تسكن مخاوف الجمود والتكلس أذهان الناس كلما تقدموا في العمر، فيتساءل المرء عما إذا كانت الطباع والعادات التي تشكلت في طفولته وشبابه قد أصبحت ثابتة إلى حد يستحيل معه تغييرها. وقد صاغ عالم النفس والفيلسوف الأمريكي ويليام جيمس واحدة من أشهر العبارات في هذا السياق، حين كتب أن الشخصية، «في معظمنا، تكون قد تصلبت كالجص» عند بلوغ الثلاثين، ولن تلين بعد ذلك. كان جيمس يشير بذلك إلى قوة العادات والأنماط التي تتكون خلال سنوات التكوين، وإلى أن تغييرها يصبح أصعب مع مرور الوقت، لا إلى قانون بيولوجي يجعل الشخصية غير قابلة للتغير بعد عيد الميلاد الثلاثين.
وقد احتفظت الفكرة بجاذبيتها لأن جانبًا من علم النفس الحديث يؤكد بالفعل أن الشخصية تصبح أكثر استقرارًا مع التقدم في العمر. فقد أظهرت مراجعة تحليلية شملت 152 دراسة طولية أن اتساق السمات الشخصية يزداد من الطفولة إلى الرشد، وبلغ في المتوسط نحو 0.64 عند سن الثلاثين، لكنه واصل الارتفاع في العقود اللاحقة بدل أن يتوقف عند الثلاثين. وهذا فرق مهم: فازدياد الاستقرار لا يعني انعدام التغير، بل يعني أن أنماطنا الشخصية تصبح أكثر قابلية للتنبؤ مع مرور الزمن.

وعندما انتقل الباحثون من سؤال «هل تبقى الشخصية مستقرة؟» إلى سؤال «هل تتغير؟»، ظهرت صورة أكثر تعقيدًا. فقد وجدت تحليلات طولية واسعة أن بعض السمات تستمر في التغير خلال الرشد؛ إذ تزداد لدى كثير من الناس، خصوصًا بين العشرين والأربعين، سمات مثل الضبط الذاتي والاستقرار الانفعالي والهيمنة الاجتماعية، كما يستمر قدر من التغير في منتصف العمر والشيخوخة. وفي عام 2026، عزز تحليل تلوي حديث شمل 229 دراسة طولية وأكثر من 230 ألف شخص هذه الصورة، إذ وجد فروقًا فردية ذات دلالة في مقدار واتجاه تغير السمات الشخصية عبر مراحل الحياة، ولم يجد نقطة عمرية يصبح بعدها التغير مستحيلًا.
وهنا تبرز أهمية أعمال عالم النفس برايان ليتل حول «السمات الحرة» و«المشروعات الشخصية». يقترح ليتل أن الإنسان لا يتحرك دائمًا وفق ميوله الشخصية الأولية؛ فقد يضطر، بسبب مشروع شخصي مهم بالنسبة إليه، إلى تبني سلوك يخالف ميله المعتاد. فقد يكون الشخص انطوائيًا بطبعه، لكنه يتصرف بانفتاح وحماس عندما يتطلب عمله التدريس أو القيادة أو التفاوض. هذه الحالة لا تعني أنه أصبح فجأة شخصًا انبساطيًا، بل تعني أن السلوك الإنساني يمتلك مساحة من المرونة تسمح للشخص بأن يتجاوز ميله الأولي في سياقات معينة لتحقيق أهداف يراها ذات قيمة.
وهذا يضعف القراءة الحرفية لعبارة جيمس من دون أن يجعلها خاطئة تمامًا. فالشخصية ليست كتلة من الجص، لكنها أيضًا ليست مادة لينة يمكن تشكيلها بلا حدود. هناك فروق فردية ذات جذور بيولوجية ووراثية، وهناك سمات تصبح أكثر استقرارًا مع العمر، لكن توجد في الوقت نفسه قدرة مستمرة على التكيف والتغير، تتأثر بالخبرات والعلاقات والأدوار الاجتماعية والمشروعات التي يختار الإنسان متابعتها.
لذلك ربما كان السؤال الأدق ليس: «هل تتصلب الشخصية بعد الثلاثين؟»، بل: «إلى أي حد تصبح الشخصية مستقرة، وما مقدار التغير الذي يبقى ممكنًا بعد ذلك؟». تشير الأدلة الحديثة إلى أن الثلاثين ليست جدارًا يفصل بين شخصية قابلة للتغيير وأخرى جامدة؛ إنها مرحلة يصبح فيها الاستقرار أكبر، بينما يظل التغير ممكنًا. وربما تكمن دقة استعارة جيمس في أنها تصف صعوبة إعادة تشكيل الشخصية أكثر مما تصف استحالة إعادة تشكيلها.
> المصادر: ويليام جيمس، The Principles of Psychology؛ Roberts & DelVecchio, Psychological Bulletin (2000)؛ Roberts, Walton & Viechtbauer, Psychological Bulletin (2006)؛ Little, Social and Personality Psychology Compass (2008)؛ Haehner et al., Psychological Bulletin (2026


