ثلاثة أحجار عملاقة تقف منذ آلاف السنين في شمال إنجلترا، يصل ارتفاع بعضها إلى نحو سبعة أمتار، ويزن كل منها أكثر من 25 طنًا. لكن المفاجأة ليست في حجمها فحسب، بل في المكان الذي جاءت منه.
هذه الأحجار تشكّل ما يُعرف باسم «سهام الشيطان» (Devil’s Arrows)، وهي أطول صف حجري من عصور ما قبل التاريخ لا يزال قائمًا في بريطانيا. ولطالما بقي أصل هذه الكتل الحجرية موضع نقاش، إذ كان من الممكن نظريًا الحصول على صخور مناسبة من مواقع أقرب بكثير.
لكن دراسة جديدة قادتها جامعة كيرتن الأسترالية بالتعاون مع جامعة يورك كشفت أن الأحجار لم تأتِ من أقرب مصدر، بل من منطقة «بريمام روكس» (Brimham Rocks)، الواقعة على بعد 18 كيلومترًا على الأقل من موقع النصب الحالي. ويُرجح أن بناء النصب يعود إلى أواخر العصر الحجري الحديث أو بدايات العصر البرونزي، أي قبل نحو أربعة آلاف عام.
وللوصول إلى هذا الاستنتاج، لم يحتج الباحثون إلى اقتطاع أجزاء من الأحجار أو إتلافها. فقد استخدموا تقنية بسيطة بصورة لافتة: شريطًا لاصقًا قادرًا على التقاط حبيبات معدنية مجهرية من سطح الصخور. ثم حللوا معادن مثل الزركون والأباتيت، وقارنوا بصمتها الجيولوجية بمصادر الصخور المحتملة. تطابقت البصمة مع صخور بريمام روكس، ما قدم دليلًا قويًا على أن البشر هم الذين نقلوا الأحجار، وليس الجليد الجليدي الذي كان يُعتقد سابقًا أنه ربما نقلها طبيعيًا.
لكن هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة.
فإذا كانت هذه المجتمعات قادرة على الوصول إلى مصادر أقرب، فلماذا قطعت مسافة لا تقل عن 18 كيلومترًا لجلب كتل صخرية تزن عشرات الأطنان؟
لا يملك العلماء جوابًا حاسمًا بعد. إلا أن اختيار مصدر بعيد وصعب الوصول إليه يوحي بأن المسألة لم تكن مجرد بحث عن حجر مناسب للبناء. ربما كانت للمكان نفسه قيمة رمزية أو ثقافية أو دينية لدى أولئك الناس، وربما كان نقل الحجر جزءًا من الطقس والمعنى الذي أرادوا أن يمنحوه للنصب.
والأكثر إثارة أن الباحثين لم يكتشفوا بعد كيف نُقلت هذه الكتل الضخمة لمسافة 18 كيلومترًا، وكيف رُفعت في النهاية لتصبح أعمدة شاهقة.
نحن إذن أمام إنجاز هندسي يعود إلى زمن لم تكن فيه الرافعات ولا الشاحنات ولا الآلات الحديثة موجودة. ومع ذلك، تمكنت جماعات بشرية من تنظيم الجهد والموارد ونقل أحجار تزن أكثر من 25 طنًا عبر مسافة طويلة، ثم نصبها في مشهد ظل قائمًا حتى يومنا هذا.
وربما يكون السؤال الحقيقي الذي تتركه لنا «سهام الشيطان» ليس: كيف استطاعوا نقل هذه الأحجار؟ فحسب، بل: ما الذي كان يعنيه لهم هذا الجهد الهائل حتى يجعلهم يقدمون عليه أصلًا؟
> المصدر: دراسة منشورة في Proceedings of the Royal Society A، 8 أيلول 2026.


