- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةآراء حرةزلزال دبلوماسي على وقع الاستفزازات الإسبانية: سبتة ومليلية جوهرتان مغربيتان تأبيان الطمس،...

زلزال دبلوماسي على وقع الاستفزازات الإسبانية: سبتة ومليلية جوهرتان مغربيتان تأبيان الطمس، وقد دقت ساعة الحزم الوطني!

في ظرفية إقليمية ودولية بالغة الدقة، وعلى وقع التحركات الاستفزازية والمتهورة التي أقدمت عليها مدريد مؤخرا عبر زيارة الملك الإسباني المستفزة للمدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية، يجد الضمير الوطني نفسه أمام محطة مفصلية تستدعي أعلى درجات اليقظة والصرامة.

إن هذه الخطوة غير الموفقة تعيد إلى الأذهان رواسب عقلية إمبريالية عتيقة كان يفترض أن تنحسر وتتوارى أمام منطق العصر والتحولات الكبرى الراهنة، لا أن تبعث من جديد في محاولة بائسة لفرض سياسة الأمر الواقع التي أسقطتها الجغرافيا والتاريخ معا.

👈 العقلانية الملكية في مواجهة طيش الدبلوماسية الإسبانية

طوال السنوات الماضية، قادت الدبلوماسية الملكية الحكيمة للمملكة المغربية مسارا استراتيجيا رصينا، قوامه الالتزام الصادق بقواعد حسن الجوار، وتوطيد أواصر التعاون التاريخي على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، و لقد أدار جلالة الملك و لا يزال العلاقات الثنائية بكثير من العقلانية والتبصر والحكمة السياسية البعيدة عن الانفعال، معززا لغة الحوار والتعاون البناء لمواجهة التحديات المشتركة، كتدبير الهجرة وضمان الاستقرار الإقليمي،وهي جهود جسيمة يقدمها المغرب بتضحيات كبرى، كان جديرا بالطرف الإسباني أن يقابلها بالتقدير والتروي، عوض اللجوء إلى مبادرات رمزية مستفزة تعيد فتح الجراح التاريخية وتنسف مناخ الثقة المشترك.

لكن شتان بين دبلوماسية ملكية تزن خطواتها بميزان الحكمة والاستشراف المستقبلي، ودبلوماسية إسبانية تصر بين الحين والآخر على السباحة ضد التيار، متأثرة برواسب عقلية المستعمر العتيقة التي تعاني من عمى سياسي وجغرافي، فالجميع يعلم، بل إن التاريخ والجغرافيا يصرخان بصوت واحد، أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان تقعان في صميم التراب المغربي، ولن يستطيع أي استعراض رمزي أو حضور رسمي أن يمنح مدريد مشروعية تاريخية على الثغرين السليبين، مهما بلغت الحمولة الرمزية لتلك الزيارات ومحاولات طمس الحقائق التي تأبى الجغرافيا إلا أن تفندها.

👈 قراءة في خلفيات التصعيد: استعراض القوة ووهم الهيمنة

تؤكد المعطيات والتقارير الراهنة أن هذه الخطوات غير الموفقة تستحضر منطق استعراض القوة والهيمنة، وتكرس عقلية إمبريالية كان يفترض أن تنحسر أمام التحولات الدولية الراهنة. كما تبرز أن حسن الجوار يقتضي احتراما متبادلا وحساسية بالغة تجاه قضايا الذاكرة الوطنية والسيادة الترابية للمملكة.

وفي هذا السياق، كان الرصيد المشترك للتعاون الأمني والاقتصادي والتجاري والإنساني بين البلدين، إلى جانب التضحيات الحاسمة التي يقدمها المغرب في تدبير تدفقات الهجرة وضمان الاستقرار الإقليمي، يستوجب من الجانب الإسباني قدرا أكبر من التروي والحكمة السياسية، عوض اللجوء إلى مبادرات رمزية تعيد فتح الجراح التاريخية وتربك مناخ الثقة المشترك.

إن استعراض الحضور الرسمي لن يمنح مدريد مشروعية تاريخية على الثغرين السليبين، مهما بلغت الحمولة الرمزية للزيارة، فهذه التحركات لن تغير حقائق الجغرافيا ولا ذاكرة الأمة المغربية، ولن تزحزح قناعة المغاربة قيد أنملة بمغربية المدينتين، باعتبارهما جزءا أصيلا من الهوية الوطنية، وليستا مجرد موضوع خلاف سياسي عابر.

إن مستقبل الشراكة الاستراتيجية بين المملكتين يجب أن يتأسس على التوازن والاحترام المتبادل لمشاعر الشعوب، فقوة الدول الحقيقية لا تقاس بمظاهر التفوق الاستعماري المتجاوزة تاريخيا، بل بمدى نضجها في حماية روابط الثقة المتبادلة وتجنب جرح ذاكرة الجيران.

👈 الوطنية الحية: حين يصبح الموقف الشخصي درسا في السيادة

إن الدفاع عن الثوابت الوطنية والسيادة الترابية ليس حكرا على المؤسسات الرسمية وحدها، بل هو واجب مقدس يقع على عاتق كل مواطن مغربي غيور على وطنه، ولقد حان الآن وقت تحرك المجتمع المدني والأحزاب السياسية وكل الفعاليات الاقتصادية والإنتاجية، من أجل تغليب لغة الوطنية الصادقة والصلبة، ليدرك الإسبان والعالم أجمع أن سبتة ومليلية خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن الوقت قد حان لفتح حوار جاد ومسؤول يعالج أصل النزاع التاريخي.

وإنني، من موقع التجربة والممارسة الميدانية، أستحضر بافتخار مواقف شخصية كنت شاهدا فيها على سمو الشعور الوطني حين يتعلق الأمر بسيادة الوطن ووحدته الترابية.

ففي فترة اشتغالي مع إحدى الشركات الإسبانية، برز خلاف جوهري بسبب اعتماد الشركة خرائط مبتورة للمملكة المغربية، وحينها، لم أتردد لحظة واحدة في المطالبة بفسخ العقد التجاري الذي يجمعنا، محتفظا بذلك الموقف المشرف إلى اليوم، وموضحا للجانب الإسباني بكل صرامة أسباب رفضي القاطع للتعامل مع أي جهة تستهين بوحدة أراضينا، إلى أن تم تصحيح الخطأ الفادح وتدارك الأمر رسميا، لنواصل العمل لاحقا على أساس الاحترام التام لثوابتنا.

ولم تكن تلك الواقعة استثناء، بل شهدت واقعة مماثلة بنفسي، وبحضور شهود عيان، خلال فعاليات معرض البناء الدولي بمدينة الدار البيضاء، حيث وقفت شخصيا على أروقة إسبانية مشاركة تعرض خرائط مغربية مبتورة،وحينها، لم أقف مكتوف اليدين، بل عبرت عن غضبي الشديد واستنكاري العارم لهذا التطاول السافر، وتوجهت فورا إلى إدارة المعرض، مشددا على خطورة الأمر ومصرا على تصحيح تلك الخرائط المبتورة على الفور، واستبدالها بالخريطة الصحيحة للمملكة بكامل ترابها، من طنجة إلى الكويرة.

هذا هو السلوك الوطني الحي الذي يجب أن يتجسد في كل زاوية من زوايا حياتنا اليومية والمهنية؛ فالتصدي للاستفزازات لا يتأتى بالشعارات وحدها، بل بالمواقف الحازمة والعملية التي تثبت للجميع أن المساس بثوابت الأمة خط أحمر دونه الرقاب.

👈 نحو استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التمادي الإسباني

إن إصرار الدبلوماسية الإسبانية على اللعب بالنار واستفزاز مشاعر المغاربة من خلال هذه الخرجات الرمزية المرفوضة يضعنا أمام ضرورة إجراء تقييم شامل لطبيعة التعامل مع الغطرسة الإسبانية الأخيرة ، فلم يعد مقبولا الاكتفاء بلغة الدبلوماسية الهادئة وحدها أمام طرف أدمن سياسة الهروب إلى الأمام ومحاولة جس نبض الصبر المغربي.

إن حماية السيادة الوطنية وتثبيت مغربية سبتة ومليلية تقتضيان جبهة وطنية داخلية متراصة، تتكامل فيها الأدوار بين المؤسسات الرسمية الحكيمة والمجتمع المدني اليقظ والأحزاب السياسية الواعية والقطاع الاقتصادي الغيور ، و على مدريد أن تدرك جيدا أن زمن الاستعمار قد ولى إلى غير رجعة، وأن جغرافية المغرب وتاريخه وحضارته أقوى بكثير من كل المناورات السياسية البائسة التي لن تزيد المغاربة إلا إيمانا بعدالة قضيتهم وتشبثا بكل شبر من أراضيهم المستلبة.

إن المغرب، بقيادته الرشيدة وشعبه الأبي، يمد يده دائما للتعاون البناء القائم على الندية والوضوح والاحترام المتبادل، لكنه في الوقت ذاته يملك من آليات الردع الدبلوماسي والاقتصادي والشعبي ما يجعل كل مستفز يعيد حساباته ألف مرة قبل أن يجرؤ على المساس بالثوابت الوطنية المقدسة.

الكاتب

  • فاعل سياسي، مهتم بشؤون السياسة الاستباقية من المغرب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا