ا. اسعد الجبوري*
لا وجود لطاولة في تلك الليلة التي كانت مخصصةً للسهرة مع الشيطلائكة الموجودين في المنزل السماوي للشاعر الكندية جاي ماكفيرسون،ذلك المنزل الذي كانت تتصدره مرآةٌ عملاقة عليها كتابات شعرية بقلم أحمر الشفاه.
قبل أن تحين لحظة فتح الحوار الاعترافي مع الشاعرة التي كانت تتصدر الأريكة المصنوعة من ريش النعام ،تقدم نحونا شابان وفتاةٌ وهم يحملون زجاجات نبيذ (التروك) المستخلص من أحد شجيرات الفردوس،ليقدموا لكلّ منا زجاجة دون كأس.
ثمة موسيقى عبثية دون سلالّم.وثمة سكارى ينشدون خلف أسوار المنزل بعض أناشيد الوجود والعدم،فيما كانت موجات النبيذ تدّبُ في عروقنا دون مكابح،مما سارع بطرح أولى الأسئلة على الشاعرة ماكفيرسون.قلنا لها :
س:من ولادتك على تراب إنكلترا إلى العيش في كندا حتى مغادرتها للأبد. هل ثمة جسر ما بين البلدين؟
ج/أجل. ثمة جسر واحد بمهمة واحدة لا غير،أن تقطعه من الولادة وحتى السقوط بالعدم.
س:وماذا عن طعم تراب البلدين أو رائحتهما ؟
ج/الأقدامُ وحدها مختصةٌ بتدوين ذلك .فتراب الإنكليز أحمرٌ مغطى بالضباب،فيما لا يوجد ترابٌ جيولوجي في كندا سوى البديل الجليدي المصاب بالتَوحُد.
س:كأن بكِ رغبة للتموضع بجراب كنغر ،والنظر للعالم وأنت محمولة في ذلك الكيس ؟
ج/أنا فعلتُ ذلك،حينما حوّلت الرغبة إلى واقع وانتصرت بتأمل العالم .
س:كيف ؟
ج/حدث ذلك عندما قفزتُ من جوف كيس الكنغر إلى سطح اللغة.
س:وماذا وجدت على سطح اللغة ؟
ج/وجدتُ حيوانات الأساطير الجميلة نائمةً بزجاجات الخمور مع الفراشات والكتب والكراسيّ المشغولة باعترافات العاشقين.
س:أنتِ تشيرين إلى الكراسي الكنسية الخاصة بالاعترافات ؟
ج/بالضبط. ولم أتصور يوماً بأن الخطيئة .أية خطيئة تستسلم للاعتراف الكامل بما فعلت وبما اقترفت وبما ستتحمل من ذنوب وعقوبات.
س:هل تعتبرين الشعر ذنباً من الذنوب كما هو وارد في بعض الديانات؟
ج/لا أعتقد ذلك ألبته.ذلك أن الشعر أبو ذنوب الذات ومُطهرها على الورق بالنار المتوحشة.
س:إلى أية ضفة من الشعر تشيرين يا جاي ماكفيرسون؟
ج/إلى ضفة النهر اللغوي الذي يجري في الشرايين.
س:هل تظنين بان ثمة شرايين خاصة بالشعر في بعض الأجساد ؟
ج/نعم .ذلك أمرٌ حتمي عند الشعراء،مثلما يقابله عند آخرين أنابيبٌ للصرف الصحي كبديل عن مجرى الفن والأدب والغرام.
س:وما علاقة الغرام باللغة هنا؟
ج/لأنه أصلُ كلّ لغة.
س:تقصدين أن لغة الحبّ فوق كلّ لغات الوجود؟
ج/لا يمكنني نكران ذلك،فأنا،وكلما اندمجت باللغة أكثر، شعرتُ بتكاثر جمال المفردات وشراستها وتمدّدها من رأسي إلى قدميّ.
س:هل رأسُ الشاعرة رَحِمٌ؟
ج/ولمَ لا يكون بمخيّلتهِ هكذا لمنافسة آبار الحداثة .
س:ماذا عن الحداثة الكندية في الشعر؟
ج/كتلةٌ ثلجيةٌ في مجرى الرّيح.
س:هل هي في مدار قلق ؟
ج/أعتقد أنها حداثة مُربكة بسبب تعلقها بالروح الأكاديمية المُملّة إلى حد ما.
س:كأنك ترمي بسهم حادّ إلى دور الناقد (نورثروب فراي) بتأسيس نظريات ذات قدرات واسعة تضع الشعر في متاهات شاقة .هل في هذا شيء من الصحة يا جاي ماكفيرسون ؟!
ج/لقد أثرت كتاباته التنظيرية بنمو تجارب أغلب الشعراء الكنديين،وهو ما جعل الشعر الكندي خلال فترة الخمسينات خاضعاً لسيطرته.
س:هل تظنين نفسك شاعرة كلاسيكية أم شاعرة حَرّرها الغاوون الأشرار إلى امرأة تقف أمام المرآة وتفكر بطريقة تهشيم زجاجها ؟!!
ج/أحياناً أنام بين أربعة جدران دون سقف،وأحياناً أجد المكان عارياً وبلا جدران يمكن الوثوق بقدرتها على توفير الحماية إليك.
س:كيف دخلت إلى عالم الأساطير؟
ج/دخلتُ إلى هناك بطريقة الحبو وليس بواسطة الطيران.
س:ما الذي جذبك إليها .مخلوقات الأساطير أم التطرف الزائد بالخرافات التي تتشكّل منها حكاياتها الفانتازيا التي تتشكل من الديانات والفنون والتقاليد والفلكلور والعلوم الاجتماعية ؟
ج/كنت أحلم بالزواج من بعض أبطالها. هكذا كنت أقضي الليالي وأنا أنتظر وأحلم وأجسد صورة العروس في حفلات للزفاف على الورق.
س:هل تحلمين بالزواج من الشخصيات الطوطمية؟!!
ج/نعم.وأعتقد بأنهم الأفضل وجوداً خيالياً ممن الموجودين على الأرض واقعياً.
س:ألمْ يكن الناقد (نورثروب فراي) الذي عملت معه لأربعين عاماً طوطمياً صالحاً للمعاشرة ما بعد الأدبية النقدية الشعرية مثلاً ؟
ج/لقد استحوذت قصيدتي (العين الثالثة) عليه تماماً،على الرغم من أنني كتبتها قبل معرفتي بفراي بسنوات طويلة. ولكن تلك القصيدة سرعان ما أصبحت بمثابة مأوى للناقد الشرس فراي ،ليكون فيما بعد شهياً بتنظير جسدي قطعة قطعةً حتى تغلغلي بترابه شعرياً ،وإلى سقوطه من على سرير النقد الأسطوري في حوض الشهوة الناري.
س:وآنذاك تحولتما إلى الرماد الفينيقي .أليس هذا ما تريدين قوله ؟
ج/وذلك ما حدث بالضبط.
س:ومراسلاتك مع جورج جونستون .لماذا أعلنت الحرب على من حاول الوصول إليها عبر الأرشيف في كلية فيكتوريا؟!
ج/ثمة صفحات من حياتي يجب أن تذهب للنار بلا تردد.ذلك ما يمكنني قوله.
س:ما الذي قدمه الشعراء الكنديون للحداثة بعد الحرب العالمية الثانية؟
ج/حاولوا تنظيف الكلمات من الرماد ،وتلبيس اللغة بالأزياء الجديدة.
س:هل كنت مقتنعة بتلك الأفعال ؟
ج/ليس كثيراً. فأنا لم أجد ذلك الانفتاح الواسع للشعر الكندي على خلايا الشعر العالمي إلا بنسب محدود وضيقة تخص أوروبا فقط.
س:وماذا كان طموحك بالضبط؟
ج/أن يكون الاندماج بشعر الشرق.هناك الغنى والقوة والتصوف والبلاغة التي يستفيد منها الشعراء وتتقوى بها عِظام الشعر.
س:هل كنت رومانسية بالقدر الكافي ضمن محطات الشعر في كندا؟
ج/أعتقد ذلك.فقد وجدت في شعري نباتات غنائية مؤثرة تنمو وتزدهر كتلك الآلام.
س:كيف تصبح الشاعرةُ رومانسيةً برأيك؟
ج/إن أكثر ما كان يؤلمني هو الإبقاء على الكلمات داخل الأقفاص.لذلك اخترت لغة المايوه والاستغراق بالسباحة تحت الشمس.
س:عاريةً!
ج/لا وجود لشعر يختار السباحة بملابسه،ولا ينتهي به المطافُ غريقاً خارج الوجود الحيوي.
س:وما مدى علاقة الخيال بالسباحة شعرياً؟
ج/ليس غير الطيران.إن خشية الشاعر من أعمال التحليق في فضاءات اللغة،تجعل منه جرذاً قارضاً تحت الأرض.
س:ولكنك كنت تقليدية في الكثير من الأعمال الخاصة بالأغاني الإليزابيثية والأحاجي الأنجلوساكسونية حسب نظرة بعض النقاد.ما مدى صحة ذلك ؟
ج/أنا حاولتُ بناء قصائدي بأنفاس الرومانسية الرعوية.ولا أستطيع تبرير بعض المحطات التقليدية التي مررت بها .
س:لذلك حاولت الاستعانة بالأساطير للخروج من المأزق ؟
ج/كنت خرافية إلى حدّ ما. ولذلك حاولت تسويق نتاجي الشعري عبر ذاك البخار الأسطوري الممتع والفاتن ،باعتباره أفضل الأمكنة التي تصلح للشعر.
س:كيف يستطيع الشعرُ السكنَ في ذلك البخار الأسطوري؟
ج/يستطيع بكل تأكيد،فمنازل اللغات القديمة لم تعد تصلح لإيواء البراغيث والخراف والنمل والخنازير والكلاب .
س:هل بسبب ندرّة الأعلاف أم بسبب ضيق غرف اللغة؟
ج/الشاعر قبسٌ فوضوي لا يمكن التعوّيل على إنارته للعالم بمعزل عن الشّهوات العظمى.
س:لمَ تعتقدين بذلك يا جاي ماكفيرسون؟
ج/لأن الشعرَ نشاطٌ جنسي بالدرجة الأولى.
س:وهل تعتبرين اللغةَ هي الرَحِم لذلك النشاط؟
ج/لا. أعتقد بأن المخيّلة هي المكان الأول لذلك النشاط الجنسي،ومن بعده تأتي الأصابعُ لصياغة الكلمات وتَدوْين النصوص.
س:حتى إذا كان الشعرُ سياسياً ؟
ج/لا أعتقد إن الشعر السياسي غير نشاط احتيالي دموي فاسد انتهازي ،موضعه على الدوام الموقد أو سلةُ المهملات أو المشرحة.
س: ما محتويات جسد ماكفيرسون؟
ج/ النرجسُ والعقل الساخن وقميص الحرير الذي تلزمه الكثير من الأزرار.
س:هل كانت صاحبة ذلك القميص هاربةً من الأزرار للتمتع بحمامات شمسية،أم إن الأمر يتعلّق برفض وضع أن يتحوّل القميص إلى قفص؟
ج/الأخير هو الأصح.لا صبر لي على رؤية قفص ،مثلما لا طاقة لي على تحمل فكرة تقفيص الجسد.
س:ألا تضعين الأجساد الأنثوية في خانة الأساطير؟
ج/لا أظن ذلك سيكون صحيحاً.فالجسد الأنثوي يفيض بكلّ ما في الواقع من سحر وأسرار ومشاعر وفيضانات من الشّهوات المُعقدّة،فيما الأساطير مؤلفات خرافية مُختَلَقة لحكايات مُسلّية.
س:كيف كانت علاقتك بالبكاء؟
ج/ليست جيدة.
س:هل لأن عينيك حفرتان تملؤهما الصور بدلاً من الدموع؟
ج/ذاك كان صحيحاً.فلمْ يسرقني الدمعُ بدوافع قاسية لتكوّين البحيرات الحزينة إلا في حدود لا يستطيع فيها المرء السيطرة على كسر سدود البكاء المتعلق بجروح الأرواح.
س:والقصائد.أليس فيها من الجروح ومن الدموع ومن القهر ما يفيض عن حاجة الشعر؟
ج/أعتقد بأن الشعر قادر على غسل قدميه من الوحل،مثلما تحاولُ اللغة حمايته والحفاظ على نزاهة القهر الشعري دون الانحدار بالحزن إلى ضحالة المستنقعات.
س:وماذا عن الشعر بعد الموت؟
ج/يتحوّل إلى ما يشبه أسماك السالمون وهي تشق المياه عكس التيار،لتصل إلى منازلها الأولى فتضع بيوضها هناك ،للتجدّد بقوة الشفرات الوراثية لذلك التناسل المحمول على قاعدة الرغبة بالبقاء.
س:ولكن تلك الأسماك تموت في نهاية مطاف الهجرة.هل يفضل الشعرُ الموت على طريقة أسماك السالمون؟
ج/ألمْ تقرأ ما ورد في سورة الأنعام ((وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحية إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون)) لتتأكد من المشهد ؟!!
س:هل تعتقدين بأن دورة الشعر ،عادةً ما تبدأ بالنفس فتنتقل مَسْلَكيّاً إلى دورة الماء في الطبيعة وحتى قيامة البعث؟
ج/ أعتقد أن الشعر يدورُ دورته الكاملة حول العالم ،ثم يهرب من الموت قاطعاً الخيط الوراثي مع ما يُسمى بالشفرات الجينية.
س:كأنك تقصدين بأن الشعر رافضي للجنة وعاصي على الدخول للجحيم ؟!!
ج/أجل. ذلك لأن الشعر يعتبرُ نفسه وسطياً وفقاً للجسد الذي يتكوّن منه،نصفه نارٌ والآخرُ ماء.
س:ومن هو الأعظم نسبةً في جسدك أنت :الماء أم النار يا جاي ماكفيرسون؟
ج/ما زلتُ أشعر بأن المياه التي غطتني بقبري،لم تُخمد هذي النيران التي ما تزال مشتعلةً بجسدي مذ يوم صعودي إلى السموات .
س:ولم يتدخل بإطفائك ملاكٌ من الملائكة أو أحدٌ من الشياطين مثلاً ؟
ج/حاول شيطلائكي شاطرٌ آنذاك، أن يستبدل نيران الآلهة في جسدي بناره الخاصة ويتحكم بحركة الزلازل فيه.
موسوعة بريد السماء الافتراضي
الكتاب السادس عشر
_______________________________________
لمحة:
جاي ماكفيرسن هي كاتِبة وشاعرة كندية، ولدت في 13 يونيو 1931 في لندن في المملكة المتحدة، وتوفيت في 21 مارس 2012 في تورونتو في كندا. ويكيبيديا
تاريخ ومكان الميلاد
13 يونيو 1931، لندن، المملكة المتحدة
تاريخ ومكان الوفاة
21 مارس 2012 (العمر 80 سنة)، تورونتو، كندا
الجوائز
جائزة الحاكم العام للشعر أو الدراما باللغة الإنجليزية
التعليم
جامعة تورنتو، Carleton College، جامعة مكغيل
#جاي_ماكفيرسون #الشعر_الكندي #الشعر_العالمي #الحداثة_الشعرية #الأساطير_والأدب



