وأرمم بصبري ما كانت تصدعه تصرفاتك. كنت أمنح الغد فرصة جديدة، بينما كانت طمأنينتي تتسرب مني كخيط رفيع يتفلت من بين أصابعي. كم مرة قلت لنفسي: لعله متعب، لعله مشغول، لعله لا يدرك مقدار ما يتركه غيابه في قلبي؟ كنت أبحث لك عن ألف عذر، وأترك لنفسي ألف سؤال، حتى وجدتني معلقة بين رحيل أخشاه وبقاء لم يعد يمنحني الأمان. لم يكن يؤلمني غيابك وحده، بل تلك المسافة التي صنعتها بين ما وعدتني به وما عشته معك. كنت أحرس كلماتك القديمة، فيما كانت الأيام تكشف لي أن بعض الوعود لا تصنع مستقبلا، بل تمنحنا أملا كافيا كي نؤجل الرحيل. ولم أكن أريد الكثير؛ فقط ألا أشعر بأنني أحارب وحدي من أجل علاقة قيل لي يوما إنها تجمعنا. لكن الصمت حين يطول يصبح جوابا، والغياب حين يتكرر يتحول إلى حقيقة لا تنقذها الأعذار. عندها بدأت أفهم أن الوفاء لا يعني أن أبقى أسيرة وعد نسي صاحبه معناه، وأن الحب لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان يومي أبحث فيه عن دليل يثبت أنني ما زلت أعني شيئا لمن أحببت. لم أكرهك، ولم أندم على صدقي معك. فالحب الصادق ليس خطيئة، حتى حين نمنحه لمن لا يعرف كيف يصونه. لكنني أدركت أن الغفران لا يعني العودة إلى المكان الذي انكسرنا فيه، وأن الحنين، مهما اشتد، لا يصلح وحده أساسا لحياة جديدة. ثمة وداعات لا تعلنها الحقائب، ولا تشهدها المحطات. تبدأ حين نشعر بأننا غرباء في المكان الذي منحناه أجمل ما فينا، وحين يصبح السؤال عبئا، والاحتياج مبالغة، والانتظار عادة تستنزف ما تبقى من أرواحنا. أصعب الرحيل ليس أن نبتعد عمن نحب، بل أن نودع الصورة التي رسمناها لهم، والمستقبل الذي بنيناه على كلماتهم، ونواجه الحقيقة التي طالما حاولنا تأجيلها: أن الإنسان قد يظل متمسكا بحكاية انتهت، لا لأنه لا يعرف النهاية، بل لأنه يخشى الاعتراف بكل ما خسره في الطريق إليها. وحين عدت إلى صفحات دفتري، سألت نفسي: لماذا ينبغي لمن كسروا شيئا جميلا فينا أن يربحوا مرتين؟ مرة حين آذونا، ومرة حين يجعلوننا نتخلى عن أجمل ما في أرواحنا؟ لم أرد أن أصبح قاسية لأن أحدهم لم يعرف كيف يصون رقّتي، ولا أن أعاقب القادمين بأخطاء الراحلين. أردت أن أستعيد نفسي؛ أن أضحك دون أن أحسب حساب النهاية، وأن أحب دون أن أتوسل البقاء، وأن أمنح دون أن أنسى أن لي حقا في أن أتلقى. لقد آلمنا رحيل من أحببنا، لكن ما يؤلم أكثر أن نكتشف أننا، في محاولات الاحتفاظ بهم، تركنا أنفسنا وحيدة على قارعة الانتظار. أما أنت، يا من قلت لي يوما إنك سعادتي، فقد أدركت أخيرا أن السعادة لا ينبغي أن تكون رهينة حضور إنسان أو غيابه. قد يسكن الفرح في شخص نحبه، لكن لا يحق له أن يصبح الباب الوحيد الذي نعرفه، ولا أن تتحول حياتنا إلى غرفة مغلقة ننتظر فيها عودته. لم أعد ألوم نفسي لأنني أغلقت حقيبتي يومها. كنت أحبك بصدق، ولم يكن ذنبي أنني صدقت وعدك. لكنني اليوم أعرف أن الرحيل لا يبدأ حين نبتعد عن أحدهم، بل حين نتوقف عن إقناع أنفسنا بأن وجعنا ثمن لا بد من دفعه كي يبقى. فتحت دفتري على الصفحة الأخيرة، ومررت أصابعي على حافتها، ثم كتبت: «أحببتك يوما، وسيبقى في الذاكرة شيء منك، لكنني لن أؤجل حياتي انتظارك، ولن أجعل سعادتي رهينة وعد قديم. لقد كنت فرحتي، لكنني لن أسمح لغيابك أن يكون نهايتي». أغلقت الدفتر، فاستقر صوته الخفيف على الطاولة كأنه خاتمة هادئة لحكاية طال انتظار نهايتها. لم تختف الذكريات، ولم يتوقف المطر، لكن شيئا في داخلي تبدل. كأن قلبي الذي ظل طويلا يطرق بابك تذكر أخيرا أن له بابا آخر، بابا يفضي إليه. فتحت حقيبتي من جديد. بدت لي هذه المرة مختلفة؛ لم تعد رمزا لرحيل أخشاه، ولا شاهدا على قرار تراجعت عنه، بل مساحة صغيرة أستعيد فيها ما تبقى من أحلامي. وضعت ثيابي في داخلها، وبينها أشياء لم أسمح لنفسي طويلا بأن أحلم بها. لم أحمل عتابا يثقل خطاي، ولا أملا يستجدي الرجوع، بل قلبا أنهكه الانتظار، ومع ذلك لم يفقد قدرته على البدء من جديد. أما وعدك: «أحبك اليوم وغدا وكل يوم»، فقد تركته بين أوراق الماضي، شاهدا على زمن صدقت فيه أن الكلمات وحدها تستطيع أن تحمي الحب من الغياب. لن أقول إنني نسيتك؛ فبعض الوجوه لا يمحوها الزمن، وبعض الحكايات تترك فينا أثرا لا يزول تماما. لكنني لن أعود إلى المكان الذي اضطررت فيه إلى نسيان نفسي كي لا أخسرك. لقد انتهى انتظارك، لا لأنك عدت، بل لأنني عدت أنا. وفي تلك الليلة، حين أمطرت السماء من جديد، لم أخرج أبحث عن بقايا ضحكاتنا، ولم أفتش في الأزقة عن ظلالنا القديمة. وقفت عند النافذة، أراقب قطرات المطر وهي تغسل زجاجها، وأدركت أن بعض ما نحتاج إلى غسله ليس عن الأشياء من حولنا، بل عن أرواحنا التي أتعبها الغبار المتراكم من الخيبات. لم يكن الفجر قد أشرق بعد، لكنني لم أعد أخشاه. فلأول مرة منذ زمن طويل، لم أكن أنتظر صوتا يطمئنني، ولا رسالة تعيد إلي أملي، ولا خطوة تأتي من بعيد لتخبرني أنني ما زلت مهمة في حياة أحدهم. كنت أنتظر نفسي فقط. وحين بدأ الضوء يتسلل إلى حواف السماء، شعرت أن الليل، مهما طال، لا يملك حق مصادرة الصباح إلى الأبد. وأنني، رغم كل ما انكسر في داخلي، ما زلت أملك ما يكفي لأبدأ، وما يكفي لأحلم، وما يكفي لأمضي دون أن ألتفت في كل خطوة إلى الوراء. عندها فهمت أنني لم أكن بحاجة إلى أن يعود من خذلني كي أنتصر، ولا إلى أن يعترف بوجعي كي أصدقه، ولا إلى أن يندم كي أسترد ما تبقى مني. كان يكفيني أن أعود إلى نفسي، وأن أفهم أن بعض الطرق لا تنتهي لأننا عجزنا عن مواصلة السير، بل لأن مواصلتها كانت ستأخذ منا ما تبقى من أعمارنا. لم يأت الفجر ليعيد إلي ما فقدت، بل ليكشف لي أنني ما زلت أملك حياة لم أعشها بعد. أغلقت باب الانتظار خلفي، وحملت حقيبتي ومضيت. لم أكن المرأة التي خرجت يوما تبحث عن النجاة، ولا تلك التي أغلقت حقيبتها خوفا من خسارة الحب. كنت امرأة أخرى، تعرف أن القلب قد ينكسر دون أن تنتهي الحياة، وأن بعض النهايات لا تأتي لتطفئنا، بل لتمنحنا فرصة أن نضيء من جديد. وهكذا، بعد ليل طال حتى ظننت أن العتمة صارت قدري، أزهر الفجر في داخلي. لم يكن فجر عودة أحد، بل فجر عودتي أنا. فما أقسى الليل حين نظن أنه لن ينتهي، وما أعظم الفجر حين نكتشف أننا، رغم كل ما حدث، لم نُخلق لنظل في العتمة.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا