أ. لطيفة لبريز*
لم يكن أخطر ما حدث أن تتهاوى الأشياء من حوله، بل أن تتهاوى المعاني التي ظل يؤمن بها، واحدا بعد آخر، من غير أن يسمع لها صوت ارتطام. فبعض الانهيارات لا تثير الغبار، ولا تستوقف المارة؛ إنها تحدث في الأعماق، حيث لا تصل يد لترميم ما تصدع، ولا تمتلك الكلمات شجاعة الاعتراف بأن شيئا ما قد انتهى إلى غير رجعة. كان الزمن قد أجاد لعبته معه. لم ينتزع منه كل شيء دفعة واحدة، بل اتبع طريقة أكثر قسوة؛ ترك له من ماضيه ما يكفي لإيقاظ الحنين، وانتزع من حاضره ما يكفي لإيلام الذاكرة. وهكذا صار واقفا بين صورتين لا تتصالحان: صورة يعرفها الذين عرفوه في زمن السعة، وأخرى لا يكاد يتعرف إليها من اعتادوا أن يجدوا في حضوره ما يسند حاجاتهم. وكانت تراقب المشهد من مسافة لا تقاس بالأمتار، بل بالعجز. ترى ما لا يراه العابرون، وتقرأ في انطفاء التفاصيل الصغيرة ما تعجز الملامح عن قوله. كانت تعرف أن بعض الوجوه لا تكشف انكسارها حين يشتد بها الوجع، وإنما تتعلم كيف تخفي خرابها كيلا تمنح الشامتين متعة الاكتشاف. لم يكن في وسعها أن تعيد إليه ما سلبته الأيام، ولا أن تصنع من يديها مأوى يقيه قسوة الطريق. كانت تتمنى لو استطاعت أن تنتزع عنه بعض الثقل، أن تمنحه راحة لا يضطر إلى طلبها، وأن تعفيه من الوقوف أمام أبواب صار طرقها في حد ذاته امتحانا للكرامة. لكنها كانت تملك قلبا يتسع لأوجاعه، ولا تملك من الأسباب ما يكفي لتغيير واقعه. وذلك أحيانا أشد أنواع العذاب: أن ترى من يهمك أمره يتآكل أمامك، وأن تكون رغبتك في إنقاذه أكبر من قدرتك على بلوغ يده. في زمن مضى، لم تكن الأبواب تحتاج إلى طرق طويل كي تفتح، ولم تكن الوجوه تتفحص القادم إليها لتزن ما يمكن أن تجنيه من قربه. كان البيت يتسع لأهله وللغرباء، وللمحتاجين الذين تقودهم ضائقة الحياة إلى عتبات الآخرين. كانت المائدة تعرف أن ما عليها ليس حكرا على أصحابها، وكانت اليد تمتد بالعطاء دون أن تستدعي شاهدا أو تنتظر مقابلا. لم يكن الكرم عندهم ترفا اجتماعيا، ولا وسيلة لشراء المحبة، بل سجية راسخة، وجزءا من معنى الحياة كما عرفوها. كان القادم يجد مكانا، والغريب يجد من يؤنس وحدته، وصاحب الحاجة يجد قلبا يصغي إليه قبل أن يسأله عن حاجته. لم تكن أبواب البيت تفتح على أساس القرابة وحدها، بل على أساس الإنسانية التي تجعل وجع الآخر جديرا بالاهتمام، وتمنح المحتاج حقه في أن يستريح من قسوة العالم ولو لبعض الوقت. لم يخطر لهم يومها أن بعض الذاكرة تحفظ ما نالته من أيد كريمة، ثم تتنكر لتلك الأيدي حين تحتاج هي إلى من يسندها. ولم يتصوروا أن البيت الذي اعتاد استقبال الناس سيأتي عليه زمن يصبح فيه أهله غرباء عن وجوه ألفوها، وأن المعروف الذي قدموه بطيب خاطر قد لا يجد في ذاكرة بعض المنتفعين مكانا حين تنقطع منافعه. لكن الحياة لا تستأذن أحدا حين تقرر أن تبدل وجهها، ولا تمنح الإنسان دائما مهلة يستعد فيها لما تخبئه له. بدأ الانهيار من حيث لم يكن الخطر متوقعا؛ من شراكة ظنها الرجل قائمة على الوفاء، فإذا بها تتحول إلى باب يتسلل منه الخراب. وضع ثقته في موضع حسبه آمنا، فإذا بالثقة نفسها تصبح سببا في خسارة ما جمعه بجهد السنين. لم تكن الخيبة في المال وحده، بل في أن يكتشف المرء أن ما حسبه سندا كان من أسباب سقوطه، وأن حسن الظن قد يتحول، في غفلة من صاحبه، إلى منفذ تعبر منه الخسارة. توالت الضربات، وتبددت الأموال، وبيعت الممتلكات والسيارات، وضاقت السبل حتى اضطر أهل البيت إلى مغادرة منزلهم. لم تكن المغادرة انتقالا من جدران إلى جدران فحسب، بل اقتلاعا قاسيا من حياة اعتادوها، ووداعا لأماكن اختزنت ضحكاتهم وتفاصيلهم وذكريات أعوامهم. كانت أشياء كثيرة تبقى في الذاكرة ولا يمكن حملها في الأمتعة؛ رائحة البيت، وألفة الزوايا، وطمأنينة العودة إلى مكان يعرف أهله، ولا يحتاجون فيه إلى إثبات حقهم في الانتماء. ولم تكد الأسرة تستوعب حجم الخسارة حتى جاء المرض، كأن ما بقي من قوة الرجل لم يكن كافيا لمواجهة ضربة أخرى. استنزفت نفقات العلاج ما تبقى من المال، وصارت الضرورات أثقل من القدرة على احتمالها. اجتمع عليه ضيق ذات اليد ووجع الجسد ومسؤولية الأسرة، في وقت لم تعد فيه الأيام تمنحه فسحة لالتقاط أنفاسه. كان يستطيع أن يستسلم لما فرضه المرض من ضعف، وأن يعلن عجزه أمام واقع يزداد قسوة، لكنه لم يفعل. لم يكن من أولئك الذين يتركون مسؤولياتهم حين تتعثر بهم الحياة، ولم يسمح للألم أن يتحول إلى ذريعة يتخلى بها عن واجبه. وحين ضاقت السبل، لم يجد أمامه سوى العمل بما بقي لديه من قدرة، ولو كان الثمن أن يستهلك من جسده ما لم يعد يملك فائضا منه. ظهرت العربة البسيطة في مشهد حياته كأنها عنوان لمرحلة لم يكن يتخيل أنه سيبلغها. لم تكن تجرها دابة، بل كان يدفعها بيديه، مستعينا بما تبقى في جسده المريض من قوة. صار الطريق ميدانا لمقاومة صامتة، وصار كل يوم يبدأ بسؤال عن القدرة على الاستمرار، وينتهي بمحاولة تأمين ما لا يمكن تأجيله من حاجات البيت. كان المرض يثقل جسده، والطريق يستنزف طاقته، لكن الجوع لا ينتظر حتى يستعيد الإنسان عافيته، والضرورات لا ترحم من أنهكه التعب. كان يواصل السير رغم الألم، ويبتلع وجعه كلما اشتدت المشقة، لأن وراء كل يوم حاجات لا بد من تدبيرها، ولأن التوقف لم يكن يعني الراحة بقدر ما كان يعني مزيدا من العجز. وكان إلى جواره رفيق تقاسم معه مشقة الطريق وقسوة الظروف، وعرف عن قرب ما تخفيه تلك العربة من تعب، وما تحمله كل رحلة من حسابات مرهقة. رأى كيف أصبح تأمين أبسط الحاجات معركة يومية، وكيف تحول العمل الذي كان وسيلة للعيش إلى اختبار مستمر للقدرة على الاحتمال. لم تكن العربة علامة على انكسار الرجل، بل شاهدا على ما بذله كيلا يترك الحاجة تنتصر على مسؤوليته. فالكرامة لا تسكن في فخامة الممتلكات، ولا تقاس بما يحيط بالإنسان من مظاهر الثراء، وإنما تظهر حين يواصل السعي رغم العجز، وحين يختار العمل بيديه على أن يترك من يعولهم فريسة للحرمان. وما كان أشد إيلاما من قسوة الطريق إلا أن يسير فيه جسد أنهكه المرض، بينما لا يملك صاحبه ترف التوقف. غير أن الطريق لم يكن أقسى ما واجهه. كانت الخيبة الحقيقية تنتظره خلف الوجوه التي عرفته في زمن السعة، وبين أناس انتفعوا من عطائه حين كانت أبوابه مفتوحة، ثم غابوا حين انعكست الأحوال. بعضهم اختار الصمت، وبعضهم احتمى بالأعذار، وبعضهم أنكر حقوقا لم يكن إنكارها يغير حقيقتها، لكنه كان يزيد الجرح عمقا. كشفت المحنة ما عجزت سنوات الرخاء عن كشفه. فليس كل من جلس إلى مائدة الكرم يعرف معنى الوفاء، وليس كل من استفاد من الخير مستعدا لرد بعضه حين تضيق الحال بصاحبه. وحين احتاج الرجل إلى من يقف إلى جواره، اكتشف أن كثيرا من العلاقات التي ظنها راسخة لم تكن بالقوة التي تخيلها، وأن بعض القرب لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي. كان بإمكان الفقر أن يحرمه من أشياء كثيرة، لكنه لم يكن مضطرا إلى أن يحرمه من الشعور بالوفاء. غير أن الواقع جاء بما هو أشد مرارة؛ فقد وجد نفسه أمام وجوه تعرفه، لكنها لا تريد أن تتذكره، وأيد اعتادت الأخذ، ثم بدا لها أن العطاء المتبادل عبء لا يستحق أن تتحمله. وفي يوم اشتدت فيه الحاجة، قادته الظروف إلى باب كان يظن أن طرقه لن يرده خائبا. لم يذهب طلبا للترف، ولا بحثا عن فضل زائد؛ كان يرجو عونا يخفف بعض ما أثقل كاهله، أو موقفا يحفظ ما تبقى من المودة القديمة. وقف أمام الباب، يحمل في جسده تعبا تراكم على مدى الأيام، وفي نفسه أملا صغيرا قاوم به مرارة الحاجة. كان يعرف صاحب الباب، ويعرف أن بينهما ماضيا لم يكن يخلو من العطاء. لذلك لم يكن ذهابه سهلا؛ فالحاجة حين تضطر الإنسان إلى طلب المساعدة ممن عرفوه في زمن قوته، لا تثقل يده وحدها، بل تثقل قلبه أيضا. ومع ذلك، غلب رجاؤه ما في نفسه من حرج، وانتظر أن يجد في الداخل بقية من ذلك الود الذي ظن أنه لا يتبدل بتبدل الأحوال. ففتح الباب، وقيل ما قيل، ثم أغلق في وجهه. لم يكن صوت الباب هو ما آلمه بقدر ما حمله من معنى. فهناك أبواب تغلق أمام الغريب، فلا تترك في النفس سوى خيبة عابرة، وأبواب أخرى حين تغلق، تسقط معها أعوام من الثقة، ويجد الإنسان نفسه غريبا أمام ذكرى كان يظنها ملاذا. عاد الرجل بخطوات مثقلة. لم يحمل في يديه ما ذهب من أجله، لكنه حمل وجعا أشد من أن يرى. كان قد عرف قسوة الخسارة، ومرارة المرض، ومشقة العمل، لكنه في تلك اللحظة ذاق نوعا آخر من الألم: أن يحتاج إلى من ظنهم أقرب الناس إلى الوفاء، فلا يجد منهم ما يوازي أبسط ما كان يمنحه في أيام قدرته. ولعل أقسى ما في الخذلان أنه لا يمحو المعروف من ذاكرة صاحبه، بل يتركه حاضرا بكل تفاصيله، شاهدا على مفارقة موجعة: كيف استطاع قلب أن يتسع للآخرين حين ضاقت بهم الدنيا، ثم عجزت قلوبهم عن أن تتسع له حين ضاقت به؟ لم يكن ينتظر أن يسترد موائده، ولا أن تعود إليه أيامه في هيئة امتنان، لكنه كان يأمل ألا يصبح غريبا عند من عرفوا يوما طريقهم إلى بابه. وهنا تحديدا، لم يكن الفقر وحده ما انكشف، بل انكشفت النفوس حين لم يعد للعطاء ما يغريها بالبقاء. ومع ذلك، لم يجعل من الخذلان هوية جديدة له. لم يكن ما حدث أمرا هينا يمكن تجاوزه بكلمة، ولم يكن التسامح عنده إنكارا للظلم أو تبرئة لمن أساء. لكنه لم يشأ أن يمنح الإساءة سلطة تمتد إلى ما بقي من حياته، ولم يرد أن يصبح نسخة أخرى من القسوة التي أوجعته. كان يعرف أن الحقوق لا تضيع لمجرد أن أصحابها عجزوا عن استردادها، وأن الصفح لا يلغي حقيقة الأذى، كما أن الإيمان لا يعني الرضا بالظلم. كان يترك ما خرج عن قدرته لعدل الله، لا ضعفا ولا عجزا عن التمييز بين الحق والباطل، بل يقينا بأن الإنسان لا يستطيع أن يصلح كل ما أفسده الآخرون. لم يكن ينتظر أن يرى عقابا ينزل أمام عينيه، ولا أن تتحول الأيام إلى محكمة مفتوحة؛ كان يرجو أن يحفظ الله قلبه من القسوة، وألا تتحول المحنة إلى سبب يفقده ما بقي لديه من سكينة. ومضت الأيام، والمرض يزداد ثقلا على جسده. صارت الخطوات التي كان ينتزعها من بين أنياب التعب أشق، وأصبح الجهد الذي يبذله لدفع العربة يستهلك منه قوة لم تعد تتجدد كما كانت. ومع ذلك، ظل حريصا على من حوله، لا يجعل من ألمه حديثا دائما، ولا يحمل الآخرين عبء كل ما يعتمل في صدره. كان يواصل ما استطاع، ويخفي ما استطاع، كأنما يحاول أن يمنح من حوله بعض الطمأنينة، حتى حين لم يعد يجد لنفسه منها إلا القليل. ثم جاء ذلك الصباح الحار. منذ الساعات الأولى، بدا الرجل مختلفا. خف ألمه على نحو مفاجئ، واستعاد وجهه شيئا من نضارته، ونهض بنشاط لم يألفه من حوله في أيامه الأخيرة. تحرك في أرجاء البيت، وتفقد من فيه، وسأل عن أحوالهم واحدا واحدا، واطمأن إلى ما استطاع الاطمئنان إليه، ثم أوصاهم بأن يحافظوا على أنفسهم. كانت كلماته بسيطة، لا تحمل في ظاهرها ما يثير القلق، لكن حرصه على تفقد الجميع بقي عالقا في ذاكرة من شهدوا ذلك الصباح. لم يترك أحدا دون أن يسأل عن حاله، ولم يمض في يومه قبل أن يطمئن إلى من حوله. كان يتصرف بهدوء مألوف، ومع ذلك اكتسبت تفاصيل ذلك الصباح، بعد رحيله، معنى لم يكن أحد قادرا على إدراكه في حينه. لعلهم ظنوا أن تحسن حاله بشارة بانفراج قريب، وأن الجسد الذي أنهكته السنوات قرر أخيرا أن يمنحه بعض الراحة. لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الصباح إلى آخر ما سيحتفظون به من تفاصيل حضوره، أو أن تصبح أسئلته العابرة ووصاياه البسيطة من أثقل ما تستعيده الذاكرة بعد رحيله. وحين انتصف النهار، تبدل كل شيء. غاب الحضور الذي اعتادت عليه أرجاء البيت، ولم يعد للصوت الذي كان يملأ المكان صدى. نودي الرجل باسمه، لكن النداء لم يجد جوابا. في لحظة واحدة، صار ما كان مألوفا ذكرى، وما كان قريبا غيابا، وما كان يبدو قابلا للتأجيل حقيقة لا يمكن ردها. رحل. رحل الذي دفع العربة بجسده المريض، وحمل هم أسرته حين كانت الحياة تضيق بهم، وواصل السعي حين كان التعب أحق به من الطريق. رحل دون أن يمهلهم الوقت ليتأهبوا لفكرة أن صوته الذي اعتادوا سماعه لن يعود، وأن خطاه التي كانت تطمئنهم ستصبح أثرا يستدلون به على ما مضى. ولم تكن الفاجعة في موته وحده، بل في ذلك الفراغ الذي تركه وراءه؛ فراغ لا تملؤه الكلمات، ولا تسده الأيام، ولا تعيد المبالغة في الصبر ما أخذه الرحيل دفعة واحدة. كان الألم أكبر من أن يحيط به وصف، لأن من رحل لم يكن مجرد فرد في البيت، بل كان جزءا من معنى الأمان الذي ظلت الأسرة تتشبث به رغم تبدل الأحوال. وبقي صباحه الأخير عالقا في الذاكرة. عادت خطواته في أرجاء البيت إلى الظهور كلما استعادوا تفاصيل ذلك اليوم، وعادت أسئلته ووصاياه تحمل معنى جديدا لم يكن واضحا قبل الرحيل. كان من الصعب تقبل أن الرجل الذي بدا أفضل حالا في الصباح لم يعد موجودا عند الظهيرة، وأن الساعات التي مرت بهدوء كانت تفصل بين حضور اعتادوه وغياب لن يستطيعوا تغييره. بعد رحيله، لم تتوقف الحياة، لكنها لم تعد كما كانت. صار على رفيقه أن يواجه الطريق دون ذلك الحضور الذي شاركه مشقته، وعلى أهل البيت أن يواصلوا أيامهم في غياب من كان يحرص على أحوالهم. أما العربة، فلم تعد مجرد وسيلة للعمل؛ صارت شاهدا على سنوات قاوم فيها الرجل ضيق الحال، وعلى جسد واصل السعي رغم المرض، وعلى كرامة لم يسمح للخسارة أن تنتزعها منه. ومرت السنوات، وتبدلت ملامح الحياة، غير أن الغياب ظل عصيا على النسيان. فبعض الفقد لا تخفف الأيام حدته كما نتمنى، وإنما تعلمنا كيف نواصل العيش إلى جواره. وقد تكفي ذكرى صغيرة، أو مشهد يشبه مشهدا قديما، حتى يعود الحنين بكل ثقله، ويستعيد من عرفوا الرجل صورته وهو يدفع العربة، أو يتفقد أحوال أهل البيت، أو يحاول أن يخفي ألمه كي لا يزيد أعباء من حوله. لم يعد اللقاء ممكنا، ولم يبق سوى الدعاء؛ دعاء يتسلل إلى الصلوات، ورجاء يرفع إلى السماء، وأمنية صامتة بأن يكون للراحل نصيب واسع من الرحمة والمغفرة. فالموت يقطع طريق اللقاء في الدنيا، لكنه لا ينتزع من القلوب قدرتها على الحب، ولا يمنع الأحياء من أن يحملوا موتاهم في دعواتهم كلما ضاقت بهم الحياة. ثمة أرواح لا يغلق الرحيل أبوابها؛ تبقى حاضرة في زوايا الذاكرة، تسكن الصمت، وترافق الخطوات، وتعود كلما هدأ ضجيج الأيام. لا تحتاج إلى شاهد كي يعرف أثرها، ولا إلى اعتراف كي يثبت الوفاء لها. وأحيانا يكون أصدق ما يقدمه الأحياء لمن رحلوا دعاء صادقا، ودمعة تذرف في صمت، وذكرى تصان من النسيان لأنها آخر ما بقي من حضورهم. لم تكن الحكاية حكاية مال ضاع فحسب، ولا بيت أخلي، ولا أبواب أغلقت، ولا رجل رحل قبل أن تنطفئ في ذاكرة أهله تفاصيله. كانت حكاية قلوب اختبرت حين تبدلت الأحوال، فعرفت أن الكرم لا يضمن الوفاء، وأن المعروف قد يسقط من ذاكرة بعض الناس بمجرد أن تتوقف منافعه، وأن معدن العلاقات لا يظهر دائما في اتساع الموائد، بل في اللحظات التي لا يبقى فيها على المائدة ما يغري بالبقاء. كانت حكاية رجل خسر كثيرا من أسباب العيش، لكنه لم يسمح للخسارة أن تحدد قيمته. واجه المرض بالعمل، وضيق الحال بالسعي، والخذلان بالصبر، ورحل تاركا وراءه ما لا تستطيع الممتلكات أن تمنحه ولا الخسارات أن تمحوه: سيرة إنسان حاول أن يحفظ كرامته، وأن يبقى وفيا لمسؤوليته، وألا يجعل من قسوة الآخرين ذريعة للتخلي عن إنسانيته. ولعل أعمق ما نتعلمه من المحن أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، وأن الكرامة لا تسقط حين تضيق به الدنيا، وأن القلب الذي عرف العطاء لا ينبغي أن يخجل من طيبته لأن بعض الناس أساؤوا فهمها. فالخير ليس صفقة، والرحمة ليست خطأ، واليد التي امتدت يوما لتخفف عن الآخرين لا تفقد قيمتها حين لا تجد يدا تمتد إليها. ليس كل من خسر مهزوما، ولا كل من انحنى تحت ثقل الأيام قد انكسر من الداخل. قد تنال المحن من الجسد، وتبدد المال، وتكشف حقيقة بعض الوجوه، لكنها لا تملك بالضرورة أن تنتزع من الإنسان إيمانه، أو أن تمحو ما بقي فيه من خير. فقد يكون الانتصار الحقيقي أن يخرج المرء من ألمه دون أن يحمل الأذى إلى غيره، وأن يواصل حياته دون أن يسمح للخذلان بأن يكتب له طباعه أو يختار له خاتمته. ولعل العدالة لا تأتي دائما في صورة مشهد نراه بأعيننا، كما أن التعويض لا يأتي بالضرورة من الجهة التي أخذت منا. قد يفتح الله للإنسان بابا لم يخطر له على بال، ويمنحه من السكينة ما يعينه على حمل ما لم يستطع تغييره. ليس لأن الألم كان هينا، ولا لأن الخذلان يستحق النسيان، بل لأن ما فعله الآخرون بنا لا ينبغي أن يسرق منا ما تبقى من الحياة، ولأن المحنة مهما امتد ظلها لا تملك أن تحجب رحمة الله إلى الأبد. فبعض النهايات لا تأتي على هيئة عقاب نراه بأعيننا، بل على هيئة نجاة يهبها الله لمن صبر، وبداية جديدة تثبت أن الأذى لم يكن آخر الحكاية، وأن من ظن أنه كسر روحك لم يكن يملك أن يكتب خاتمتها. حين انحنى الزمن، لم يبق للرجل من الدنيا ما كان يملكه، لكن ما بقي منه في القلوب كان أكبر من كل ما فقد. وحين أسدل الموت ستاره، ظل الله حاضرا في الحكاية؛ ملاذا حين خذلت البشر، ورجاء حين ضاقت السبل، وبابا لا يغلق حين تنغلق الأبواب جميعا. لم نكتب هذه الحكاية لنحصي من خذلونا، ولا لنستدر عطف من لم يعرفوا وجعنا، بل لنشهد أن بعض القلوب تستطيع أن تمر من النار دون أن تتعلم الاحتراق بالآخرين، وأن بعض الأرواح، مهما أثقلتها الخسارات، تظل قادرة على الإيمان بأن الغد ليس نسخة حتمية من الأمس. لقد رحل من كان يسندنا بحضوره، وبقيت ذكراه أمانة في القلب، وبقيت دروس الطريق شاهدة على ما فعلته الأيام وما لم تستطع فعله. فلا الفقر جعل كرامته صغيرة، ولا المرض محا سعيه، ولا الخذلان استطاع أن يجعل الخير الذي عاش به خطيئة، ولا الموت استطاع أن يمحو أثره من ذاكرة من أحبوه. ولأن الله لا يترك في العتمة بذرة صبر إلا وهو يعلم أين ينبت لها الضوء، فقد لا تكون المعجزة أن يعود ما رحل، بل أن تستيقظ يوما فلا تجد في قلبك رغبة في العودة إلى ما آذاك؛ أن تقف على أرض جديدة، بقلب أكثر بصيرة، وروح لم تعد تستأذن الخذلان كي تحلم. عندها فقط ستعرف أن الزمن، مهما انحنى بك، لم يكن يكتب نهايتك، بل كان يهيئك لبداية لم تكن لتولد لو بقي كل شيء كما كان. فقد تنحني الأيام، وتتبدل الوجوه، وتغلق الأبواب، ويرحل الأحبة، لكن الروح التي اتخذت من الإيمان سندا، ومن الكرامة مبدأ، ومن الرحمة طريقا، لا يملك أحد أن يكتب نهايتها نيابة عنها.



