- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةتأملات في المعنى السياسي لظرفية لا تتكرر!

تأملات في المعنى السياسي لظرفية لا تتكرر!

ا .برادة حميمة محمد

تستوقفك في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان عبارة تبدو للوهلة الأولى وصفًا لفرص التنمية، لكنها سرعان ما تفتح بابًا على معنى أعمق: «ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي لا تتكرر».

لعل ما يمنح هذه العبارة عمقها ليس فقط ما توحي به من إمكانات تنموية، بل ما تستدعيه من تأمل في علاقتنا بالزمن السياسي نفسه: كيف نعبر لحظة تتسع فيها فرص الإنجاز من دون أن نغفل ما يعتمل في أعماق المجتمع من انتظارات قوية؟ وهل تكفي القدرة على تسريع التنمية، أم أن اللحظة تتيح أيضًا إعادة التفكير في شروط الثقة، وفي المسافة التي قد تنشأ بين المؤسسات ومحيطها الاجتماعي (ضعف نسبة المشاركة الانتخابية)؟

فهل تبحث السياسة اليوم عن روحها؟

في المشهد المغربي اليوم إشارات يصعب اختزالها في دلالات انتخابية أو اجتماعية عابرة: صعود لافت لتحالف اليسار، وحضور اجتماعي وتنظيمي متنامٍ لجماعتي العدل والإحسان والعدالة والتنمية، وأسئلة «مسيرة سبتة» وحراك جيل «Z» حول الكرامة والعدالة والتمثيل. قد لا تجمع هذه التعبيرات رؤية واحدة، لكنها تلتقي، على اختلافها، عند حقيقة تستحق الإصغاء: ثمة مجتمع يتحرك، وتطلعات تبحث عن «لغة» سياسية تستطيع أن تمنحها معنى وصوتًا وأفقًا!

وفي قلب هذا الحراك يعود سؤال «الملكية البرلمانية»، لا بوصفه شعارًا دستوريًا فحسب، بل مدخلًا للتفكير في طبيعة التوازن بين المؤسسات، وفي الصيغ التي يمكن أن يتطور بها النظام السياسي المغربي. غير أن هذا التفكير يظل محتاجًا إلى استحضار السياق الذي تشكلت داخله الدولة الحديثة، خاصة الأدوار التي اضطلعت بها المؤسسة الملكية في الاستقلال، وفي استقرار وتوجيه اختيارات الوطن الاستراتيجية الكبرى، وتمتين وحدة الكيان المغربي.

ففي قضية الوحدة الترابية مثلًا، كما في استرجاع وتعزيز العمق الإفريقي للمملكة، وفي تأطير الحقل الديني ضمن المرجعية المالكية الأشعرية، تراكم رصيد يتجاوز التدبير السياسي اليومي، ليلامس عمق أسئلة الاستقرار والهوية وموقع المغرب في محيطه الإسلامي الإفريقي العربي. واستحضار هذا الرصيد لا ينبغي أن يكون ذريعة لإغلاق النقاش، كما أن «مساءلة» البنية الدستورية لا تستلزم تجاهل ما أسهم في تعزيز استمرارية الدولة العريقة وصيانة المقومات الكبرى للكيان.

ولعل السؤال الأعمق إذن، ليس كيف نضع الاستقرار في كفة والديمقراطية في أخرى، بل كيف نفكر في تطور سياسي مستمر يستوعب الخصوصية الحضارية المغربية، ويتيح في الوقت نفسه تجديد المشاركة وتوسيع المحاسبة وتعميق المسؤولية. فهل يمكن لمؤسساتنا أن تستمد من تجربتها ما يعينها على التجدد، بدل أن تتحول تجربتنا إلى سقف يعيق «تخيّل» المستقبل؟

حين تتسع التنمية ويضيق الأفق؟

ثمة مفارقة تستحق الإصغاء أكثر مما تستدعي الحكم: قد تتقدم المشاريع الكبرى، ويتعزز الحضور الدولي للمغرب، بينما لا يشعر بعضنا بأن الآفاق الخاصة والعامة تتسع بالقدر نفسه.

فقوة الدولة، في نظر الأجيال الجديدة، ليست فقط فيما تشيده من بنى تحتية عملاقة، أو ما تحققه من مكاسب استراتيجية، إنها أيضًا المدرسة التي تهذب وتفتح أبواب المستقبل أو توصدها، والمستشفى الذي يصون الكرامة، وفرصة العمل التي يصبح معها الاستحقاق سبيلًا إلى الارتقاء الاجتماعي، والقضاء الذي يلامس سماء العدل…

ومن هنا، ربما لا تكون المسافة بين الإنجاز والشعور به مجرد مسألة تواصل، بل سؤالًا أعمق في معنى التنمية حين تتحول إلى واقع يعيشه المواطن، لا أرقامًا يتابعها من بعيد. فما الفائدة من «تقدم» الوطن ويظل أمل المواطن متعثرًا؟ وكيف تستقر الثقة إن لم يجد المغربي في حياته اليومية ما يسند إحساسه بالانتماء؟

عند هذه النقطة يلتقي الإصلاح السياسي مع الإصلاح الاجتماعي. فالثقة لا تنمو بالخطاب وحده، والهوية لا تزداد رسوخًا بتجنب الأسئلة الحقيقية التي تحتاج إلى قدرة على الجواب بهدوء يجدد معناها. وحين يشعر المواطن أن كرامته مصونة، وأن نصيبه من ثمار التنمية عادل، يصبح الوطن أكبر من «ذاكرة موروثة»؛ يغدو مستقبلًا للمواطن مكانه في «صناعته»!

ولعل «المناعة الوطنية» تبدأ من هذا الالتقاء الحقيقي بين الإنصاف والانتماء، حيث لا تعود المواطنة مجرد رابطة وجدانية، بل تصبح استحقاقات يومية في العدل والاعتراف وتكافؤ الفرص والاستفادة من التنمية.

فهل نحن فعلًا أمام فرصة للتجدد دون أن نتبدد؟

إذا كانت هذه الظرفية تحمل فرصًا قد لا تتكرر، فلعل الرهان الأبعد ليس في حجم التحولات التي يمكن إنجازها، بل في قدرتها على إحداث تحول في العلاقة بين الدولة والمجتمع. أن تصبح المكتسبات التنموية مدخلًا إلى ثقة أعمق، وأن تجد هذه الثقة ترجمتها في مدرسة عمومية تستعيد جاذبيتها، وحق في الصحة أكثر إنصافًا، وفرص شغل تفتح أفقًا للأجيال الجديدة، ومؤسسات منتخبة تعبر فعلًا عن المواطن.

فالتاريخ لا يكرر نداءاته بالصوت نفسه، وقد لا تضيع الفرص لأن الإمكانيات غائبة، بل لأن الحاضر «يستغرقنا» إلى حد يجعلنا نؤجل الأسئلة التي سيصبح ثمن تأجيلها أفدح غدًا وبعد غد! ولعل في الحكمة الصوفية ما يضيء جانبًا من هذا المعنى: الوفاء للأصل لا يعني الاكتفاء بصورته الأولى، والثبات لا يستلزم الجمود. فالشجرة لا تحمي جذورها بمنع أغصانها من النمو، بل تستمد من عمقها القدرة على استقبال الضوء والريح، كما يقال.

بهذا المعنى، لا يبدو استقرار المغرب وتقدمه نقيضًا لإصلاح مستمر لنظامه السياسي والإداري، كما لا ينبغي أن يحجب النقاش الدستوري العلمي والأصيل ما تراكمه المؤسسة الملكية من أدوار استراتيجية كبرى. ولعل المطلوب اليوم هو أن يظل هذا الرصيد مصدر قوة للمستقبل، لا مجرد استدعاء للماضي، وأن يتسع أفق الإصلاح بما يسمح بتطوير المشاركة والمحاسبة وترسيخ العدالة الاجتماعية، من دون التفريط في مقومات الاستقرار. أفلا تكون الفرصة التي قد لا تتكرر هي أن ندق أبواب لحظة يصبح فيها التحديث والإصلاح تعبيرين عن الثقة لا علامة على الخوف، وتصبح حماية الاستقرار مدخلًا إلى مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل؟

فالأوطان لا تكتمل بما تشيده من عمران فحسب، بل بما تمنحه لأبنائها من طمأنينة، وبما تفتحه أمامهم من إمكانات للحياة والأمل. وربما لا يكون الرهان الأكبر لهذه الظرفية أن نغير «ملامح» وجه البلاد، بل أن نعيد النظر في المسافة بين ما أنجزناه وما يتطلع إليه المواطنون، حتى يصبح رصيد الدولة المغربية العريقة سندًا لمستقبل أرحب، وتغدو الثقة نفسها أحد أهم إنجازات التنمية المأمولة.

أهم الفرص لا تكمن قيمتها فيما تتيحه لنا من تغيير، بل فيما تدعونا إلى تغييره في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى المستقبل.

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا