- Advertisment -
تواصل معنا

جديدنا

الرئيسيةثقافة وفنون«تشابك»… حين يعيدنا الخيال إلى ما فقدناه.

«تشابك»… حين يعيدنا الخيال إلى ما فقدناه.

ا . فِدى أبو شقرا عطالله

قرأتُ رواية «تشابك» للكاتب والشاعر عبد الله حسيب عبد الصمد، فوجدتُها مختلفة عن نمط كثير من الروايات الحديثة التي تغرق في المشكلات الاجتماعية والنفسية، وتستمدّ مادتها من تعقيدات الواقع اليومي.

منذ البداية، لم يتضح لي المغزى الحقيقي من عنوان الرواية، ولم ينكشف سرّ «تشابك» إلا في الربع الأخير، حين أدركتُ أن الأحداث التي تدور في عصور غابرة، بما تحمله من بطولات ومواقف ومصائر متشابكة، ليست سوى لعبة «Game» يديرها شخصان في زمن متقدّم، ويتحكمان من خلالها بمصائر أبطالها.

في أثناء القراءة، وجدتني أمام عالمٍ كأننا غادرناه منذ زمن؛ عالمٍ تدور أحداثه حول الأعمال البطولية، والمواقف النبيلة، والمثالية، والأصالة، وتحكمه منظومة من القيم والقواعد. عالمٌ يقدّم خيالًا منطقيًا آسِرًا، ويضع دستورًا واضحًا في زمنٍ أفلتنا فيه من كثير من الدساتير التي كانت تضبط علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.

ولعلّ أكثر ما شدّني إلى الرواية ذلك الشعور بالراحة الذي رافقني وأنا أقرأها. ربما لأننا نحتاج، من وقت إلى آخر، إلى عالمٍ يأخذنا بعيدًا عن عالمنا المعقّد، ويمنحنا فسحة من الخيال، بعدما استحوذت قسوة الواقع وتناقضاته على مساحة واسعة من الأدب المعاصر.

كما لفتني أسلوب الكاتب؛ لغة سهلة ممتنعة، تتكئ على بلاغة هادئة لا ترهق القارئ ولا تستعرض نفسها، وتتخللها حكمٌ تبدو كأنها تنتمي إلى زمنٍ كانت فيه للقيم بوصلتها، وللكلمة وزنها.

«تشابك» رواية يمكن أن يجد فيها الناشئ متعة الخيال، كما يمكن للقارئ الكبير أن يجد فيها شيئًا من القيم التي افتقدناها، وربما شيئًا من الحنين إلى عالمٍ كانت البطولة فيه موقفًا، والأصالة سلوكًا، والوفاء قيمة.

وأظن أن الناشئة اليوم في حاجة إلى مثل هذه الأعمال؛ لا لتعيدهم إلى الماضي، بل لتعيد وصلهم ببعض القيم التي تربّينا عليها، وتفتح أمامهم باب الخيال الذي يكاد يضيق تحت سطوة المقاطع السريعة وفيديوهات «الريلز».

ومن هنا، أتمنى أن تجد هذه الرواية طريقها إلى المؤسسات التربوية، وأن تُقرأ في المدارس ضمن الأعمال التي تجمع بين المتعة والفائدة؛ فهي لا تقدم للناشئ حكاية مشوّقة فحسب، بل تمنحه أيضًا فرصة للتأمل في القيم والاختيارات والمصائر، وتذكّره بأن الخيال حين يحمل رسالة، يمكن أن يكون طريقًا آخر إلى بناء الإنسان.

ا. فدى ابو شقرا عطالله ـ كاتبة وروائية من لبنان

الكاتب

مقالات ذات صلة

ترك تعليق

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا