- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةإضاءاتالقرية الفيتنامية في المغرب: حكاية حرب وهجرة وجذور جمعت بين قارتين.

القرية الفيتنامية في المغرب: حكاية حرب وهجرة وجذور جمعت بين قارتين.

في قلب منطقة الغرب المغربي، بعيداً عن المدن العتيقة وأسوارها التاريخية ومعالمها المعروفة، تختبئ حكاية إنسانية استثنائية جمعت المغرب بفيتنام، وتركت آثارها في حياة أسر انتقلت من آسيا إلى إفريقيا، حاملة معها ذكريات الحرب وتفاصيل الغربة وخصوصية الانتماء إلى ثقافتين.

إنها «القرية الفيتنامية» في إقليم القنيطرة، حيث تتقاطع الذاكرة المغربية مع الحضور الفيتنامي في قصة بدأت خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، ثم امتدت عبر عقود من الحياة الأسرية والهجرة والاستقرار. وما يجعل هذه الحكاية لافتة ليس غرابة اسم القرية فحسب، بل المسار الذي قاد إليها: جنود مغاربة وجدوا أنفسهم في أقصى الشرق الآسيوي، ونساء فيتناميات انتقلن إلى المغرب، وأبناء وأحفاد تشكلت هويتهم بين جذور عائلية متعددة.

إنها قصة تتجاوز حدود التاريخ العسكري لتكشف كيف يمكن للأحداث السياسية الكبرى أن تغيّر مصائر الأفراد، وكيف تتحول تجربة الهجرة، مع مرور الزمن، إلى جزء من ذاكرة المجتمعات.

من المغرب إلى فيتنام: بداية حكاية غير مألوفة

تعود جذور هذه القصة إلى حرب الهند الصينية الأولى، التي امتدت بين عامي 1946 و1954، عندما خاضت الحركة الوطنية الفيتنامية بقيادة هو تشي منه نضالها من أجل الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي.

كان المغرب آنذاك خاضعاً للحماية الفرنسية، وكان آلاف المغاربة يؤدون الخدمة العسكرية في صفوف القوات الفرنسية، فانتقل بعضهم إلى جبهات بعيدة عن وطنهم، من بينها الهند الصينية.

غير أن مسار عدد من هؤلاء الجنود اتخذ منحى مختلفاً عن التجربة العسكرية المعتادة؛ إذ وجدوا أنفسهم في بيئة جديدة، وأقاموا علاقات مع المجتمع الفيتنامي، فيما انضم بعضهم إلى القوات المناهضة للاستعمار الفرنسي.

ومع تطورات الحرب، لم تعد التجربة بالنسبة إلى هؤلاء مجرد مهمة عسكرية تنتهي بانتهاء العمليات، بل أصبحت بداية لمسارات شخصية وعائلية غير متوقعة. فقد اختار عدد منهم البقاء في فيتنام، وتزوجوا نساءً فيتناميات، وأنجبوا أطفالاً نشؤوا في مجتمع مختلف عن المجتمع الذي ينتمي إليه آباؤهم.

وهكذا بدأت تتشكل روابط إنسانية بين بلدين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، لكنها ستترك بصمتها في تاريخ العلاقات المغربية الفيتنامية.

بافي: سنوات الاستقرار وبناء الأسر

في منطقة بافي، الواقعة شمال غربي العاصمة الفيتنامية هانوي، عاش عدد من الجنود المغاربة السابقين مع زوجاتهم وأبنائهم. وتشير الروايات التاريخية إلى تخصيص فضاء تعاوني لهم، أتاح لهم ممارسة العمل والاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.

كانت الحياة هناك مختلفة عن كل ما عرفه هؤلاء الرجال في المغرب؛ فالمناخ واللغة والعادات والتقاليد الاجتماعية تنتمي إلى عالم آخر. ومع ذلك، استطاعوا بناء أسرهم وتكوين روابط محلية، فيما نشأ أبناؤهم داخل المجتمع الفيتنامي، واكتسبوا لغته وعاداته وارتبطوا ببيئته اليومية.

وبالنسبة إلى هؤلاء الأبناء، لم تكن فيتنام مجرد بلد تقيم فيه الأسرة، بل كانت موطن الطفولة والذكريات الأولى. أما المغرب، فظل حاضراً من خلال الآباء وجذورهم العائلية وصلاتهم بوطنهم الأصلي.

ومن هنا يمكن فهم تعقيد قرار العودة لاحقاً؛ فالأمر لم يعد يتعلق برجال يستعيدون طريقهم إلى بلدهم، بل بعائلات تضم نساءً وأطفالاً تشكلت حياتهم في فيتنام، وأصبح الانتقال إلى المغرب يعني بداية تجربة جديدة للجميع.

العودة إلى المغرب سنة 1972: بداية فصل جديد

بعد سنوات طويلة من الإقامة في فيتنام، عاد عدد من الجنود المغاربة السابقين إلى وطنهم سنة 1972، برفقة زوجاتهم الفيتناميات وأبنائهم، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ هذه الأسر.

وتتحدث الروايات المنشورة عن نحو تسعين شخصاً ضمن مجموعة العائدين، مع وجود اختلاف في الأرقام المتداولة بشأن عددهم. وقد استقر بعضهم في منطقة الغرب المغربي، حيث أتاحت البيئة الزراعية فرصاً لبناء حياة جديدة وممارسة العمل.

لم تكن العودة مجرد رحلة من بلد إلى آخر، بل كانت انتقالاً اجتماعياً وثقافياً عميقاً، خصوصاً بالنسبة إلى النساء الفيتناميات اللواتي وجدن أنفسهن أمام لغة وبيئة وعادات مختلفة عما ألفنه في بلدهن الأصلي.

ومع مرور الوقت، بدأت الأسر تتأقلم مع محيطها الجديد. وانخرط الأبناء في الحياة المغربية، بينما حافظت العائلات، بدرجات متفاوتة، على جوانب من ذاكرتها الفيتنامية، لتتشكل تجربة خاصة تجمع بين الاندماج في المجتمع المغربي والاحتفاظ بروابط الأصل العائلي.

ومن هذه التجربة برزت تسمية «القرية الفيتنامية»، التي أصبحت تختصر حكاية مجموعة من الأسر حملت تاريخها معها من آسيا إلى شمال إفريقيا.

أين تقع القرية الفيتنامية اليوم؟

تقع القرية في دوار الصفاري، التابع لجماعة عامر السفلية بإقليم القنيطرة، ضمن منطقة الغرب الزراعية، بالقرب من سيدي يحيى الغرب.

وليست القرية مدينة مستقلة أو تجمعاً فيتنامياً منفصلاً عن المجتمع المغربي، بل منطقة سكنية اكتسبت شهرتها من تاريخ الأسر المغربية الفيتنامية التي استقرت فيها.

وقد تراجع عدد الأسر المقيمة في الدوار مقارنة بالمراحل الأولى. ووفق تقرير نشرته منصة SNRT News في فبراير 2023، استناداً إلى وكالة الأنباء المغربية، كانت سبع أسر مغربية فيتنامية لا تزال تعيش هناك.

وتكشف هذه المعطيات عن تحولات المجتمع المحلي مع مرور الزمن، إذ انتقل بعض الأبناء والأحفاد إلى مناطق أخرى بحثاً عن العمل أو الدراسة أو ظروف معيشية مختلفة. وبذلك لم تعد القرية تضم العدد نفسه من الأسر التي ارتبطت بنشأتها الأولى، لكن قيمتها التاريخية والإنسانية ظلت أكبر من حجمها الجغرافي.

فالقرية اليوم ليست مجرد مكان يحمل اسماً غير مألوف، وإنما ذاكرة حية لتجربة نادرة في تاريخ الهجرة والاندماج والتواصل بين الشعوب.

هوية تجمع بين المغرب وفيتنام

تتجلى خصوصية هذه التجربة في الدور الذي أدته النساء الفيتناميات، وفي حياة الأبناء الذين نشؤوا بين ثقافتين. فقد حملت الأمهات معهن ذكريات الطفولة واللغة والتقاليد الأسرية، بينما اكتسب الأبناء، من خلال حياتهم اليومية، لغة المجتمع المغربي وعاداته وروابطه الاجتماعية.

ولم يكن الجمع بين الجذور المغربية والفيتنامية بالضرورة تعبيراً عن تناقض في الانتماء؛ فالهوية الإنسانية أوسع من أن تختزل في أصل واحد، كما أن الاندماج في مجتمع جديد لا يستلزم محو الذاكرة العائلية.

ومن هذه الزاوية، تقدم القرية مثالاً على الكيفية التي تتشكل بها الهويات عبر الهجرة والزواج والتفاعل اليومي، بعيداً عن التصورات التي تنظر إلى الثقافات باعتبارها كيانات مغلقة لا تتداخل فيما بينها.

وتستحق هذه التجربة اهتمام الباحثين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ودراسات الهجرة والذاكرة الجماعية، لأنها تتيح دراسة أثر التحولات السياسية في الحياة الخاصة للأفراد، وكيف تنتقل آثارها من جيل إلى آخر.

«باب الفيتنام» و«باب المغاربة»: ذاكرة على ضفتي الرحلة

في 24 نوفمبر 2022، شهد دوار الصفاري تدشين معلمة تذكارية حملت اسم «باب الفيتنام»، بمبادرة من سفارة جمهورية فيتنام الاشتراكية في المغرب، وبحضور مسؤولين وشخصيات من البلدين.

استلهم تصميم المعلمة عناصر من العمارة الفيتنامية التقليدية، وزُيّن بزخارف مستوحاة من تراث ذلك البلد، من بينها زخارف التنين، مع توظيف عناصر فنية من فيتنام وأعمال حجرية أنجزها حرفيون مغاربة.

ولم يكن الهدف من إقامة هذا الباب إضافة معلم جمالي إلى الدوار فحسب، بل تخليد قصة الأسر المغربية الفيتنامية، والتعريف بتاريخها، وإبراز البعد الإنساني للعلاقات بين البلدين.

وتزداد رمزية هذه المعلمة وضوحاً عند مقارنتها بـ«باب المغاربة» الموجود في منطقة بافي الفيتنامية، والذي يرتبط بمرحلة إقامة الجنود المغاربة السابقين هناك. وتشير الروايات المتعلقة بالموقع إلى إنجازه خلال الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1960، ليكون مدخلاً إلى فضاء تعاوني ارتبط بإقامتهم وعملهم.

وهكذا نجد باباً في المغرب يستحضر الذاكرة الفيتنامية، وآخر في فيتنام يستحضر الحضور المغربي. ولا يعني ذلك تطابق ظروف إنشاء المعلمين أو وظائفهما، لكنهما يلتقيان في دلالتهما الرمزية، باعتبارهما شاهدين على تجربة إنسانية تجاوزت حدود المكان.

فالأبواب، في هذه الحكاية، ليست مجرد منشآت معمارية؛ إنها علامات تختصر رحلة طويلة من الحرب إلى الاستقرار، ومن الغربة إلى تكوين الأسرة، ومن الذاكرة الفردية إلى الذاكرة المشتركة بين شعبين.

من الذاكرة التاريخية إلى التبادل الثقافي

تتيح قصة القرية الفيتنامية فرصة لتحويل هذا الإرث الإنساني إلى مشروع ثقافي وتعليمي مستدام، بدلاً من بقائه محصوراً في نطاق محلي محدود.

ويمكن أن تبدأ هذه المبادرة بتوثيق شهادات أفراد الأسر، وجمع الصور والرسائل والوثائق المتاحة، وتسجيل الروايات الشفوية للنساء والأبناء والأحفاد، قبل أن تتراجع فرص الاستماع إلى الجيل الذي عايش البدايات الأولى.

كما يمكن إعداد معرض دائم صغير يروي مراحل الرحلة من المغرب إلى فيتنام ثم العودة، ويقدم معلومات عن السياق التاريخي لحرب الهند الصينية، وعن حياة الأسر في بافي، وظروف استقرارها في منطقة الغرب.

ومن شأن التعاون بين المؤسسات الثقافية المغربية والفيتنامية أن يفتح المجال أمام لقاءات مشتركة وبرامج للتبادل الثقافي، وربط الموقع بمبادرات تعليمية تعرف الأجيال الجديدة بتاريخ البلدين.

ويمكن أيضاً إعداد مادة توثيقية رقمية باللغات العربية والفيتنامية والفرنسية، تتيح للباحثين والمهتمين الاطلاع على هذه التجربة، وتساعد على إبرازها ضمن خريطة الذاكرة الإنسانية المشتركة.

ولا يشترط أن تبدأ هذه المبادرات بمشروعات كبيرة أو مكلفة؛ فتوثيق الروايات العائلية وحفظ الصور وإتاحة المعلومات الموثوقة للجمهور يمكن أن يشكل أساساً عملياً لصون هذه الذاكرة وتطويرها مستقبلاً.

قرية صغيرة وحكاية تتجاوز حدود الجغرافيا

ليست القرية الفيتنامية في إقليم القنيطرة مجرد تجمع سكني يحمل اسماً لافتاً، بل هي حصيلة تجربة تاريخية تداخلت فيها الحرب والهجرة والزواج والعودة والاستقرار.

بدأت الحكاية مع جنود مغاربة انتقلوا إلى فيتنام خلال حقبة الاستعمار الفرنسي، ثم اختار بعضهم تكوين أسر هناك، قبل أن يعودوا إلى المغرب سنة 1972، حاملين معهم زوجاتهم وأبناءهم وذكريات سنوات طويلة من الحياة في آسيا.

ومع مرور العقود، أصبحت هذه الأسر جزءاً من النسيج الاجتماعي المغربي، فيما بقيت صلتها بفيتنام حاضرة في الذاكرة العائلية، وتجسدت رمزياً في «باب الفيتنام» بالمغرب و«باب المغاربة» في فيتنام.

وتذكرنا هذه القصة بأن التاريخ لا يُكتب دائماً في قصور الحكم أو ساحات المعارك، بل قد يتشكل أيضاً من قرارات أفراد عاديين وجدوا أنفسهم في ظروف استثنائية، ثم امتدت آثار تجاربهم إلى الأبناء والأحفاد.

وبين المغرب وفيتنام، تقدم هذه القرية نافذة على قدرة العلاقات الإنسانية على تجاوز المسافات والاختلافات الثقافية، وتحويل التجارب الصعبة إلى جسور للتعارف والتواصل.

فقد تفصل بين بلدين آلاف الكيلومترات، لكن حكاية أسر واحدة قد تجعل المسافة أقصر، وتمنح الذاكرة المشتركة معنى يتجاوز حدود الجغرافيا، لتصبح جزءاً من تاريخ الصداقة بين شعبين وقارتين.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا