أ. ليلى الدردوري*
أغفل المؤرخون ابن الرومي فأغاظهم بشعره وبعبقرية شاعريته الفذة ، وصوره المبتكرة ، ومعانيه الجديدة واستقصائه البعيد ، وإحساسه المرهف ، وتصويره الدقيق ، وخياله الجامح . إذ لم يدكروا من سيرته سوى أشتات زهيدة ومتفرقة لا تفي بطائل ، إلا أن الشاعر خص نفسه بقسم من شعره سجل فيه الكثير من وقائع حياته مما أغاظ به ثانية إغفال المؤرخون
فابن الرومي نشأ في بغداد حيث عكف على طلب العلم حتى استقامت له ثقافة واسعة قوامها العلوم العربية من اللغة والأدب العربي ، والعلوم الدخيلة الشائعة في عصره من فلسفة وفلك وأساطير ، فضلا عن علوم الدين لكن الشائع بين النقاد القدامى والمحدثين شذوذه الفني الذي يرجعونه إلى عبقريته الهائلة. فقد سلك طرقا جديدة في الشعر العربي لم تكن معهودة من قبله ، برزت في فنون شعره ، وفي معانيه مما هيأ له أسباب التفرد عن سائر الشعراء، ينضاف إلى ذلك مساهمة البيئة الاجتماعية و الأحوال المحيطة بحياته في توسيع نطاق هذه العبقرية ، فحملها على التوغل في تفرده. وللنقاد مذاهب في تفسير خصائص عبقرية ابن الرومي مما قد يكون له أثر في توجيه شاعريته، وما لعرقه من يد في تمكنه من استيعاب الحضارة العباسية المختلطة ، بقدر ما فيها للثقافة اليونانية من نصيب . ومن ثمة استطاع المزج بين مؤهلاته الوراثية والمكتسبات الثقافية مزجا فريدا، قرب عبقريته من العبقرية اليونانية في نواح ، وأبعدها في نواح أخرى، مع ما يمكن أن يشير إلى تقارب أو تباعد في المسافة بين شعره وبين أي شاعر إغريقي، من حيث قلة اعتدال ابن الرومي في الإحساس، وكثرة احتفائه بالمعاني مما لا يخفي تداني عقلية الشاعر من العبقرية اليونانية خصوصا من حيث عبادته للجمال إلى حد جعله مبدأ الخير، ومن حيث شغفه بالحياة ومتعها .
ومما لاشك فيه أن لشخصية ابن الرومي يد واسعة في صوغ عبقريته التي طبعها بميزاته الخاصة من شعور متوفر حاد ودقيق، وخيال مبدع ذي الغاية في دقة الملاحظة، والتصوير الذي يتمثل الموصوف من الطبيعة الجامدة إلى الخواطر المجردة التي تستولي على نفسيته ، فيندفع في تدبرها من جميع نواحيها حتى زخر شعره بالخلق والتشخيص وبالفائض من المعاني. ومن أثر أحوال البيئة التي عاش في ظلالها ما أنمى عبقريته من جهة خيبته لدى العظماء التي صرفته عن هدر شاعريته في مجال التقليد الهزيل، واضطرته إلى النزول إلى أبعد قرارات شخصيته، بالقدر الذي جعلته النكبات المتتابعة، وضربات الألم الأكثر صلة بحياته في مأمن من العيش الهنيء ، فأكسبت شعوره رهافة مضاعفة أتاحت له تقدير الحياة والجمال الذي ظل حلمه المنشود حق قدره وفوق قدره ومكنته من توطيد الصلة بين الشعر والإحساس النفسي ، ناهيك عن فقره الذي ظل رفيقه في معظم حياته فقد كان يبلغ من البؤس ما يستدعي الشفقة بدليل قوله في وصف عدمه:
ثوبي الرث والثيــاب طراء
وطعامي برغمي المشجـوب
من رأى منزلي رأى خير غلق فيه، أن ليس فيه لي منـهوب
وإن تيسر عيشه بعض اليسر فقد توالت عليه المحن ، فأتى الحريق على بعض ما يملك ، وغصب البعض الأخر وبقي الشاعر ما بين لجاجة شهواته وحرمانه يشكو ويتضور هما وألما :
مآب الهموم بالليل صــدري
بل فؤادي، بل مهجتي، أو تؤوب
وحلت نكبة ابن الرومي في أسرته ، إذ مات والده وهو حدث، وحرمه الموت أخاه الأكبر معوانه على ملمات الحياة، ثم توفي أبناؤه الثلاثة ، وتوفيت زوجته، ولم تكن الضربات المتتالي إلا لتزيده جزعا وتشاؤما واختلال أعصاب . وحظه في الحياة الاجتماعية لم يكن كذلك موفقا، فرغم أنه أدرك المتوكل وامتدت حياته إلى خلافة المعتضد إلا أنه لم يترك في مدح الخلفاء ما يذكر ، لأنه لم ينل حظوتهم لعدم تمكنه أمامهم من قهر غرابة أطواره ، والتظاهر بالمراوغة وإتقان سياسة الرثاء التي كانت في عصره السبيل الأمثل للامتياز الاجتماعي.
وكان أن جل من اتصل بهم من رجال الدولة أعاجم مثال الوزير إسماعيل ابن بلبل، وآل طاهر، وآل وهب، آل المنجم. إلا أنه لم ينل عند جميع هؤلاء ما يملأ رغبته في الإسراف والبذخ ، ومن ثمة تشكيه وكثرة سخرية الناس منه، وإيلامهم له، مما شدد عليهم ضغينته ونقمته ومن ثمة جرد لسانه لهجوهم كرد فعل على رفضه والسخرية به.أما هجاؤه فنقمة مجروح وأنة جريح، ولسعة مهتاج، ونزقة متطير يطمع في أن يحيا حياة لائقة برتبة الشاعر السامية، وبالمنزلة التي كانت نفسه أهلا لها، إلا أنه لم يظفر بغير الحرمان، لكنه مع حرمانه هذا لم يتمكن من إغماض عينيه عن الدنيا ، ولا تهدئة أعصابه حتى لا تحس بما فيها من جور وتناقض وفساد ، فتضاعف ألمه وتشاؤمه، وسخط على المجتمع، وغدا سريع التهيج والغضب، سهل الاندفاع إلى الشتم والذم، فأتى بأبشع مما أتى به شعراء الهجاء بحيث لا يدانيه الحطيئة ولا جرير ولا الفرزدق مما وجده النقاد النفسانيون سببا لتفسير سلاطة لسانه، وفحش هجاءه ومقدرته على رسم مهجوه رسما كاريكاتوريا ساخرا يقول في رجل طويل أبله=
طول وعرض بلا عقل ولا أد
فليس يحسن إلا وهو مصلــوب
ومن ذلك ما أتى به بآيات من مهارة معروفة لدى كل متادب في وصف البخيل:=
يقتر عيسى على نفسـه / وليس بباق ولا خـالد
فلو يستطيـع لتقتيـره / تنفس من منخر واحـد
فهل شعور ابن الرومي بثقل القيود التي تغل آماله، وبحظوة العقبات المعترضة سبيله ما حمله على الهجاء كحالة من الانتقام النفسي من الحياة والمجتمع، ما هيأ له مؤهلات ناذرة في الهجاء ، وقدرة لاذعة على التهكم؟ وهو المقتدر في تناول القبح في أخفى مظاهره، وعرضه في أمانة واضحة .
أم أن علة تطيره ، حياته البائسة، أمام الحياة التي كان متعشقا لها حد الوله ؟ والتي لم تكن سوى سلسلة متوالية من الإزدراء والخيبة، مما ركب لديه شعورا بلغ غاية الشذوذ النفسي الذي زعزع كيانه، فاعتلت من ثمة أعصابه من وجع الوضع الاجتماعي البئيس، وتجهمت الدنيا في عينيه حتى لم ير في مظاهرها سوى شر يترصده مما فتح الطريق لفوبيا خوف نفسي تستولي عليه، فتفاقمت تطيراته حتى غدت مضربا للمثل وموضوعا لأقاصيص، وألبث عليه جماعات المستهزئين، مع ما ركبه من غرور جعله يتوهم أنه جدير بإكرام عظيم، فتضاعفت آلامه جراء المفارقة بين ما يحسب نفسه أهل به، وما تؤتيه الدنيا من حظ قليل وهو القائل=
وهمومي محدثاثي وبســتا
ني شوك ثماره الخـروب
ولئن وصف ابن الرومي بؤسه المادي والمعنوي بخيبة أمله الواسع في الحياة، فقد وصف كل ما يثير حواسه، فتملى جمالات الطبيعة بكل جارحة من جوارحه، وحركها أمام ناظريه، ووصف الجمال بعين نهمة تستقرئه بشغف، متبينا أدق خطوطه وألوانه بحاسة متوهجة سريعة في التقاط الموصوف بالسمع أيضا حيث استطاع تتبع خفايا النغمة حتى لكأنه يلمس تموجاته واصفا صوت المغنية (وحيد):
وأرق الدلال والغنـــج منه
وبراه الشجى فكان يبــــــيد
فتراه يموت طورا ويحــيا
مستلذ بســيطه والنشــيـــد
فيه وشــي وفــيه حـلي من
النغم مصوغ يختال في القصيد
ثم إن حب ابن الرومي للحياة والجمال ومع ما اجتمع لذيه من عاطفة متوثبة وخيال مسلح بعين حادة يقظة ما دفعه إلى الوصف الذي أدخله في أغلب أبواب شعره، وطبعه بميسم شاعريته المتفردة التي تبقى هي مزيج من طبيعة شاعرية خصبة بعيدة في وراثتها عن العرق العربي وثقافة ملائمة رحبة، ساهمت في صياغتها حياة الشاعر المتألمة في بيئة معاكسة لرغباته الشديدة وغرابة أطواره، وفي هذه الأطوار ما أخصب شاعريته وفتق أخيلتها كما يرى علماء النفس المحدثون، لكن المؤلم أن تكون نهاية الشاعر أيضا مأساة، فقد مات ابن الرومي بالسم بسبب ما كان للشاعر من سلاطة لسان بعثت في قاتل( ابن وهب) وزير المعتضد خوفا من هجاءه فسممه.
ولبن الرومي صاحب ديوان ضخم في الشعر جمعه (أبو بكر الصولي)، حظه أن لم يفقد منه إلا اليسير، ينطوي على عموم أبواب الشعر المعروفة من مدح وهجاء، ورثاء وغزل ،ووصف، كما ترك بعض النثر منه رسائل إلى أبي القاسم بن عبيد الله، وإلى بعض الأصدقاء، وفي نثره بلاغة، وتفوق يشبه تفوقه في الرثاء الذي يعكس قلبه الخفاق المحطم بالمحن، ونفسه الحساسة في تشاؤمها من الحياة. أما في وصفه الطبيعة فقد بلغ ذروة سامية لتخطيه الظواهر المحسوسة إلى البواطن النائية مما يهيج قوى خياله وعاطفته حيث يتم له تجسيم الجمادات حتى يغدو وصفه غزلا لا يفرق بين جمالها والجمال الإنسي. وأوصافه النفسية نموذج رفيع للشعر الإنساني المخول له جدارة البقاء.
ومع جسامة الإحباط الذي لاقاه الشاعر من الحياة والحظ وثقل وطأة الآلام من جميع الأصناف كان تألمه من شقاء الحياة، بقدر شغفه بها وإن أسرف في التطير، وملأ شعره بأنغام التشاؤم، ورأى الحياة نائبات واصلة بين المهد واللحد، وأكبر نوائب الحياة فقدان الشباب، ورأى الظلم شائعا حتى في توزيع المتع:
ومبيتي بلا ضجيع لدى القر ر
وللوغد شاذن مخضوب
ولأن الخير طارئ، واللؤم موثق بالطبع البشري، إلا أنه ظل يعد زوال الحياة أكبر مصاب ومن ثمة يبقى التهافت على متعها خير سبيل إلى نسيان رزياها.
بمحاذاة هذا الموقف تبرز فلسفة ابن الرومي في الحياة، وهي فلسفة المغرم بها، الذي يغلب الحس على العقل والإرادة، المندفع ابتغاء علاتها بنهمه الشديد، حتى بدا له الوجود: امرأة ، وخمرة، وطعام، وربيع، ورياض، كأدوات للسرور. إنها فلسفة من أحب أن يعيش بقوة ليستمتع بقوة وهو في هذا المذهب الأبيقوري يلتقي بأبي نواس من حيث السعي وراء اللذة الحسية، لكنهما ما يلبثان أن يفترقا لأن ابن الرومي على خلاف أبي نواس في طلبه اللذة غايته إشغال الإحساس وتوسيع نطاقه، أما اعتقاده بالحظ وإناطته بطوالع الكواكب فمرده اعتقاده بالمذهب القدري ومن هناك فالرزق نصيب والحياة حظوظ إلا أنه رأى الرزق يوزع على الناس بغير قدر جهدهم في تحصيله.
ويبقى أن ابن الرومي شاعر متفرد عن شعراء العربية الدين عدوا الشعر لمحا خاطفا للأشياء، وهو بذلك يختلف عن أبي تمام مثلا الذي لم يخل شعره من انزياح لحرصه على جعل الشعر إبداعا تداوليا بينه متلقيه وتجاوز عمق الصعوبة ومكابدة عناء المعنى .
وبقدر ما كان أبو تمام شاعرا أرستقراطيا في مخالطة العظام في شعره ، ظل ابن الرومي في حياته وشعره رجل الشعب وابن الحياة التي رفضته، وليس من الغرابة أن ملامسة قوة هذه الشخصية في الاستقرار خلودها في الذاكرة باستيحائها في إبداع اليوم بدليل توظيفها في ثنايا مسرحية ( ابن الرومي في مدن الصفيح ) للمسرحي المغربي عبد الكريم برشيد الذي وظف هذه الشخصية توظيفا إنسانيا وفكريا وجماليا بغاية إعادة تشكيل أزمة الوضع الاجتماعي والوجداني للمثقف العربي بكل الحمولة الرمزية لابن الرومي شاعرا وانسانا.



